رأي عام : مقالة دكتورة / نادية مصطفي عبدالحكيم – القاهرة

 

 

اللقاء الذي جمع اخيرا في اوغندا بين رئيس المجلس السيادي او الرئاسي في السودان الفريق اول عبدالفتاح البرهان ، ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ، وما يتردد حاليا عن اتجاه الطرفين نحو تطبيع علاقاتهما ببعضهما وهو ما قد يكون المقدمة نحو تبادل الاعتراف الدبلوماسي الكامل بينهما قريبا ضمن سيناريو تم الاتفاق عليه مسبقا ونجحا في تكتمه تجنبا لما قد يحدثه الاعلان عنه من اصداء عربية رافضة او مهاجمة له كما تعودنا ، هذا اللقاء قد تكون له في رأيي انعكاسات مباشرة وسلبية للغاية علي شروط الاتفاق الثلاثي النهائي الذي قد تسفر عنه المفاوضات التي تجري حاليا بين مصر والسودان واثيوبيا تحت رعاية الادارة الامريكية والبنك الدولي في واشنطون وهي المفاوضات التي قاربت علي نهايتها والتي قد تكون الفرصة الاخيرة في البحث عن حل سلمي توافقي باسلوب التفاوض المباشر لهذه الازمة الدولية الخطيرة التي تهدد امن مصر المائي في الصميم .

 

ومن ذلك ان اسرائيل قد تقوم بربط الموقفين السوداني والاثيوبي ازاء مشكلة ازمة سد النهضة بصورة اقوي وأقرب الي بعضهما من كل ما سبق لتبقي مصر وحدها علي الجانب الاخر من هذه العملية التفاوضية الصعبة وهو ما قد يضعف موقف مصر التفاوضي ويضعها تحت ضغوط عنيفة ومتزايدة يكون لاسرائيل دور كبير في تحريكها وتصعيدها وفي التحريض عليها ولتجد مصر نفسها محاصرة بخيار ان تقبل او ان ترفض وكلا الخيارين اسوا من بعضهما اذ لكل منهما تبعاته وتداعياته ونتائجه السلبية بل والمدمرة بكل المعايير .

كما قد تستخدم اسرائيل نفوذها اللامحدود علي ادارة الرئيس الامريكي ترامب لجعلها تتخلي عن حيادها المفترض كوسيط في هذه الازمة وتتبني موقفا اكثر ميلا وانحيازا لموقف الطرفين الاثيوبي والسوداني ضد مصر خلال هذه المرحلة الحرجة والحاسمة من تطور المفاوضات وهو ما قد يجرف العملية التفاوضية بعيدا عن المسار الذي بدات منه وضد كل التوقعات التي راهنت علي ايجابية الوساطة الامريكية وعلي اهميتها في تحقيق اختراق في هذه الازمة المتعثرة لا تقدر عليه قوة دولية اخري في العالم غير الولايات المتحدة الامريكية .

وهو ما يعني العودة بازمة سد النهضة الي المربع الاول ولكن في ظروف اسوا مما كانت عليه قبل هذا التطور السلبي الاخير حيث كانت مصر تعول كثيرا علي انتهاج السودان موقفا اكثر مساندة لها واكثر تضامنا معها كدولتي مصب بعد مواقف البشير المتخاذلة والملتوية في هذه الازمة التي لم تكن تحتمل هذا النوع من الخداع والسلوك المراوغ .

واتصور ان اللقاء بين البرهان ونتنياهو قد سبقته اتصالات ومشاورات مكثفة بينهما عرض فيها نتنياهو وساطته لدفع الادارة الامريكية الي التعجيل برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب في العالم وانهاء عزلته الدولية واعادة ادماجه في المجتمع الدولي بعد طول مقاطعته له ، وحث المؤسسات المالية الدولية علي استئناف تزويدها السودان بالمساعدات الاقتصادية والفنية والقروض المالية التي يحتاجها لاخراجه من ازمته الاقتصادية الخانقة التي يمر بها حاليا والتي كانت تللك المؤسسات قد منعتها عنه طيلة السنوات الماضية ابان حكم البشير الارهابي الذي عزل السودان عن العالم .

 

اما عن المقابل الاستراتيجي الكبير لهذا الدور الاسرائيلي الوسيط فهو ان اسرائيل سوف تكون حاضرة بقوة في السودان وستقوم بدورها في ابعاد السودان عن مصر وفي محاولة اغراق الدولتين الجارتين في بحر من الخلافات والحساسيات والتوترات التي تزيد من تباعدهما عن بعضهما في هذه الظروف الحرجة ، مع دفع السودان اكثر باتجاه اثيوبيا التي ترتبط مع اسرائيل بعلاقات استراتيجية وسياسية وأمنية وثيقة للغاية ولها خلفية تاريخية طويلة ، وهو ما سوف تكون له مخاطره وتبعاته الامنية بعيدة المدي علي كل المحاور والجبهات التي قد تكون خارج تصورنا الان فالسودان بالنسبة لمصر ليس كاي دولة افريقية وانما له وضعه الاستراتيجي الخاص .

 

هذه صفقة جديدة قد لا ندرك مخاطرها كاملة في الاونة الراهنة لكنها سوف تكشف عن وجهها الحقيقي مع الوقت . اسرائيل تخترق العالم العربي من كل اتجاه وهي تعرف طريقها الي ما تريده وكيف تصل اليه وما نراه حاليا من تقارب مع السودان هو حلقة اخري في هذا المخطط الاسرائيلي الطويل ….

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى