فتوى نميرة نجم تحسم مسار انتخابات رئاسة البرلمان الإفريقى لصالح الجزائر

 

فى انتخابات حملت أبعادًا تتجاوز مجرد تغيير القيادة داخل المؤسسة التشريعية القارية، نجحت الجزائر فى انتزاع رئاسة البرلمان الإفريقى، بعد انتخاب البرلمانى الجزائرى د. فاتح بوطبيق رئيسًا للبرلمان الإفريقى لفترة تمتد من 2026 – 2029، فى اقتراع وصفته دوائر إفريقية بأنه “اختبار حقيقى لترسيخ قدرة الاتحاد الإفريقى على فرض قواعده الجديدة بعد سنوات من الاضطراب المؤسسى”.

وجاء انتخاب بوطبيق خلال الدورة الاستثنائية للولاية التشريعية السابعة التى انعقدت فى ميدراند بجنوب إفريقيا، ضمن منظومة الاتحاد الإفريقى، حيث جرت الانتخابات وفق مبدأ التناوب الإقليمى، الذى بات منذ أزمة 2021 القاعدة الأساسية المنظمة لتوزيع المناصب القيادية داخل البرلمان.

وأشارت تقارير إعلامية إلى حصول المرشح الجزائرى على 119 صوتًا من أصل 185 صوتًا معبرًا عنه داخل الجلسة العامة، فى فوز عكس حجم التوافقات السياسية التى سبقت عملية التصويت القارى.

لكن معركة انتخابات رئاسة البرلمان الإفريقى لم تبدأ داخل القاعة العامة، بل انطلقت داخل “كوكس شمال إفريقيا”، حيث جرت مفاوضات مطولة بين وفود المغرب والجزائر وليبيا، مع تداول إسم مصرى فى مراحل أولية من النقاشات السياسية.

وفقًا لتقارير إعلامية، فإن فاتح بوطبيق حسم المنافسة داخل المجموعة الجيوسياسية لشمال إفريقيا بعد حصوله على 19 صوتًا، مقابل 4 أصوات لمنافسه المغربى، و4 أصوات لمنافسه الليبى، خلال التصويت الداخلى للإقليم، وهو التصويت الذى منح الجزائر صفة “مرشح التوافق الإقليمى” قبل الانتقال إلى الجلسة العامة.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الجزائر خاضت حملة دبلوماسية وبرلمانية مكثفة لدعم مرشحها فاتح بوطبيق لرئاسة البرلمان الإفريقى، شملت تحركات واسعة داخل المجموعات الجيوسياسية الإفريقية.

وشهدت المنافسة داخل الإقليم الشمالى تداول أسماء عدة مرشحين أبرزهم: فاتح بوطبيق من الجزائر، ولحسن حداد من المغرب، ويوسف الفاخرى من ليبيا، ضمن مشاورات الإقليم.

كما جرى تداول إسم د. المهندس شريف الجبلى كمرشح مصرى، إلا أنه يبدو أنه انسحب من السباق فى المرحلة النهائية من التوافقات قبل التصويت، بينما حسمت التوازنات داخل الإقليم والدعم الذى حشدته الجزائر داخل الكوكس السباق مبكرًا قبل الوصول إلى التصويت القارى.

وبعد هذا الحسم، دخل بوطبيق إلى الجلسة العامة باعتباره المرشح الموحد لشمال إفريقيا، فى نظام انتخابى لم يعد يقوم على منافسة مفتوحة بين عدة مرشحين، بل على تزكية المرشح الذى ينجح أولًا فى انتزاع توافق إقليمه.

وأسفرت الانتخابات عن تشكيل مكتب جديد للبرلمان الإفريقى يضم ممثلين عن الأقاليم الخمسة هم: فاتح بوطبيق – الجزائر رئيسًا، آشبير غايو – إثيوبيا نائبًا أول، د. زانيتور رولينغز – غانا نائبًا ثانيًا وهى -رئيسة لجنة الأمن والاستخبارات فى البرلمان الغانى، جدة مامار – تشاد نائبًا ثالثًا، بعد حصوله على 150 صوتًا من أصل 185 صوتًا، وعضوة البرلمان أرليت بورغيس – أنغولا نائبًا رابعًا.

وفاز النائب المصرى محمد حلاوة -رئيس لجنة التجارة والصناعة والمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بمجلس الشيوخ- برئاسة لجنة التجارة والجمارك والهجرة بالبرلمان الأفريقى.

ويعكس هذا التوزيع استمرار تأكيد اعتماد قاعدة “التوازن الجغرافى” داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقى، بحيث لا تحتكر منطقة واحدة قيادة المؤسسة، وهى القاعدة التى تعد نتاجًا مباشرًا للفتوى القانونية التى قدمتها السفيرة نميرة نجم، والتى لعبت دورًا محوريًا فى إعادة صياغة قواعد الانتخابات داخل البرلمان وأكدت فى تفسيرها القانونى أن رئاسة البرلمان تخضع لمبدأ التناوب الإقليمى الإلزامى، وأنه لا يجوز لإقليم سبق له شغل المنصب أن يحتفظ به خارج نظام الدور الجغرافى والتى اعتمدت نفاذها لأول مرة أثناء تطبيقها فى انتخابات البرلمان الأفريقى عام 2022.

بعدما أدى تطبيق فتوى السفيرة نميرة نجم خلال انتخابات 2021 إلى انفجار خلافات حادة داخل البرلمان، بعدما اعتبرت بعض الوفود أن قواعد الترشح تغيرت بصورة مفاجئة، وهو ما انتهى إلى إلغاء الانتخابات، بعد أزمة عنيفة تحولت خلالها جلسة انتخاب القيادة إلى فوضى غير مسبوقة داخل القاعة ومشاجرات وتشابك بالأيدى بين البرلمانيين وتعطيل للجلسات واتهامات متبادلة بين الوفود خلال وقائع الجلسة العامة للبرلمان فى 31 مايو و1 يونيو 2021 وصولًا إلى قطع الأمن الكهرباء عن قاعة البرلمان لفضها من اشتباكات النواب.

بموجب الفتوى القانونية للسفيرة د. نميرة نجم المستشار القانونى السابق للاتحاد الإفريقى، استبعد ترشح ممثلى دول الغرب الإفريقى بانتخابات البرلمان الإفريقى، الأمر الذى رفضه عدد من الأعضاء ونشبت أحداث عنف داخل قاعة البرلمان أدت إلى تأجيل الانتخابات أثناء الجلسة ثم تعليق أعمال البرلمان لمدة عام، لأن فتوى نجم رجحت عدم أحقية ترشح أعضاء البرلمان من دول المناطق الجغرافية التى سبقت وأن تولت رئاسة البرلمان ومنها غرب ووسط وشرق إفريقيا وذلك لإتاحة الفرصة لمرشحى المنطقتين الشمال والجنوب بتولى الرئاسة أسوة بما هو معمول به فى كل أجهزة الاتحاد وتنفيذًا لقرارات المجلس التنفيذى للاتحاد التى سبق وطالبت البرلمان بتطبيق هذا المبدأ.

ولم يكن هذا التفسير مجرد رأى قانونى عابر، بل تحول إلى قاعدة سياسية حاكمة أعادت رسم توازنات القوة داخل البرلمان الإفريقى، وأنهت عمليًا مرحلة فوضى المنافسة المفتوحة.

وبعد تلك الأزمة، تحول نظام التناوب الانتخابى بين الأقاليم إلى جزء ثابت من النظام الانتخابى، وأصبح يشار إليه داخل الأوساط البرلمانية الإفريقية باعتباره “قاعدة فتوى نجم”، حيث بات اختيار الرئيس يتم أولًا داخل كل إقليم، قبل عرض مرشحه الموحد على الجلسة العامة للتصديق وكذلك نواب الرئيس.

يذكر، أن وفد البرلمان المغربى اعترض رسميًا خلال جلسات الانتخابات الإقليمية والجلسة العامة، مطالبًا بأن يتم انتخاب رئيس البرلمان عبر تصويت جميع أعضاء الدول داخل الجلسة العامة، وليس فقط عبر تصويت أعضاء الإقليم المعنى، غير أن لجنة الانتخابات رفضت الاعتراض باعتباره مخالفًا للقواعد الانتخابية المعمول بها داخل البرلمان والمعروفة بقاعدة نجم.

ويضم البرلمان الإفريقى أعضاء يختارون من البرلمانات الوطنية بواقع خمسة نواب لكل دولة، مع إلزام بوجود إمرأة واحدة على الأقل ضمن كل وفد، بما يضمن حضورًا نسائيًا داخل العضوية، وإن لم يمتد ذلك بالقدر نفسه إلى مواقع القيادة.

جميع المرشحين للرئاسة هم فى الأصل نواب وطنيون فى برلمانات دولهم بعد استيفاء الشروط القانونية وأداء اليمين.

ويتكون إقليم شمال إفريقيا داخل الاتحاد الإفريقى من سبع دول هى: مصر، المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا، والجمهورية الصحراوية، ويمثل هذا الإقليم داخل البرلمان نحو 35 نائبًا بواقع خمسة نواب لكل دولة، وهو الرقم الذى يصنع المعادلة الحاسمة داخل “الكوكس”.

وتعد التنزانية السفيرة والوزيرة جيرترود مونجيلا أول رئيسة للبرلمان الإفريقى، بعدما انتخبت عام 2004 مع تأسيس المؤسسة.

ويرى مراقبون أن انتخابات 2026 مثلت أول اختبار حقيقى لنموذج “التوافق الإقليمى المنظم” الذى تأسس بعد أزمة 2021، وأن نجاح العملية دون انفجار سياسى جديد يعكس حجم التحول الذى أحدثته القواعد القانونية الجديدة داخل المؤسسة القارية.

وقال رئيس البرلمان الإفريقى المنتخب فاتح بوطبيق عقب فوزه: إن انتخابه “يعكس إرادة إفريقية موحدة” لتعزيز دور البرلمان القارى وتقريبه من شعوب القارة، متعهدًا بالعمل على تقوية صوت المؤسسة داخل منظومة الاتحاد الإفريقى، وجعلها أكثر فعالية فى ملفات التكامل والحكم القارى.

كما شدد، على أن شمال إفريقيا يمثل “جسرًا استراتيجيًا” يربط القارة بفضائها المتوسطى والدولى، مؤكدًا، أن الجزائر تواصل دعم القضايا الإفريقية وتعزيز السلم والاندماج الاقتصادى داخل القارة، مضيفًا، أن المرحلة المقبلة ستشهد التركيز على “تقوية فعالية البرلمان الإفريقى واستعادة مكانته كصوت للشعوب الإفريقية”.

من جانبه، رحب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقى محمود علي يوسف بنتائج الانتخابات، معتبرًا، أن العملية “عكست التزام الدول الأعضاء بالديمقراطية وسيادة القانون والتمثيل الشامل”، مشيدًا، بما وصفه بـ“الانتقال المنظم” داخل البرلمان الإفريقى.

ورغم أن البرلمان الإفريقى لا يزال يتمتع بصلاحيات استشارية أكثر منها تشريعية، فإن انتخاب قيادة جديدة يأتى فى وقت تتزايد فيه الدعوات داخل الاتحاد الإفريقى لمنح البرلمان دورًا أكبر فى صياغة السياسات القارية ومراقبة مؤسسات الاتحاد.

لكن مراقبين يرون أن التحدى الحقيقى أمام بوطبيق لن يكون فقط إدارة التوازنات السياسية بين الأقاليم، بل إثبات أن البرلمان الإفريقى قادر على التحول من مؤسسة رمزية إلى فاعل سياسى مؤثر داخل القارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »