زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية تضع مدريد أمام أسئلة محرجة.. هل تخشى ردّاً مغربياً غير متوقع؟

وبينما حرصت المؤسسة الملكية الإسبانية على تقديم الزيارة باعتبارها تأكيداً لحضور الدولة الإسبانية في المدينتين، بدا المشهد من الجانب المغربي مختلفاً؛ فلا رد رسمي مباشر بحجم الرسائل التي حملتها الزيارة، ولا استنساخ فوري لخطوات التصعيد الدبلوماسي التي اتخذتها الرباط قبل نحو عقدين.
هذا الصمت هو ما منح الحدث بعداً إضافياً في التحليلات الإسبانية، خصوصاً أن وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي» وصحيفة «إل باييس» توقفتا عند مؤشرات الفتور الدبلوماسي المغربي، واستحضرتا المقارنة مع أزمة 2007.
فهل أخطأت مدريد حين اعتقدت أن الزيارة ستنتهي بانتهاء مراسمها، أم أن الرباط اختارت ببساطة ألا تمنحها رد الفعل الذي قد يكون منتظراً منها؟
شبح 2007 يعود.. لكن المغرب ليس مطالباً بتكرار السيناريو نفسه
في نوفمبر 2007، أثارت زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول إلى سبتة ومليلية احتجاجاً مغربياً رسمياً، تضمن موقفاً صريحاً من القصر الملكي، تلاه استدعاء السفير المغربي في مدريد للتشاور.
أما في أكتوبر 2026، فقد بدا التعاطي المغربي أكثر تحفظاً؛ إذ لم يُسجل، وفق التقارير الإسبانية المنشورة يوم 13 أكتوبر، إعلان رسمي مماثل أو إجراء دبلوماسي من النوع نفسه.
لكن هل يعني اختلاف الأسلوب اختلافاً في الموقف؟
ليس بالضرورة. فعدم تكرار إجراءات الماضي لا يمكن اعتباره تنازلاً عن المطالب المغربية، كما أن غياب التصعيد الفوري لا يمنح مدريد أساساً للقول إن الملف أصبح خارج دائرة الخلاف.
إن المقارنة بين المحطتين تكشف، قبل كل شيء، أن العلاقات الدولية لا تُدار دائماً بالوسائل نفسها، وأن الاحتفاظ بهامش للمناورة الدبلوماسية يختلف عن التخلي عن المواقف المبدئية.
ومن هنا، فإن الرهان المغربي لا ينبغي أن يُختزل في سرعة الرد، بل في القدرة على إدارة ملف حساس بما يخدم المصالح الوطنية، بعيداً عن الانفعال أو القرارات المتسرعة.
ماذا تقول الصحافة الإسبانية عن صمت الرباط؟
توقفت صحيفة «إل باييس» عند ما وصفته بالحذر المغربي، مشيرة إلى أن الرباط لم تلجأ، حتى تاريخ نشر تقريرها في 13 أكتوبر، إلى سحب سفيرها من مدريد أو إصدار بيان إدانة مماثل لما صدر سنة 2007.
كما نقلت وكالة «إيفي» أن غياب وزراء ومسؤولين مغاربة رفيعي المستوى عن حفل العيد الوطني الإسباني في الرباط شكّل إشارة إلى وجود فتور دبلوماسي، في وقت استمرت فيه المصالح الاقتصادية بين البلدين في مسارها المعتاد.
هذه المعطيات تفتح باب التساؤل حول الرسالة التي أراد المغرب إيصالها من خلال هذا التعاطي المتحفظ: هل يتعلق الأمر بتجنب التصعيد، أم بترك القنوات الدبلوماسية مفتوحة، أم بمجرد عدم الرغبة في منح الزيارة زخماً إضافياً؟
لا توجد معطيات رسمية كافية للجزم بأحد هذه الاحتمالات. لكن الثابت أن غياب رد مغربي فوري لا يساوي غياب الخلاف، ولا يسمح باستنتاج أن الرباط تراجعت عن موقفها من سبتة ومليلية.
هل تنتظر مدريد ردّاً مغربياً خلال الأسبوعين المقبلين؟
من بين الروايات المتداولة بشأن التغطية الإسبانية للزيارة، الحديث عن ضرورة بقاء مدريد في حالة حذر ومراقبة التحركات المغربية خلال الأسبوعين التاليين، على أساس أن الرد قد لا يكون فورياً.
غير أن هذا التفصيل يحتاج إلى مصدر إسباني أصلي واضح، ولم يتسنَّ التحقق من نشره بهذه الصيغة في المصادر التي جرت مراجعتها. لذلك، لا يمكن تقديمه باعتباره تحذيراً رسمياً صادراً عن الحكومة الإسبانية، أو موقفاً موحداً للصحافة الإسبانية.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي يطرحه الحدث مشروع: كيف ستتعامل مدريد مع استمرار الخلاف حول المدينتين إذا اختارت الرباط إبقاء ملف السيادة حاضراً في علاقاتها الثنائية، من دون اللجوء بالضرورة إلى إجراءات تصعيدية مباشرة؟
فالخطأ سيكون في تحويل كل صمت إلى تهديد، أو كل تحفظ إلى دليل على وجود خطة خفية. أما القراءة السياسية الرصينة، فتقتضي متابعة المواقف الرسمية والتطورات الفعلية، لا بناء سيناريوهات مؤكدة على توقعات غير موثقة.
سبتة ومليلية.. ملف لا تحسمه زيارة ملكية
مهما كانت الرسائل التي أرادت المؤسسة الملكية الإسبانية إيصالها من خلال هذه الزيارة، فإنها لا تنهي الخلاف المغربي الإسباني بشأن سبتة ومليلية.
فمدريد تتمسك بسيادتها على المدينتين، بينما يواصل المغرب المطالبة بهما في إطار موقفه من قضاياه الترابية. وهكذا، فإن الزيارة تعكس تمسك كل طرف بموقفه، لكنها لا تقدم في حد ذاتها حلاً للنزاع السياسي والتاريخي القائم.
ومن منظور المصالح المغربية، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب الجمع بين الثبات على المطالب الوطنية والحفاظ على القدرة على التفاوض وإدارة العلاقات مع الجار الإسباني، الذي تربطه بالمغرب مصالح استراتيجية في التجارة والأمن والهجرة والتعاون الإقليمي.
ولا يعني هذا أن الشراكة تفرض على المغرب الصمت عن القضايا التي يعتبرها أساسية، كما لا يعني أن الدفاع عن المطالب الترابية يستوجب الدخول في أزمة دبلوماسية مفتوحة كلما اتخذت مدريد خطوة رمزية أو سياسية.
المطلوب هو أن تظل المصالح الوطنية حاضرة في أي تقدير للموقف، وأن يكون أي تحرك مغربي مبنياً على حسابات واضحة ومعطيات دقيقة.
الرسالة الأهم: لا تقيسوا موقف المغرب بسرعة الرد
تبدو المقارنة مع أزمة 2007 مغرية لبعض القراءات الإعلامية، لكنها لا تكفي وحدها للتنبؤ بما ستفعله الرباط في الأيام المقبلة.
فالمغرب ليس ملزماً بتكرار ردود أفعاله السابقة حتى يثبت تمسكه بمطالبه، كما أن مدريد لا تستطيع اعتبار غياب التصعيد الفوري نهاية للخلاف.
والسؤال الأهم ليس ما إذا كان المغرب سيرد خلال أسبوع أو أسبوعين، بل ما إذا كانت العلاقات بين البلدين قادرة على استيعاب خلاف السيادة من دون التضحية بالمصالح المشتركة، وما إذا كانت مدريد تدرك أن تأكيد موقفها من المدينتين لا يلغي استمرار الموقف المغربي المقابل.
في النهاية، انتهت الزيارة الملكية الإسبانية، لكن ملف سبتة ومليلية لم ينتهِ. وبين الرسائل الرمزية والحسابات الدبلوماسية، يبقى الموقف المغربي محكوماً بما ستكشف عنه التصريحات والخطوات الرسمية المقبلة، لا بما تتوقعه العناوين أو تتداوله التكهنات.




