افتتاح معرض فن تشكيلى فى محطة صفاء حجازى احتفاء برائد النحت محمود مختار

فى مشهدٍ غير معتاد، تحوّلت محطة صفاء حجازى لمترو الأنفاق، اليوم الأحد، إلى مساحة فنية نابضة بالحياة رغم الظروف الجوية المصاحبة، حيث فوجئ ركاب المترو وهم فى طريقهم المعتاد، بافتتاح معرض فن تشكيلى يحتفى برائد النحت المصرى محمود مختار بمصاحبة عزف لمجموعة من الموسيقيين، نظمته وزارة الثقافة بمناسبة ذكرى رحيله فى 27 مارس 1934.
يأتى هذا النشاط برعاية د. جيهان زكى وزيرة الثقافة، فى إطار توجه الوزارة نحو إعادة تقديم الرموز الثقافية الكبرى للأجيال الجديدة، وتعزيز حضور الفن فى الحياة اليومية، خاصة أن مختار، الذى لُقّب بـ”أبو النحت المصرى الحديث”، لم يكن مجرد فنان بل أحد صُنّاع الهوية البصرية الوطنية لمصر الحديثة.
والمعرض الذى حمل عنوان “المختار من روح مختار” لم يكن وليد لحظة عابرة بل جاء تتويجًا لتجربة فنية فريدة بدأت برحلة إلى متحف محمود مختار، شارك فيها نحو 80 فنانًا نظّمها قطاع الفنون التشكيلية بالتعاون مع مشروع “رسم مصر” الذى أطلقه الفنان د. محمد حمدى الذى اصطحب المشاركين فى جولة تعريفية بين أعمال مختار، كاشفًا عن ملامح تجربته الإبداعية التى شكّلت نقطة تحول فى تاريخ الفن المصرى الحديث، بهدف بناء حالة إبداعية جماعية تربط بين التراث والواقع، ودعم المواهب الفنية المحبة لهذا الفن، وتعزيز الحوار البصرى بين الأجيال، وتقديم رؤية حديثة للفن المصرى تنطلق من جذوره وتمتد إلى آفاق جديدة.
وامتدت التجربة إلى جلسات حكى تفاعلية بمشاركة الفنانة شيماء أبو زيد، بحضور الفنان ياسر جاد مدير المتحف، استعرضا خلالها السيرة الإنسانية والفنية لمختار وعلاقته بروح الوطن خاصة خلال ثورة 1919، حيث تحوّل الفن فى أعماله إلى تعبير صادق عن الحلم الوطنى، قبل أن تُترجم هذه الروح إلى لوحات معاصرة حملت بصمات المشاركين، وكأنها امتداد حى لذاكرة فنية لا تزال تنبض.
ومن التلاقى بين الماضى والحاضر وُلدت هذه الأعمال لتقدم للجمهور لوحاتٌ لا تكتفى بالتصوير بل تنحت الذاكرة، كأنها امتدادٌ طبيعيا لروح مختار، فى محاولة للإجابة عن السؤال الذى طرحه منذ ما يقرب من قرن من الزمان: كيف يعيش الفن بين الناس؟ وجاءت الإجابة فى الفضاء العام، حيث لا جدران تفصل الجمال عن العابرين.
وتم اختيار محطة مترو صفاء حجازى القريبة من الكليات الفنية بالزمالك لإقامة معرض “المختار من روح مختار” ليكون الفن أقرب إلى الناس وأقرب إلى ذلك الحلم الذى آمن به مختار: أن يصبح الفن جزءًا من الحياة اليومية، لا رفاهية نخبوية، ولا قاعات معزولة.
وفى هذا السياق، أكد أحمد فكرى مدير عام التنشيط الثقافى بقطاع الفنون التشكيلية وأحد منظمى الفعالية، أن الاحتفاء بذكرى مختار كان مقررًا أن تتم منذ أيام، إلا أن الظروف الجوية خلال الفترة الماضية دفعت إلى إرجاء النشاط حرصًا على سلامة المشاركين والجمهور.
وأوضح، أن الاحتفاء هذا العام لم يكن مجرد استعادة لماضٍ بعيد بل جاء كتجربة معاصرة تعيد طرح الفن كجزء من الحياة اليومية، وتُحيى فكرة أن الجمال يمكن أن يفاجئنا فى أكثر الأماكن بساطة حتى على رصيف مترو، حيث يلتقى الفن بالناس دون حواجز.
كما شارك المركز القومى لثقافة الطفل برئاسة الكاتب محمد ناصف فى هذا النشاط من خلال فقرات موسيقية لافتة قدّمها كل من إسماعيل أحمد عازف الكمان، وخالد محمود عازف الكلارينيت، حيث قدّما مجموعة من المقطوعات الكلاسيكية والمصرية التى لاقت تفاعلًا واضحًا من جمهور المترو، إذ توقّف عدد من الركاب للاستماع، فيما اكتفى آخرون بمتابعة العزف بإعجاب أثناء مرورهم، فى مشهد عكس حالة من الدهشة والاندماج مع الأجواء الفنية غير المعتادة داخل المحطة.
ويُعد العازفان من أبناء المركز الذين واصلا مسيرتهما الفنية الأكاديمية باحتراف، فى نموذج يعكس دور المركز فى اكتشاف ورعاية المواهب وتنميتها.
وحرص المنظمون على أن يكون النشاط بعيد عن مسارات الركاب ذات الكثافة أو أرصفة القطارات بحيث لا يؤثر النشاط على حركة الركاب فى المحطة أو يعطلهم عن رحلتهم اليومية.
يذكر، أن هذا النشاط يأتى ضمن سلسلة من الفعاليات الثقافية المتنوعة التى نظمت منذ تولى د. جيهان زكى منصب وزير الثقافة بالتعاون مع وزارة النقل والهيئة القومية للأنفاق وشركة إدارة الخط الثالث وقطار العاصمة بهدف نقل الفنون من قاعاتها المغلقة إلى قلب الحياة اليومية للجمهور وتوسيع حضور الثقافة فى الفضاء العام، عبر تقديم تجارب فنية مفاجئة تقرّب الإبداع من الناس وتفتح لهم نوافذ جديدة للتفاعل مع الفن خارج الأطر التقليدية.




