المغرب: المنصوري تكشف برنامج حكومة 2026–2031.. رفع الدعم الاجتماعي إلى 1000 درهم ومعاشات بـ3000 درهم ووعود كبرى بمحاربة الفساد
الرباط
قدّمت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 أمام مجلسي البرلمان، واضعةً مجموعة من الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تراهن الحكومة على تنزيلها خلال السنوات الخمس المقبلة، في مقدمتها تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وإصلاح منظومة التقاعد، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح، وإدماج الشباب في سوق الشغل، وتعزيز السيادة الاقتصادية والطاقية والمائية للمملكة.
ويأتي هذا البرنامج في سياق انتظارات اجتماعية متزايدة، تفرض على الحكومة الجديدة الانتقال من إعلان الأهداف إلى تقديم نتائج ملموسة في حياة المواطنين، خصوصاً في مجالات التشغيل والصحة والتعليم والسكن، فضلاً عن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتعزيز الثقة في المؤسسات.
محاربة الفساد وتضارب المصالح.. اختبار المصداقية
في محور الحكامة وتوطيد دولة الحق والقانون، أعلنت رئيسة الحكومة عزمها العمل على تجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح، إلى جانب تعزيز منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، ومواجهة استغلال المعلومات لتحقيق امتيازات غير مستحقة.
وتضع هذه الالتزامات الحكومة أمام اختبار سياسي ومؤسساتي حقيقي، بالنظر إلى أن محاربة الفساد لا تتوقف عند سن القوانين أو الإعلان عن النوايا، بل ترتبط بمدى تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة، وضمان تكافؤ الفرص أمام المستثمرين والمواطنين، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما يبرز الرهان على الحد من اقتصاد الريع وتكريس الشفافية في تدبير المال العام والصفقات العمومية، بما يضمن توجيه الموارد نحو المشاريع المنتجة والخدمات الأساسية، بدل تبديدها أو استفادة فئات محدودة منها.
وفي هذا السياق، يتضمن البرنامج تخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، في خطوة تستهدف توسيع قاعدة المستفيدين من الاستثمار العمومي، وتعزيز دور النسيج الاقتصادي الوطني في خلق فرص الشغل وتحريك عجلة التنمية.
غير أن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطاً بشروط الولوج الفعلي إلى الصفقات، وتبسيط المساطر الإدارية، وضمان المنافسة الشريفة، وتفادي تحول الحصص المخصصة للمقاولات الصغيرة إلى مجرد التزام رقمي لا ينعكس على فرصها الاقتصادية.
الدعم الاجتماعي والتقاعد.. وعود تنتظر التنزيل
يشكل تحسين القدرة الشرائية للأسر أحد أبرز محاور البرنامج الحكومي، إذ تعهدت المنصوري بالرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر، ليصل إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مقارنة بالحد الأدنى البالغ 500 درهم الذي أشار إليه البرنامج.
ويستهدف هذا الالتزام تعزيز قدرة الأسر المستحقة على مواجهة تكاليف المعيشة، غير أن تقييم أثره سيقتضي توضيح معايير الاستفادة، وكيفية احتساب الدعم بحسب وضعية كل أسرة، وضمان وصوله إلى الفئات الأكثر هشاشة، مع مراعاة تطور الأسعار والقوة الشرائية.
ومن بين الإجراءات المعلنة أيضاً إقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل قيمة فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم، بالنسبة إلى المسكن الرئيسي للأسر المستحقة، دون إلزامها بتقديم طلب ورقي أو التنقل إلى الإدارات.
ويطرح هذا الإجراء، في حال تنزيله وفق الشروط المعلنة، نموذجاً لتبسيط الاستفادة من الدعم الاجتماعي وربطه بمعطيات الأسر الفعلية، لكن فعاليته ستتوقف على تحديد المستفيدين بدقة، وآليات احتساب التعويض وصرفه، وضمان عدم إقصاء الأسر التي تستحق المساعدة.
وفي ملف التقاعد، تعهدت الحكومة بإطلاق إصلاح شامل للمنظومة، في إطار الحوار الاجتماعي، مع العمل على تحقيق التوازن المالي للصناديق والحفاظ على الحقوق المكتسبة.
ويتضمن البرنامج الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً، إلى جانب رفع معاش الأرملة ليعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بدل النسبة المعمول بها التي أشار إليها البرنامج، والمحددة في 50 في المائة، مع مراعاة حقوق باقي المستفيدين وفق المقتضيات القانونية الجاري بها العمل.
وتظل هذه الوعود من أكثر الالتزامات حساسية، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على المتقاعدين والأرامل وذوي الحقوق، فضلاً عن ارتباطها بتمويلات مستدامة وإصلاحات قد تستدعي توافقاً واسعاً بين الحكومة والنقابات وممثلي الأجراء والمشغلين.
الصحة والتعليم.. من تعميم الخدمات إلى تحسين جودتها
في المجال الصحي، يضع البرنامج الحكومي استكمال ورش الحماية الاجتماعية وتحسين الولوج إلى العلاج ضمن أولوياته، مع الرهان على تطوير الخدمات العمومية وضمان استدامة التغطية الصحية الإجبارية.
ويتمثل التحدي الأساسي في تقليص الفوارق بين المدن والقرى، وتجاوز الخصاص في الأطر والتجهيزات الطبية، وتحسين جودة الاستقبال والعلاج داخل المؤسسات الصحية. فالتغطية الصحية، مهما اتسع نطاقها، لن تحقق أهدافها كاملة ما لم يجد المواطن طبيباً ومرفقاً صحياً قادراً على الاستجابة لحاجياته في الوقت المناسب.
أما في التعليم، فيستهدف البرنامج تمكين 80 في المائة من التلاميذ من التحكم في التعلمات الأساسية في أفق سنة 2031، والعمل على بلوغ هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق 2030.
وتعكس هذه الأهداف إدراكاً لأهمية معالجة التعثر الدراسي والهدر المدرسي، لكن بلوغها يتطلب معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بعض التلاميذ إلى مغادرة الفصول الدراسية، وتحسين جودة التعلمات، ودعم المؤسسات التعليمية في المناطق القروية والهامشية، فضلاً عن توفير الموارد البشرية والتجهيزات اللازمة.
كما يقتضي تحقيق هذه الأهداف اعتماد مؤشرات واضحة لتقييم النتائج، ونشر حصيلة دورية تتيح للرأي العام الوقوف على التقدم المحرز، بدل الاكتفاء بالأرقام المستهدفة في نهاية الولاية.
السكن القروي والأمازيغية.. رهانات العدالة المجالية والهوية
في إطار تقليص الفوارق المجالية وتحسين ظروف العيش، يتضمن البرنامج إحداث برنامج للسكن القروي يستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن، مع تقديم دعم بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة، وفق الشروط التي سيجري تحديدها.
ويستهدف هذا التوجه دعم الأسر القروية وتحسين جودة السكن، غير أن أثره سيظل مرتبطاً بمدى ملاءمة الدعم لكلفة البناء والإصلاح، وبسهولة الاستفادة منه، فضلاً عن مراعاة الخصوصيات الجغرافية والاجتماعية للمناطق المستهدفة.
وفي الجانب المتعلق بالهوية الوطنية، يتضمن البرنامج تخصيص صندوق للأمازيغية بغلاف مالي يبلغ ملياري درهم، في سياق تعزيز حضور اللغة والثقافة الأمازيغيتين.
ويظل الرهان هنا هو تحويل الاعتمادات المالية إلى برامج عملية قابلة للقياس، تشمل التعليم والإدارة والثقافة والإعلام، بما يضمن تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وتوسيع حضورها في الحياة العامة.
الشباب والتشغيل.. مواجهة أرقام مقلقة
يضع البرنامج إدماج الشباب في سوق الشغل ضمن أولوياته، في ظل أرقام مقلقة بشأن البطالة والهدر المدرسي وخروج فئات من الشباب من منظومتي التعليم والتكوين ومن النشاط الاقتصادي.
ويشير البرنامج إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، فيما تبلغ البطالة في صفوف الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، وفق المعطيات الواردة في البرنامج، نحو 29.2 في المائة. كما يتحدث عن مغادرة حوالي 300 ألف تلميذ للدراسة سنوياً.
ولمواجهة هذه التحديات، تعتزم الحكومة تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق حاجيات المقاولات، وتمكين 100 ألف شاب كل سنة من الاستفادة من أول تجربة مهنية، إلى جانب رفع عدد المستفيدين من التكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف سنوياً.
وتكتسي هذه الالتزامات أهمية خاصة، لأن أزمة التشغيل لا ترتبط فقط بنقص فرص العمل، بل كذلك بعدم التوافق بين التكوين ومتطلبات الاقتصاد، وصعوبة الولوج إلى أول تجربة مهنية، ومحدودية الفرص في بعض الجهات والمناطق.
ويبقى التحدي الأكبر هو ضمان أن تؤدي برامج التكوين إلى وظائف حقيقية ومستدامة، لا إلى دورات تدريبية تنتهي بانتهاء التمويل، مع نشر معطيات سنوية بشأن عدد المستفيدين الذين التحقوا فعلياً بسوق الشغل، وطبيعة العقود والأجور ومدى استقرار فرص العمل.
السيادة المائية والطاقية والغذائية.. رهانات استراتيجية
يولي البرنامج أهمية خاصة لتعزيز السيادة الاستراتيجية للمملكة، في ظل التحديات المناخية وتقلبات الأسواق الدولية وتزايد الضغط على الموارد الطبيعية.
وفي المجال الطاقي، يستهدف البرنامج رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030، بما يدعم الانتقال نحو مصادر طاقة أقل ارتباطاً بالتقلبات الخارجية، ويعزز الأمن الطاقي للمغرب.
أما في قطاع الماء، فيتضمن البرنامج تعبئة 1.8 مليار متر مكعب من المياه المحلاة في أفق سنة 2031، ضمن جهود مواجهة الإجهاد المائي وتأمين حاجيات الشرب والأنشطة الاقتصادية.
وفي المجال الفلاحي، تسعى الحكومة إلى رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة، في توجه يروم تعزيز السيادة الغذائية وتقوية قدرة الإنتاج الوطني على مواجهة الاضطرابات المناخية وسلاسل الإمداد الدولية.
وتتطلب هذه الأهداف استثمارات مهمة وتنسيقاً بين القطاعات، فضلاً عن تقييم الأثر الفعلي للمشاريع على الأمن المائي والغذائي، ومدى استفادة الفلاحين الصغار والمناطق الأكثر تضرراً من ندرة المياه.
الاقتصاد والاستثمار.. نمو بنسبة 5 في المائة
اقتصادياً، تراهن الحكومة على تحقيق نمو متوسط في حدود 5 في المائة سنوياً خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، مع استهداف حصر التضخم في حدود 2 في المائة، والتحكم في عجز الميزانية عند نحو 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض المديونية إلى قرابة 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031.
كما يستهدف البرنامج رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني، وتعزيز جاذبية الاقتصاد المغربي وتوسيع قاعدة الإنتاج، مع مواصلة تطوير القطاعات ذات القيمة المضافة.
وفي القطاع السياحي، تضع الحكومة هدف استقبال 26 مليون سائح في أفق سنة 2030، مستفيدة من المؤهلات الطبيعية والثقافية للمملكة، ومن المشاريع المرتبطة بالاستعدادات لاستضافة التظاهرات الرياضية الدولية الكبرى.
غير أن تحقيق نمو اقتصادي مرتفع لا يكفي وحده للحكم على نجاح السياسة الحكومية؛ إذ يتوقف الأثر الاجتماعي للنمو على قدرته على خلق فرص شغل مستقرة، وتحسين دخول الأسر، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتقليص الفوارق بين الجهات والفئات الاجتماعية.
كما أن رفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار يستدعي تحسين مناخ الأعمال، ومحاربة الممارسات الاحتكارية، وتسهيل التمويل أمام المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وضمان وضوح القواعد واستقرارها.
الجهوية المتقدمة.. 12 مليار درهم للجهات ابتداءً من 2027
في إطار تعزيز التنمية الترابية، يتضمن البرنامج رفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنوياً ابتداءً من سنة 2027، مع مواصلة تنزيل الجهوية المتقدمة وتطوير آليات تنفيذ المشاريع.
ويطرح هذا الالتزام فرصة لتعزيز قدرة الجهات على إعداد برامج تنموية تستجيب لحاجيات السكان، شرط أن تترافق زيادة الموارد مع حكامة فعالة، وربط التمويل بالنتائج، وتحسين التنسيق بين المجالس المنتخبة والإدارات المركزية.
وتبرز أهمية هذا الورش في ضرورة تقليص التفاوت في البنيات التحتية والخدمات وفرص الاستثمار بين الجهات، وضمان ألا يظل توزيع المشاريع رهيناً بالقدرات الإدارية والمالية غير المتكافئة بين المجالات الترابية.
البرنامج الحكومي أمام اختبار التنفيذ والمحاسبة
تكشف الالتزامات المعلنة عن برنامج واسع يجمع بين الحماية الاجتماعية ومحاربة الفساد وإصلاح التقاعد وتشغيل الشباب وتحسين التعليم والصحة، إلى جانب رهانات النمو الاقتصادي والسيادة المائية والطاقية والغذائية.
لكن كثافة الأهداف والأرقام تضع الحكومة أمام مسؤولية توضيح الكلفة المالية لكل ورش، ومصادر تمويله، والجدول الزمني لتنفيذه، والجهات المسؤولة عن تنزيله، فضلاً عن المؤشرات التي ستُعتمد لقياس النتائج.
كما أن نجاح البرنامج لا يقاس بعدد الوعود الواردة فيه، بل بمدى تحسن الخدمات العمومية، وارتفاع فرص الشغل، وتراجع الهدر المدرسي، وتحسن دخل الأسر، وتوسيع فرص المقاولات المغربية، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
وبين سقف التوقعات الاجتماعية والاقتصادية وصعوبة التنفيذ، تدخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة جديدة عنوانها المعلن هو الإصلاح والاستجابة لانتظارات المواطنين. ويبقى الرهان الحقيقي هو تحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة، قابلة للتقييم والمحاسبة، حتى لا تتحول الأرقام المستهدفة في نهاية الولاية إلى مجرد وعود مؤجلة.




