نميرة نجم: ترتيبات «الدولة الثالثة» لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للالتفاف على حماية اللاجئين

حذرت السفيرة د. نميرة نجم خبيرة القانون الدولى وحقوق الإنسان ومدير المرصد الإفريقى للهجرة بالاتحاد الإفريقى، من أن ترتيبات «الدولة الثالثة» لنقل مسؤوليات الحدود واللجوء من دول المقصد قد تقوض الضمانات القانونية لحماية المهاجرين وطالبى اللجوء، مؤكدة، أن دراسة طلبات اللجوء أو تنفيذ عمليات العودة خارج أراضى الدول المعنية لا يجوز أن يتم إلا فى إطار القانون الدولي، مع ضمان الحقوق القانونية والقضائية للأشخاص المعنيين وعدم تعريضهم للإعادة القسرية أو المعاملة اللاإنسانية.
جاء ذلك خلال مشاركتها فى الجلسة الافتتاحية لاجتماع كبار المسؤولين للحوار القارى بين الاتحاد الإفريقى والاتحاد الأوروبى بشأن الهجرة والتنقل (C2CMMD)، المنعقد فى بروكسل فى أكتوبر 2026، فى إطار الحوار رفيع المستوى بين القارتين، والذى تنظمه هيئة العمل الخارجى الأوروبى والمفوضية الأوروبية بالتعاون مع مفوضية الاتحاد الإفريقى، وأمانة المركز الدولى لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD).
وفى معرض تناولها أسس التعاون بين القارتين، أوضحت نميرة أن التعاون الإفريقى – الأوروبى فى مجال الهجرة والتنقل ينبغى أن يقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل وتقاسم المسؤولية، لا نقل الأعباء من طرف إلى آخر، مؤكدة، ضرورة الالتزام الكامل بالقانون الدولى للاجئين وحقوق الإنسان، بما فى ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية، وإجراء مشاورات مبكرة ومجدية مع الاتحاد الإفريقى ودوله الأعضاء بشأن السياسات والإجراءات التى تترتب عليها آثار مباشرة على القارة الإفريقية.
وعلى صعيد حماية المهاجرين، أشارت إلى أن احترام حقوقهم يجب أن يظل فى صميم السياسات المشتركة، وأن العودة الطوعية ينبغى أن تكون لها الأولوية، مع ضمان أن تتم جميع عمليات العودة بصورة آمنة وكريمة ومستدامة، وفق إرشادات الاتحاد الإفريقى بشأن العودة وإعادة القبول وإعادة الإدماج.
وشددت، على ضرورة توفير الموارد الكافية لبرامج إعادة الإدماج، وأن تضطلع دول المنشأ بدور قيادى فيها، مع عدم السعى إلى تحقيق أهداف العودة على حساب المسارات القانونية للهجرة، أو ربطها بشروط تتعلق بالتعاون التنموى أو سياسات التأشيرات.
ومن منظور أوسع لحركة الهجرة داخل القارة، لفتت نميرة إلى أن الأفارقة يتنقلون داخل القارة أكثر مما يتنقلون خارجها، وأن الدول الإفريقية تستضيف أعدادا كبيرة من النازحين واللاجئين، فى كثير من الأحيان بإمكانات وموارد محدودة.
وأكدت، أن التعاون التنموى وتقاسم المسؤولية بصورة عادلة عنصران أساسيان فى أى شراكة متوازنة بشأن الهجرة والتنقل، بدلًا من الاقتصار على التدابير الأمنية أو تحميل الدول المصدرة للهجرة والعبور أعباء إضافية.
وفيما يتعلق بترتيبات إدارة الهجرة خارج الحدود، أكدت أن إسناد إدارة الهجرة إلى الخارج لا يضمن فى حد ذاته الحد المستدام من الهجرة غير النظامية، مشيرة، إلى المخاوف المرتبطة بإمكان ظهور عواقب غير مقصودة، من بينها تعزيز فرص عمل شبكات التهريب والجهات المعرضة للفساد، فضلًا عن احتمال الالتفاف على ضمانات الحماية القانونية والقضائية.
وأوضحت، أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب تقييما قائما على الأدلة وتعاونا مؤسسيا يحمى حقوق المهاجرين ويعالج أسباب الهجرة ومخاطرها بدلا من نقلها إلى مسارات أخرى أكثر خطورة.
وفى هذا السياق، استشهدت نميرة بدراسة «المهاجرون الأفارقة فى أوروبا»، الصادرة عن مركز مارتنز للدراسات الأوروبية عام 2025، والتى سلطت الضوء على الفجوة بين التصورات والواقع بشأن الهجرة الإفريقية إلى أوروبا، مشيرة، إلى أن نحو ثلثى المهاجرين الأفارقة الذين وصلوا إلى الاتحاد الأوروبى خلال الفترة من 2014 – 2023 دخلوا بطرق نظامية.
وبشأن حجم هذه التدفقات، ذكرت الدراسة أن الاتحاد الأوروبى استقبل 4.6 مليون مواطن إفريقى خلال الفترة محل التحليل، وأن 3.6 مليون منهم دخلوا عبر مسارات وصفتها الدراسة بأنها قائمة على الحقوق (rights-based migration).
كما أوضحت، أن الهجرة المرتبطة بالزواج ولمّ شمل الأسرة كانت من أبرز قنوات الدخول، إذ أتاحت الوصول إلى الاتحاد الأوروبى لأكثر من 1.8 مليون إفريقى، فيما حصل عدد يقارب ذلك على اللجوء فى دول الاتحاد الأوروبى.
وهذه هى الأرقام والتصنيفات الواردة فى ملخص الدراسة، دون تحويلها إلى فئات حسابية مستقلة أو إضافة استنتاجات بشأن تداخلها.
وفيما يخص دوافع الهجرة النظامية الأخرى، أوردت الدراسة أن نحو 600 ألف وافد جاءوا إلى الاتحاد الأوروبى للدراسة، ونحو 500 ألف لأغراض العمل.
وأكدت نميرة، أن تلبية احتياجات أسواق العمل الأوروبية تتطلب إعادة النظر فى تركيبة التدفقات الوافدة، مع التركيز على المهارات والقابلية للتوظيف، بما يحقق التوازن بين احتياجات الدول المستقبلة ومتطلبات التنمية فى الدول الأم.
وانطلاقا من هذه المعطيات، أكدت نميرة أن هذا التوجه ينبغى أن يسهم أيضًا فى دعم التنمية الإفريقية من خلال نقل المعرفة والابتكار والاستثمار، ومعالجة العوامل الهيكلية التى تؤثر سلبا على التنقل والهجرة.
وشددت، على أهمية الاعتماد على بيانات موثوقة لضمان صياغة سياسات قائمة على الأدلة، وإطلاع صانعى القرار على الواقع الفعلى للهجرة، بدلًا من اتخاذ مواقف سياسية قد تترتب عليها خسائر فى الأرواح والموارد.
وفى معرض تحذيرها من انعكاسات الخطاب السياسى على ملف الهجرة، نبهت إلى أن تنامى النزعات الحمائية والخطابات الشعبوية قد يؤثر سلبا على النقاش العام بشأن الهجرة، وأن التركيز المفرط على الحماية الأمنية قد يتداخل مع مظاهر التمييز ضد الأشخاص من أصل إفريقى.
ودعت، إلى تعزيز السرديات العامة المتوازنة والقائمة على الأدلة، وتوسيع المسارات النظامية والمتاحة بصورة أكثر قابلية للتنبؤ، بما يشمل تنقل العمالة وشراكات المهارات والتبادل الطلابى والأكاديمى وتيسير التأشيرات، بما يخدم احتياجات الدول ويعزز التعاون بين القارتين.
وعلى مستوى أولويات التعاون المستقبلى، أكدت أن المجالات المواضيعية ونقاط العمل للفترة 2026-2028 تمثل إطارا مهما لتحديد أولويات التعاون الإفريقى الأوروبى، غير أن فعاليتها ترتبط بمدى توافر التمويل والموارد اللازمة لتنفيذها.
ودعت، إلى تعبئة مشتركة للموارد وتحديد آليات عملية تترجم الالتزامات السياسية إلى نتائج ملموسة، لا سيما أن عددا من الإجراءات لا يزال بحاجة إلى تمويل، بينما لا يستطيع مشروع الحوار بين القارتين بشأن الهجرة والتنقل تغطية سوى عدد محدود من الأولويات.
وفى ضوء مخرجات القمة السابعة للاتحاد الإفريقى والاتحاد الأوروبى، أوضحت أن الإعلان المشترك للقمة فى لواندا أكد أهمية بناء شراكة معززة ومتبادلة المنفعة فى مجال الهجرة والتنقل، تقوم على المسؤولية المشتركة والاحترام الكامل للقانون الدولى وحقوق الإنسان، وتجمع بين مكافحة الهجرة غير النظامية وتعزيز الحماية وتوسيع فرص التنقل القانونى.
وشددت، على ضرورة ترجمة هذه الالتزامات إلى إجراءات تنفيذية متوازنة تشمل معالجة أسباب الهجرة والنزوح القسرى، وتعزيز أنظمة اللجوء، ودعم العودة الطوعية وإعادة الإدماج المستدامة، مع احترام الاتفاقيات الدولية والثنائية.
وفيما يتعلق بالربط بين الهجرة والتنمية، أكدت نميرة ضرورة إعطائه مكانة أكثر وضوحا ضمن الأولويات المشتركة، من خلال معالجة الأسباب الهيكلية والجذرية للهجرة غير النظامية والنزوح القسرى، وتعزيز النمو الشامل والتنمية المستدامة والاستقرار الإقليم ، إلى جانب الاستثمار فى التعليم والتدريب المهنى والبحث والمهارات والتوظيف، ولا سيما بين الشباب الإفريقى، بما يعزز قدرة دول المنشأ على الاستفادة من إمكانات الهجرة فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فى هذا الإطار، أضافت أن توسيع المسارات القانونية من شأنه تعزيز انتقال المعرفة والخبرات، وتشجيع الهجرة الدائرية ودوران العقول، والحد من استنزاف الكفاءات وإهدار المهارات، وتعزيز الاعتراف بالمؤهلات التعليمية والمهنية.
كما أكدت، دور المغتربين الأفارقة فى دعم الاستثمار والابتكار وتبادل المعرفة، وضرورة معالجة العقبات القانونية أمام مساهماتهم، وخفض تكاليف التحويلات المالية وتعزيز توجيهها نحو الاستخدامات الإنتاجية.
وعلى صعيد الحماية الإنسانية، شددت على أن حماية الأشخاص الفارين من العنف والنزاعات والاضطهاد والتغيرات المناخية، ومساندة النازحين داخليا، وتعزيز أنظمة اللجوء والاستقبال والإدماج، تمثل التزامات أساسية لا يجوز فصلها عن إدارة الهجرة.
وأكدت، أن أمننة الهجرة والاعتماد على التدابير الأمنية وحدها قد يدفعان المهاجرين والنازحين إلى سلوك طرق أشد خطورة، بما يزيد المخاطر على حياتهم، الأمر الذى يستدع تكثيف التعاون فى مجال الحماية وتوفير بدائل قانونية وآمنة للتنقل.
وفيما يخص العلاقة بين الهجرة والتغير المناخى، رحبت نميرة بإدراج الهجرة والمناخ ضمن المجالات ذات الأولوية فى التعاون الإفريقى الأوروبى، مؤكدة، ضرورة تعزيز البحث وتبادل المعلومات وتطوير أنظمة الإنذار المبكر للتعامل مع النزوح المرتبط بالتغير المناخى، بما فى ذلك المخاطر التى تواجه المجتمعات والمناطق المهددة بارتفاع مستوى سطح البحر والغرق.
وشددت، على أهمية ضمان وصول الحماية إلى جميع المحتاجين إليها، وتطوير آليات تساعد على تجنب بقاء السكان فى مناطق معرضة للخطر دون إمكانات فعلية للانتقال إلى مناطق آمنة.
ومن ناحية أخرى، أكدت أن تعزيز بيانات الهجرة والبحوث والمعرفة يمثل أساسًا ضروريا لصياغة سياسات فعالة قائمة على الأدلة، بعيدا عن التفسيرات الخاطئة والسرديات التى لا تعكس الواقع.
ودعت، إلى ترسيخ التعاون المؤسسى وبناء القدرات الإفريقية فى جمع بيانات الهجرة وتحليلها وإنتاج البحوث المتخصصة، بما يتيح فهما أشمل لديناميكيات التنقل داخل القارة وبين إفريقيا وأوروبا، ويعزز قدرة صانعة السياسات على اتخاذ قرارات تستند إلى معطيات موثوقة وتحترم حقوق الإنسان.
وفى سياق تعزيز الأطر المؤسسية المعنية بالهجرة، أشارت إلى الدور الذى تؤديه المؤسسات والأطر الإفريقية والإقليمية المتخصصة، ومنها المرصد الإفريقى للهجرة بالمغرب، والمركز التشغيلى القارى لمكافحة الهجرة غير النظامية فى السودان، والمركز الإفريقى للدراسات والبحوث بشأن الهجرة فى مالى، إلى جانب عمليتى الرباط والخرطوم فى دعم الحوار وتبادل الخبرات وتطوير المعرفة بشأن الهجرة والتنقل.
وأكدت، أهمية تكامل هذه الأطر وتعزيز إسهامها فى صياغة سياسات تستجيب لأولويات القارة وتدعم الشراكة مع الجانب الأوروبى.
وأكدت السفيرة، تطلع الاتحاد الإفريقى إلى مساهمة مخرجات اجتماع كبار المسؤولين فى بروكسل فى إثراء مداولات الاجتماع المقبل للحوار الإفريقى – الأوروبى المقرر عقده فى أديس أبابا فى 4 نوفمبر 2026، مشددة، على أهمية المشاركة المشتركة فى صياغة السياسات وتصميمها، وتعزيز القدرات اللازمة لتنفيذها، وصولًا إلى شراكة بين ندّين تحقق منافع ملموسة لشعوب القارتين، وتتعامل مع الهجرة باعتبارها فرصة للتنمية متى أُديرت بصورة آمنة ومنظمة ونظامية، مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والقانون الدولى.
شارك فى الجلسة الافتتاحية، السفيرة باتريشيا لومبارت المدير الإفريقى فى هيئة العمل الخارجى الأوروبى والرئيسة المشاركة عن الجانب الأوروبى، والسفيرة د. نميرة نجم مدير المرصد الإفريقى للهجرة والرئيسة المشاركة عن الجانب الإفريقى.
وتولى تقديم الجلسة الأولى المخصصة لاستعراض التقدم المحرز، الرئيسان المشاركان للحوار بين القارتين سابيلو مبوكازى -القائم بأعمال مديرية التنمية الاجتماعية والثقافة والرياضة بمفوضية الاتحاد الإفريقى، وأسَد بيغ -الخبير الأول ورئيس فريق الشؤون الإفريقية بهيئة العمل الخارجى الأوروبى، بحضور المستشارة هبة فكرى -كبير خبراء الهجرة بالمرصد الإفريقى للهجرة.




