قراءة لما بعد الحصار الاقتصادى على إيران .. من يدفع الثمن فى المنطقة وماذا ينتظر العراق؟

شيركو حبيب
لم تعد العقوبات الأمريكية على إيران مجرد ورقة ضغط اقتصادية تستخدمها واشنطن فى مواجهة طهران، بل تحولت إلى مواجهة أوسع يمكن أن تتجاوز حدود إيران، وتمتد تداعياتها إلى دول المنطقة، وفى مقدمتها العراق.
ما يجرى اليوم ليس مجرد تشديد جديد للعقوبات، وإنما محاولة للضغط على الاقتصاد الإيرانى، وتقييد قدرته على الوصول إلى الأسواق والموارد المالية، ودفع الدول والشركات التى تتعامل مع طهران إلى إعادة حساباتها.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ماذا بعد هذا الحصار الاقتصادى؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة تحقيق النتائج التى تريدها؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن للعراق أن يحمى نفسه من تداعيات صراع لا يملك قرار بدايته ولا نهايته؟
لا شك أن الاقتصاد الإيرانى يواجه مرحلة صعبة: انخفاض قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية، كلها عوامل تضغط على المواطن الإيرانى قبل أن تضغط على الحكومة.
لكننى، ومن خلال قراءتى المتواضعة للمشهد، لا أتصور أن من الصحيح القول إن إيران ستنهار اقتصاديًا بمجرد تشديد العقوبات، إيران دولة كبيرة، تمتلك موارد طبيعية وبشرية واسعة، وراكم نظامها خلال العقود الماضية خبرة طويلة فى إدارة اقتصاد يعيش تحت الضغوط والعزلة والعقوبات.
كما طورت شبكات مالية وتجارية بديلة تساعدها على الاستمرار، حتى فى أصعب الظروف، ولهذا أرى أن العقوبات يمكن أن تضعف إيران بشدة، وتزيد الضغوط على اقتصادها ومواطنيها، لكنها لا تعنى بالضرورة سقوطها.
وهنا يكمن الفرق بين الضغط الاقتصادى وبين تحقيق الهدف السياسى، فإيلام الاقتصاد شىء، وتحويل هذا الألم إلى تغيير سياسى شىء آخر.
إذا كانت إيران تستطيع تحمل جزء من نتائج العقوبات، فإن العراق قد يجد نفسه أمام مشكلة مختلفة.
العراق ليس مجرد دولة مجاورة لإيران، هناك حدود طويلة، وتجارة واسعة، وحركة مستمرة للبضائع والأموال، وتشابك كبير فى المصالح الاقتصادية، فضلًا عن اعتماد العراق على الغاز الإيرانى فى تشغيل جزء من منظومة الكهرباء، وهناك أيضًا علاقات سياسية واجتماعية متشابكة بين البلدين، تجعل عملية الفصل الاقتصادى الكامل بين بغداد وطهران أمرًا غير ممكن بين ليلة وضحاها وهنا تجد بغداد نفسها أمام معادلة صعبة، من جهة لا تستطيع تجاهل علاقتها بالولايات المتحدة ومصالحها الاقتصادية والمالية المرتبطة بالنظام المالى الدولى.
ومن جهة أخرى، لا تستطيع قطع علاقاتها الاقتصادية مع إيران بصورة مفاجئة، لأن مثل هذه الخطوة قد تنعكس مباشرة على الكهرباء والأسواق والتجارة وحياة المواطن العراقى.
وتشير تقديرات إلى أن العراق يعتمد على الغاز الإيرانى بمليارات الدولارات سنويًا، الأمر الذى يجعل ملف الطاقة واحدًا من أكثر الملفات حساسية فى أى تصعيد اقتصادى بين واشنطن وطهران.
وربما هناك سؤال هل بغداد مع إيران أم مع أمريكا؟
ولكن السؤال الأصح فى رأيى هو:كيف تحمى بغداد مصالح العراق من صراع لا يملك العراق قرار بدايته ولا نهايته؟ والعراق لا يستطيع أن يعيش على الأزمات؟
العراق يعتمد بدرجة كبيرة على النفط فى إيراداته، وأى اضطراب إقليمى كبير يمكن أن ينعكس على أسعار النفط، وحركة التجارة، وأسعار النقل والتأمين، وسعر الصرف والاستثمارات، قد يستفيد العراق مؤقتًا من ارتفاع أسعار النفط إذا أدى التصعيد إلى تقليص المعروض العالمى، لكن هذه الفائدة ليست مضمونة ولا مستقرة، فالنفط مرتفع السعر لا يعنى بالضرورة اقتصادًا عراقيًا قويًا إذا كان ارتفاع الأسعار يأتى نتيجة أزمة إقليمية تؤدى فى الوقت نفسه إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، وتعطيل التجارة، وزيادة المخاطر الأمنية، العراق ليس جزيرة معزولة عن المنطقة، أى أزمة فى الخليج، أو فى مضيق هرمز، أو فى طرق التجارة الإقليمية، يمكن أن تصل آثارها إلى بغداد وأربيل والبصرة والمنافذ الحدودية والأسواق العراقية.
ولهذا فإن المطلوب من الحكومة العراقية ليس انتظار الأزمة، وإنما الاستعداد لها قبل أن تصل إلى الداخل العراقى.
هل نتائج العقوبات مضمونة؟ برأيى: لا توجد نتيجة مضمونة فى الحروب الاقتصادية.
قد تنجح العقوبات فى خفض الإيرادات الإيرانية، وإضعاف القدرة على تمويل بعض النشاطات، وزيادة الضغط على الحكومة، لكنها لا تضمن وحدها تغيير سلوك طهران أو تغيير النظام السياسى، والتجربة السابقة تؤكد أن إيران استطاعت فى مراحل مختلفة التكيف مع العقوبات، من خلال الأسواق الموازية، والوسطاء، وشبكات التجارة غير المباشرة، وطرق مختلفة لبيع النفط وتحريك الأموال.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل تستطيع أمريكا إيلام الاقتصاد الإيرانى؟ بالتأكيد تستطيع.
لكن السؤال الأصعب هو: هل تستطيع تحويل هذا الألم الاقتصادى إلى نتيجة سياسية حاسمة؟
الخطر الأكبر… أن يتحول العراق إلى ساحة للعقوبات.
ما يقلقنى من خلال قراءتى للوضع أن أكثر من تأثير العقوبات على إيران نفسها هو احتمال أن يتحول العراق إلى ساحة غير مباشرة للصراع الاقتصادى والسياسى، كلما زادت الضغوط على طهران، زادت الحاجة إلى طرق بديلة للتجارة والتحويلات والتمويل، وهنا يجب على الدولة العراقية أن تكون أكثر حذرًا من أى وقت مضى، فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الأزمات، يكفيه ما عانى منه خلال العقود الماضية، وأى تعامل مالى أو تجارى غير محسوب قد يضع مؤسسات عراقية أو مصارف أو شركات أمام عقوبات أو إجراءات دولية، وهو أمر ستكون كلفته فى النهاية على الاقتصاد العراقي والمواطن العراقى.
وهناك ملف آخر لا يقل خطورة، وهو ملف سلاح الفصائل، فالعراق يجد نفسه أمام ضغوط أمريكية لحسم هذا الملف ضمن سقف زمنى، فى وقت تتحدث فيه تقارير عن رغبة إيرانية فى تأجيل أو تمديد المهلة، وهنا، اعتقد بأنه يجب ألا تتعامل بغداد مع القضية باعتبارها استجابة لضغط أمريكى أو إيرانى، فسلاح الدولة يجب أن يكون قرار الدولة، هذه ليست قضية ترضى واشنطن أو طهران، وإنما قضية تتعلق بسيادة العراق وأمنه ومستقبل مؤسساته، العراق لا يستطيع أن يكون دولة كاملة السيادة وفى الوقت نفسه يسمح بوجود قرارات أمنية وعسكرية خارج إطار الدولة.
وفى المقابل، فإن معالجة هذا الملف تحتاج إلى حكمة سياسية ومسار عراقى واضح، حتى لا يتحول نزع السلاح إلى مواجهة داخلية جديدة يدفع المواطن العراقى ثمنها، المطلوب هو أن يكون القرار عراقيًا، وأن تكون مصلحة العراق هى المعيار الأول والأخير.
بغداد أمام فرصة، وليست أمام أزمة، فقط كل أزمة يمكن أن تكون فرصة إذا أحسنّنا التعامل معها.
وقد تكون هذه المرحلة فرصة للعراق لإعادة ترتيب علاقاته الاقتصادية على أساس تنويع الشركاء وعدم الاعتماد على دولة واحدة.
العراق يحتاج إلى تطوير إنتاج الغاز المحلى، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتنويع مصادر الطاقة، وتقوية القطاع المصرفى، وحماية النظام المالى العراقى من أن يتحول إلى وسيلة للصراعات الإقليمية.
كما يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة تقول بوضوح: إن العراق يريد علاقات جيدة مع جميع جيرانه، لكنه لا يريد أن يدفع ثمن صراعاههم وهذا ليس موقفًا عدائيًا تجاه إيران، ولا انحيازًا للولايات المتحدة، إنه ببساطة دفاع عن المصلحة العراقية.
وماذا عن إقليم كردستان؟
لا يمكن الحديث عن تداعيات الأزمة الإقليمية على العراق من دون النظر إلى إقليم كردستان، فالإقليم يرتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية مع دول الجوار، وأى اضطراب فى الحدود أو التجارة أو حركة الأموال والطاقة يمكن أن ينعكس على اقتصاده وأسواقه.
ولهذا فإن استقرار كوردستان الاقتصادى هو جزء من استقرار العراق كله، وفى مثل هذه الظروف، تصبح العلاقة بين بغداد وأربيل أكثر أهمية من أى وقت مضى.
الخلافات السياسية يمكن أن تستمر، وهذا أمر طبيعى فى أى دولة، لكن القضايا الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية تحتاج إلى تفاهم وتنسيق، لأن الأزمات الخارجية لا تفرق بين بغداد وأربيل عندما تصل آثارها إلى الاقتصاد العراقى.
ولهذا أعتقد بأن هذه المرحلة يجب أن تكون فرصة جديدة لتعزيز التفاهم بين الطرفين على أساس الدستور والمصلحة المشتركة، وليس على أساس ردود الفعل السياسية.
إن المنطقة أمام مرحلة جديدة، وما يحدث مع إيران لن يبقى داخل الحدود الإيرانية، فالمنطقة كلها ستتأثر بدرجات مختلفة: الطاقة، التجارة، النقل، العملات، الاستثمارات، الأمن، وحتى حركة الناس بين الدول، وإذا استمر التصعيد، فإن دول المنطقة ستكون أمام خيارين: إما أن تتحول إلى ساحات للصراع بين القوى الكبرى والإقليمية، أو أن تبدأ ببناء مواقف أكثر استقلالًا تحمى مصالحها.
والعراق تحديدًا يجب ألا ينتظر حتى تبدأ الأزمة داخله، يجب أن يستعد من الآن، وأنا لا أرى أن المطلوب من العراق أن يختار بين واشنطن وطهران، بل يحتاج العراق إلى أن يختار العراق نفسه، وأن يحافظ على علاقاته مع الولايات المتحدة، ويحترم علاقاته التاريخية والجغرافية مع إيران، ويحمى سيادته، ويمنع استخدام أراضيه ومؤسساته فى الصراعات الإقليمية، وفى الوقت نفسه يعمل على بناء اقتصاد يستطيع الوقوف على قدميه دون أن يكون رهينة لأى طرف.
أما العقوبات الأمريكية، فمن المؤكد أنها ستزيد الضغوط على الاقتصاد الإيرانى، وقد تضع طهران أمام اختبار اقتصادى صعب، لكن القول إن نتائجها مضمونة سيكون مبالغة، فالاقتصاد قد ينهار تحت الضغط، وقد يتكيف معه، وقد يتحول الضغط نفسه فى مرحلة معينة إلى عامل يدفع الأطراف نحو التفاوض، ولهذا فإن المرحلة المقبلة لن تكون معركة بين العقوبات وإيران فقط، إنها ستكون اختبارًا لقدرة دول المنطقة، وفى مقدمتها العراق، على حماية مصالحها وسط صراع كبير لا يبدو أن نهايته قد كُتبت بعد.
أما العراق، فعليه أن يتعلم من تجارب السنوات الماضية: لا مصلحة له فى أن يكون طرفًا فى صراع الآخرين، ولا مصلحة له فى أن يتحول إلى منفذ للعقوبات، ولا مصلحة له فى أن يدفع اقتصاده ثمن خلافات لا يملك قرارها.
وفى السياسة، كما فى الاقتصاد، ليس المهم فقط أن تعرف من يضغط على من، بل أن تعرف كيف تمنع نفسك من أن تكون أنت الضحية.




