# المغرب وإسبانيا أمام اختبار جديد.. هل يشعل فيليبي السادس فتيل أزمة سبتة؟

مدريد
تعود **سبتة ومليلية المحتلتان** إلى واجهة التوتر السياسي بين المغرب وإسبانيا، في وقت تمر فيه العلاقات بين الرباط ومدريد بمرحلة دقيقة، وبعد الأزمة الهجرية غير المسبوقة التي شهدتها سبتة خلال الأسابيع الماضية.
وفي خضم هذا المشهد، برزت إمكانية قيام العاهل الإسباني الملك **فيليبي السادس** بزيارة إلى سبتة، وهي الخطوة التي أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن الملك سيقوم بها، من دون تحديد موعد لها حتى الآن. غير أن مجرد طرح الزيارة في هذا التوقيت فتح الباب أمام تساؤلات سياسية ودبلوماسية واسعة حول طبيعة الرسالة التي يمكن أن تحملها، وكيف ستتعامل معها الرباط.
الصحفي الإسباني خوان كارلوس سانز، في مقال نشرته صحيفة «الباييس»، نقل عن مصادر سياسية ومتابعين للعلاقات المغربية الإسبانية أن زيارة ملكية إلى سبتة في الظرف الحالي قد تُفهم في المغرب باعتبارها خطوة استفزازية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 شتنبر.
### سبتة.. زيارة ملكية أم رسالة سياسية؟
السؤال الذي يفرض نفسه في الرباط ومدريد هو: **هل ستكون زيارة فيليبي السادس إلى سبتة مجرد زيارة ملكية، أم أنها ستتحول إلى رسالة سياسية تتجاوز حدود البروتوكول؟**
ففي الحسابات الإسبانية، قد تُقدَّم الزيارة باعتبارها تعبيراً عن دعم الدولة الإسبانية لمدينة سبتة وسكانها، خصوصاً بعد الأزمة الهجرية الأخيرة.
لكن في الرباط، تبدو الصورة مختلفة تماماً.
فالمغرب يتمسك بموقفه التاريخي من **سبتة ومليلية المحتلتين**، ويرى أن المدينتين تقعان على التراب المغربي، بينما تعتبرهما إسبانيا مدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي وتؤكد سيادتها عليهما.
ولهذا السبب تحديداً، فإن أي زيارة للملك الإسباني إلى سبتة لا يمكن فصلها عن الخلفية السياسية والتاريخية للنزاع حول المدينتين.
### الرباط تراقب.. ولا موقف رسمي حتى الآن
ورغم حساسية الملف، لم يصدر عن السلطات المغربية، إلى حدود الآن، موقف رسمي بشأن الزيارة المحتملة.
غير أن صحيفة «الباييس» نقلت عن مصدر سياسي ومحلل للعلاقات المغربية الإسبانية، رفض الكشف عن هويته، أن زيارة الملك الإسباني في الوقت الراهن لن تؤدي، وفق تقديره، إلا إلى إعادة إحياء الأزمة.
ويرى المصدر أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة الملفات العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها تداعيات الأزمة الهجرية، وتعزيز التعاون الأمني، والعمل على إيجاد حلول عملية للأزمات القائمة، بدلاً من اتخاذ خطوات ذات حمولة رمزية يمكن أن تعيد العلاقات إلى أجواء التصعيد.
وتزداد أهمية هذه الرسالة في ظل حاجة الرباط ومدريد إلى الحفاظ على قنوات التعاون، رغم استمرار الخلافات حول عدد من الملفات الحساسة.
### الانتخابات المغربية.. عامل إضافي في معادلة التوقيت
لا يأتي الحديث عن زيارة فيليبي السادس إلى سبتة في فراغ سياسي.
فالانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 شتنبر تقترب، وهو ما يجعل أي خطوة مرتبطة بملف السيادة والوحدة الترابية شديدة الحساسية داخل المغرب.
ومن هنا، فإن توقيت الزيارة قد يكون أهم من الزيارة نفسها.
فما قد تعتبره مدريد زيارة طبيعية للملك إلى مدينة إسبانية، قد يُقرأ في الرباط باعتباره رسالة سياسية في قضية يعتبرها المغرب مرتبطة بسيادته ووحدة ترابه.
وهذه المفارقة هي التي تجعل الملف قابلاً للاشتعال، حتى في ظل استمرار التعاون المغربي الإسباني في مجالات الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار.
### برنابي لوبيث: الظرف «دقيق جداً»
وفي السياق ذاته، استحضر خوان كارلوس سانز رأي الخبير المخضرم في الشأن المغربي والعلاقات المغربية الإسبانية، برنابي لوبيث غارسيا، الذي وصف الظرف السياسي الحالي بأنه دقيق للغاية.
ويرى الخبير أن الرباط تتعامل مع الملف بحذر، وأن أي رد مغربي محتمل سيكون محسوباً بالنظر إلى حساسية قضية سبتة ومليلية، وإلى المصالح المتشابكة بين البلدين.
وتأتي هذه القراءة في وقت أكدت فيه تصريحات مغربية حديثة استمرار المطالبة بمغربية المدينتين، وهو موقف تاريخي للرباط لا يتغير بمجرد تحسن العلاقات الثنائية.
### شبح 2007 يعود إلى الواجهة
وليس بعيداً عن الذاكرة السياسية المغربية والإسبانية ما حدث سنة 2007، عندما قام الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا بزيارة إلى سبتة ومليلية.
الزيارة كانت الأولى لملك إسباني إلى المدينتين منذ عقود، وأثارت غضباً شديداً في الرباط.
وقبل الزيارة، استدعى المغرب سفيره لدى مدريد للتشاور، قبل أن تتصاعد الأزمة بعد وصول الملك الإسباني إلى المدينتين. كما أصدر الملك محمد السادس موقفاً شديد اللهجة، اعتبر فيه الزيارة خطوة ذات تداعيات على العلاقات الثنائية.
وبذلك تحولت زيارة ملكية يفترض أن تكون بروتوكولية إلى أزمة دبلوماسية تركت آثاراً واضحة على العلاقات المغربية الإسبانية.
واليوم، وبعد نحو عقدين، يعود السيناريو نفسه إلى النقاش، لكن في ظروف مختلفة تماماً.
### أزمة الهجرة تضيف وقوداً جديداً
وتأتي احتمالية زيارة فيليبي السادس أيضاً في أعقاب أزمة هجرة ضخمة شهدتها سبتة خلال الصيف، وهو ما منح المدينة أهمية استثنائية في النقاش السياسي الإسباني.
وقد أعلن سانشيز أن الملك سيزور سبتة، مع تأكيد الحكومة الإسبانية أن الزيارة ينبغي أن تتم في الظروف المناسبة. كما استقبل فيليبي السادس رئيس سبتة خوان خيسوس فيفاس في قصر ماريفنت بعد الأزمة، في خطوة عكست الاهتمام الملكي المتزايد بالمدينة.
وهنا تتقاطع ثلاثة ملفات شديدة الحساسية في لحظة واحدة: **الهجرة، وسبتة ومليلية، والعلاقات المغربية الإسبانية.**
### مدريد أمام حسابات صعبة
من وجهة النظر الإسبانية، يصعب على الدولة تجاهل سبتة، خصوصاً بعد الأزمة الأخيرة والجدل الداخلي الذي رافقها.
لكن في المقابل، تعرف مدريد جيداً أن أي خطوة ملكية في سبتة تحمل بعداً سياسياً خاصاً، وأن رد فعل الرباط لا يمكن التنبؤ به بسهولة.
فالعلاقات بين البلدين شهدت خلال السنوات الأخيرة تحسناً ملحوظاً وتعاوناً واسعاً، لكن هذا التحسن لم يُنهِ الخلاف حول **سبتة ومليلية المحتلتين**.
وهنا تكمن المفارقة: كلما ارتفع مستوى التعاون بين الرباط ومدريد، أصبح الطرفان أكثر حرصاً على ألا تتحول الملفات الخلافية إلى أزمات مفتوحة.
### المغرب وإسبانيا.. هل ينجحان في تجاوز الاختبار؟
المرحلة المقبلة قد تكون اختباراً حقيقياً لقدرة الرباط ومدريد على إدارة خلافاتهما دون السماح لها بتدمير مسار التعاون القائم.
فالزيارة الملكية، إذا تمت، ستكون تحت المجهر المغربي والإسباني، ولن تكون مجرد محطة بروتوكولية عابرة.
وفي المغرب، ستُقرأ الزيارة من زاوية قضية السيادة والموقف التاريخي من المدينتين.
وفي إسبانيا، ستُقدَّم باعتبارها تعبيراً عن حضور الدولة ودعمها لسبتة وسكانها.
وبين القراءتين، ستتحرك الدبلوماسية.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية مغربية على أن الرباط قررت اتخاذ موقف تصعيدي، كما أن مدريد تبدو واعية بأن توقيت الزيارة سيكون عاملاً أساسياً في تحديد حجم تداعياتها.
لكن التاريخ القريب يقدم تحذيراً واضحاً: **زيارة ملكية واحدة إلى سبتة ومليلية سنة 2007 كانت كافية لإشعال أزمة دبلوماسية بين الرباط ومدريد.**
واليوم، وبعد أزمة هجرة كبيرة، وقبل الانتخابات التشريعية المغربية، وفي ظل استمرار الخلاف حول مستقبل **سبتة ومليلية المحتلتين**، تبدو كل خطوة محسوبة بالملليمتر.
ويبقى السؤال الأكثر إثارة:
**هل يستطيع فيليبي السادس زيارة سبتة من دون أن تدفع العلاقات المغربية الإسبانية ثمن الزيارة؟**
ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي ينتظر الرباط ومدريد في المرحلة المقبلة.




