المغرب.. هل أصبح تبديد المال العام بوابة للفساد الانتخابي والإثراء غير المشروع؟ ومنطقة الغرب تحت المجهر.

الرباط
لم يعد الحديث عن تبديد المال العام في المغرب يقتصر على خسائر مالية تتحملها خزينة الدولة، بل أصبح يرتبط، وفق ما يثيره الرأي العام وتقارير مؤسسات الرقابة، بإشكالية أعمق تتمثل في استغلال النفوذ والفساد الانتخابي والإثراء غير المشروع، وهي ممارسات تهدد الثقة في المؤسسات وتقوض أسس المنافسة السياسية الشريفة.
ويثير متابعون للشأن العام تساؤلات متزايدة حول الكيفية التي انتقل بها بعض المنتخبين، خلال سنوات قليلة، من أوضاع مالية عادية إلى امتلاك ثروات وعقارات ومشاريع تجارية ضخمة، في ظل غياب تفسيرات مقنعة لمصادر هذه الأموال، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة مطلب تفعيل آليات التصريح بالممتلكات وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتدقيق في كل مظاهر الثراء التي قد تثير شبهة الإثراء غير المشروع.
وفي عدد من المناطق، ومن بينها منطقة الغرب، تتصاعد مطالب فعاليات مدنية وسياسية وحقوقية بفتح تحقيقات شاملة في تدبير المال العام داخل بعض الجماعات الترابية، والوقوف على مدى احترام قواعد الشفافية في تدبير الصفقات والميزانيات، وكذا البحث في مصادر الثروات التي راكمها بعض المنتخبين خلال فترة توليهم المسؤولية، مع ترتيب المسؤوليات القانونية متى ثبت وجود مخالفات.
ويرى مهتمون بالحكامة أن الفساد المالي لا يقف عند حدود هدر الأموال العمومية، بل يمتد إلى التأثير على المسار الانتخابي، عندما تتحول الأموال المتحصلة بطرق غير مشروعة إلى وسيلة لشراء الولاءات أو التأثير في الناخبين، بما يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها ويكرس إعادة إنتاج النخب نفسها.
ويحذر متابعون للشأن العام من أن أخطر ما يواجه مسار الإصلاح ليس فقط وقوع الفساد المالي أو الانتخابي، بل استمرار التستر عليه أو التغاضي عنه، أو عدم اتخاذ إجراءات قانونية رادعة في حق المتورطين فيه. فكلما غابت المحاسبة، عاد بعض المشتبه في تورطهم في ممارسات تمس نزاهة التدبير العمومي إلى الواجهة مع كل استحقاق انتخابي، مستفيدين من ضعف الردع، بما يتيح لهم توسيع نفوذهم وتعزيز مواقعهم السياسية والاقتصادية. وفي المقابل، يتفاقم منسوب فقدان الثقة لدى المواطنين والناخبين في المؤسسات المنتخبة، وتتحول الانتخابات، في نظر شريحة من الرأي العام، إلى إعادة إنتاج للمشهد نفسه، عبر تداول الوجوه ذاتها واستمرار الممارسات التي أضعفت الثقة في العمل السياسي. وهكذا تدور رحى المعارك الانتخابية في حلقة مفرغة، تقوم على تدوير الوجوه نفسها وإعادة إنتاج المشهد ذاته، بينما يواصل بعض المفسدين، إن ثبتت إدانتهم قضائياً، تأبيد مواقعهم ونفوذهم، لتبقى “دار لقمان على حالها”.
وتؤكد التجارب الدولية أن التنمية المستدامة لا ترتبط فقط بحجم الميزانيات المرصودة، وإنما بكيفية تدبيرها، إذ استطاعت دول عديدة تحقيق نتائج مهمة بفضل التخطيط الرشيد، والرقابة الصارمة، والشفافية في الإنفاق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما أسهم في تحسين جودة الخدمات العمومية وتعزيز ثقة المستثمرين والمواطنين على حد سواء.
وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات إلى فتح تحقيقات جدية وشاملة في ملفات يشتبه في ارتباطها بتبديد المال العام أو الإثراء غير المشروع أو استغلال المنصب الانتخابي، مع تمكين الجهات المختصة من القيام بمهامها بكل استقلالية، وترتيب المسؤوليات القانونية عند ثبوت المخالفات.
كما تتزايد المطالب بتشديد العقوبات في حق كل منتخب تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي في جرائم الفساد المالي أو تبديد المال العام أو استغلال النفوذ، بما في ذلك العزل من المسؤولية، واسترجاع الأموال المتحصلة بطرق غير مشروعة، والمنع من الترشح أو المشاركة في الانتخابات مستقبلاً، وفقاً لما يتيحه القانون، حماية لنزاهة المؤسسات وصوناً للمال العام.
ويبقى الرهان اليوم ليس فقط في كشف الاختلالات، بل في إرساء نموذج للحكامة يجعل المنصب الانتخابي وسيلة لخدمة المواطنين لا طريقاً للإثراء الشخصي، حتى تستعيد المؤسسات المنتخبة ثقة المواطنين، ويصبح المال العام رافعة حقيقية للتنمية بدل أن يكون موضوعاً لشبهات الفساد وهدر الموارد. فدولة القانون لا تقاس بعدد النصوص القانونية، وإنما بقدرتها على تطبيقها على الجميع دون استثناء، وترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون، وأن حماية المال العام هي حماية لمستقبل الوطن وثقة مواطنيه.




