افتتاحية ديوان القراءات الدبلوماسية (27) .. كتابات المرأة المصرية: مهارة صلبة وقوة ناعمة

 

السفير عمرو الجويلى

قال السفير عمرو الجويلى فى افتتاحية ديوان القراءات الدبلوماسية (27)، إن العدد السابع والعشرين من ديوان القراءات الدبلوماسية، يحمل سمةً تستوقف القارئ قبل أن تطالعه سطوره: فكاتباته جميعاً من سيدات مصر، أربعُ سيدات جميعهن حملن القلم وإحداهما حملت أيضًا الريشة، فكتبن فى الأمن القومى والاستشراف، وفى الرواية وأسئلة الهوية، وفى أدب الرحلة والمعايشة، وفى فنّ الكاريكاتير وثقافة الحق والواجب.

ولعل فى اجتماع هذه الأصوات النسائية على صفحةٍ واحدة ما يُغرى بقراءتها لا فُرادى فحسب، بل بوصفها جوقةً متآلفة تعزف على مقاماتٍ متباينة لحناً واحداً.

ولئن جرت العادة أن نصف الدبلوماسية الثقافية بأنها «قوة ناعمة»، فإن ما بين أيدينا فى هذا العدد يقرن النعومة إلى صلابة المهارة، فمن دقّة المحلّلة الاستراتيجية التى تقرأ إشارات الخطر قبل وقوعه، إلى رهافة الأديبة التى تنقّب فى دواخل النفس، إلى شجاعة الرحّالة التى تعبر الحدود وحيدة، إلى صبر الفنانة التى تُحوّل المواثيق الأممية إلى نبضٍ شعبى.

وهكذا تتبدّى المرأة المصرية فى هذا الديوان صانعةً للقوة الناعمة وحاملةً لمهارةٍ صُلبة فى آنٍ معاً، وهى المعادلة التى اخترناها عنواناً.

عيون تسبق الخطر: حين يصير الاستباقُ فنّاً
نبدأ، وفق تسلسل الفهرس، بمقال د. سماء سليمان – المستشار السياسى بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، ومدير وحدة الإنذار المبكر بالمركز سابقاً، وعضو مجلس الشيوخ الأسبق – الذى تعرض فيه لكتابها «عيون تسبق الخطر: الإنذار المبكر وتعزيز الأمن القومى (مصر نموذجاً).

وتنطلق الكاتبة من سؤالٍ مؤسِّس: كيف ترى الدولة التهديدات قبل أن تستفحل الأزمات؟ وكيف تُحوَّل البيانات المتناثرة إلى رؤيةٍ استباقية تُمكّن صانع القرار من حماية الأمن القومى؟ فتقدّم مفهوماً موسّعاً للأمن لم يعُد قاصراً على حماية الحدود، بل امتدّ إلى الاقتصاد والبيئة والمناخ والأمن السيبرانى والذكاء الاصطناعى، وتعرض تجارب مقارنة رائدة والمتطلبات المؤسسية والاستثمار فى العنصر البشرى، وصولاً إلى استراتيجية وطنية متكاملة تخدم رؤية مصر 2030.

ولكل هذه المفاهيم وتلك النظريات أبعاد مباشرة وغير مباشرة متعلقة بمهنة الدبلوماسى، لكن نخص بالذكر ما تناولته الكاتبة عن الدبلوماسية الوقائية بوصفها شقيقةً لأنظمة الإنذار المبكر، فكلاهما ينهض على منطق المبادرة لا رد الفعل، وعلى صناعة المسار قبل انفجاره.

وما الدبلوماسى الحاذق إلا «عينٌ تسبق الخطر»، يقرأ إشارات الأزمة الجنينية فى المفاوضات والعلاقات فيطفئها حواراً وبناءً للثقة قبل أن تتحول حرباً، إنه مقال صلب فى مهارته التحليلية، غير أن قلبه — الدبلوماسية الوقائية — من أنعمُ ما تكون القوة.

«سيدى الحب»: جغرافيا الهوية وحدود الذات
وننتقل إلى الأديبة رشا زيدان فى مقالها عن روايتها «سيدي الحب: بين التيه والنجاة»، التى تنطلق من سؤالٍ محورى: هل ينجو الإنسان بذاته فى عالمٍ يطالبه كل يومٍ بأن يكون نسخةً أخرى؟ عبر قصة هارون حاييم — المنقول طفلاً بعد نكبة 48 من موطنه المغرب إلى إسرائيل لتُفرَض عليه هويةٌ لا تمثّله — يلتقى بفاطمة الفلسطينية فى يافا، فيصير الحبُّ قوةً للتحرّر الداخلى ومواجهةً للذات.

ولا تسعى الرواية إلى تقديم إجابات بقدر ما تفتح أفقاً للتأمل فى الحرية والاختيار والانتماء المفروض فى مقابل الانتماء المُختار.

وهنا يتجلّى الدرس الدبلوماسى فى أعمق طبقاته: فتحت كل نزاعٍ سياسى بنيةٌ إنسانية من هوياتٍ جريحة وانتماءاتٍ متنازَعة، والقضية الفلسطينية — فى جوهرها — سؤال أرضٍ وهوية.

وحين تجرؤ الرواية على ولوج التفاصيل اليومية لـ«الآخر»، فإنها تمارس ضرباً من الدبلوماسية الإنسانية التى تتجاوز التفاعلات الرسمية.

«أديس»: دبلوماسية المعايشة على أرض أثيوبيا
ثم نصحب أ. مى مجدى عبد الحكيم فى «أديس – يوميات مصرية فى إثيوبيا»، وهو مزيجٌ من أدب اليوميات والرحلة سجّلت فيه عاماً كاملاً قضته وحدها فى أديس أبابا ضمن برنامج متطوعى الاتحاد الإفريقى، حيث عملت مسؤولاً إعلامياً بمكتب نائب رئيس مفوضية الاتحاد.

تكتب عن «البُنّة» و«الإنجيرا» وسوق «الميركاتو» والأعياد الأثيوبية، وعن التشابه اللافت بين الأمهرية والعربية، فتُفكّك الصورة النمطية عن إفريقيا بمعرفةٍ وُلدت من المعايشة لا من صفحات الموسوعات، واللافت أنها — رغم المخاوفَ التى أتت معها — إلا أنها تؤكد أنها لم تلقَ هناك إلا اللطف والمحبة على المستوى الإنسانى والشعبى.

ودرسها الدبلوماسى جليّ: إنها دبلوماسية المعايشة والدبلوماسية الشعبية، حيث يصير المواطن سفيراً غير معتمد، والحضور الثقافى المصرى فى العمق الإفريقى رصيداً من القوة الناعمة أبلغ أثراً من كثيرٍ من البيانات.

فالتقارب بين الشعوب لا يُبنى فى قاعات التفاوض وحدها، بل فى الأسواق والشوارع وموائد القهوة، وحين تلتقي اللغتان فى مفرداتٍ متطابقة، يتذكّر المرء أن ما يجمع أكثر مما يفرّق، وأن أدب الرحلة قد يكون جسراً حيث تتعثر الطرق الرسمية.

«حق وواجب المصرى»: من الميثاق الأممى إلى نبض الشارع
ونختتم عروض العدد بالدكتورة نجلاء عزت وكتابها «حق وواجب المصرى»، الذى أعادت فيه — بريشة الكاريكاتير والنثر العامى المصرى — تقديم الإعلان العالمى لحقوق الإنسان (1948) ومشروع الإعلان العالمى لواجبات الإنسان (1997) فى فصلين: حق المصرى وواجب المصرى.

وُلد الكتاب فى 2011 من قناعةٍ بأن الحرية التى نادى بها الجميع تحتاج إلى ثقافة الواجب التى لم يملكها إلا قلة، مستحضرةً حكمة غاندى بأن «الحقوق التى لا تنبع من واجبٍ أُدّى على نحوٍ حسن لا تستحق أن تُمنح».

وكان عملاً جماعياً بامتياز، شارك فى مراجعته وإخراجه نخبةٌ من القانونيين والسياسيين والفنانين، حتى صار — كما تحبّ أن تسمّيه — «كتابنا» لا كتابها.

وهنا يكتمل الدرس الدبلوماسى فى أوضح صوره: فالكتاب يترجم المواثيق الأممية إلى «لغةٍ عالمية بلهجةٍ مصرية»، فيقرّبها من المواطن العادى بوصفها جزءاً من قوة مصر الناعمة فى سياستها الخارجية.

بل إن ثنائية الحق والواجب التى يقوم عليها تُحاكى فى العمق مبدأ التبادلية الذى يحكم القانون الدولى والعلاقات بين الدول: فلا حق بلا التزامٍ مقابل، ولا مطالبة تُصان ما لم يقابلها أداءٌ للواجب. إنها دبلوماسيةٌ عامة تُمارَس بالفرشاة والعامية، تُخاطب الداخل والخارج معاً.

قواسمُ مشتركة وخصائصُ متفردة
يجمع بين هذه الكتابات الأربع أكثر من كونها بأقلامٍ نسائية، فثمة معجمٌ يتردّد صداه عبرها جميعاً: الحرية والهوية والاختيار، والإنسان فى مواجهة ذاته والعالم، والجسر الممدود بين الخاص المحلى والعام الدولى.

وثمة توترٌ خصيب بين قطبين: قطب الاستباق الذى تبشّر به سماء سليمان، وقطب «التيه» الذى تعالجه رشا زيدان، فكأن العدد كله يتأرجح بين عينٍ تسبق الخطر وذاتٍ تبحث عن النجاة.

أما الخصائص المتفردة فتتوزّع على المقامات والأجناس: تحليلٌ استراتيجى مؤسسى عند الأولى، وروايةٌ نفسية وجودية عند الثانية، وأدبُ رحلةٍ ويومياتٍ عند الثالثة، وفنٌّ تشكيلى بلغةٍ شعبية عند الرابعة.

فمن صلابة البيانات والمؤشرات إلى نعومة الفرشاة والحرف، تتوزّع السيدات الكاتبات الأربع على كامل الطيف الممتد بين المهارة الصلبة والقوة الناعمة — وهو ما يجعل العدد لوحةً واحدةً بأربعة ألوان.

دروسٌ دبلوماسية وخلاصاتٌ للتأمل
ما الذى يمكن أن نستخلصه من هذا العدد؟ أولاً، أن الدبلوماسية العامة تفيض عن جدران الوزارات ونصوص المعاهدات لتسرى فى الرواية واليوميات والكاريكاتير وغرفة الإنذار المبكر، فالثقافة كلها حقلٌ دبلوماسى إن أحسنّا قراءتها.

وثانياً، أن ثنائية الحق والواجب عند د. نجلاء عزت هى بعينها مبدأ التبادلية فى القانون الدولى، وأن استباق د. سماء سليمان هو روح الدبلوماسية الوقائية، ومعايشة أ. مي عبد الحكيم هى جوهر الدبلوماسية الشعبية، وأن تعاطف الأديبة رشا زيدان مع الذات و«الآخر» هو شرط كل تفاوضٍ إنسانى.

وثالثاً — وهو خلاصةٌ نتركها للتأمل — أن القوة الناعمة لمصر ليست شعاراً يُرفع، بل تُكتب وتُرسم وتُعاش بأيدى سيداتها: فى تحليلٍ يحمى، وروايةٍ تُنصف الإنسان، ويومياتٍ تبنى الجسور، وريشةٍ تُقرّب المواثيق.

فإذا كان الاستباق خيراً من رد الفعل، والواجب قريناً للحق، والمعرفة بالآخر شرطاً للسلام معه — أفلا يكون فى هذا العدد دعوةٌ إلى دبلوماسيةٍ تسبق الخطر بعينٍ يقظة، وتنجو من التيه بذاتٍ واثقة، وتبنى بالثقافة ما يعجز عنه أحياناً صخبُ السياسة؟

ومن هنا دعوة متجددة من المحرر للمراسلة على AmrA@Diplomacy.edu، وللاستمرار فى المشاركة فى ديوان القراءات الدبلوماسية بالمقالات القيّمة عن الكتب والإصدارات المتنوعة فى الأعداد القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »