إيطاليا على صفيح ساخن.. الاحتجاجات تصل إلى روما وغلاء المعيشة يضع حكومة ميلوني أمام اختبار الشارع

الجريدة الإسبانية العربية/ متابعة خاصة
لم تعد موجة الاحتجاجات الاجتماعية في إيطاليا محصورة في مدن الشمال، بعدما امتدت التحركات إلى العاصمة روما، السبت 24 أكتوبر 2026، في مشهد يعكس اتساع دائرة الغضب المرتبط بارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، وتراجع القدرة الشرائية، وسط إجراءات أمنية مشددة تحسباً لتجدد المواجهات التي شهدتها البلاد خلال الأسبوع الماضي.
وشهدت العاصمة الإيطالية تحركات احتجاجية في محيط مواقع مركزية، من بينها منطقة الكولوسيوم، بالتزامن مع مظاهرات طلابية ومسيرة مناهضة للحرب والإنفاق العسكري. ورافقت هذه التحركات تدابير أمنية مكثفة، شملت تعزيز انتشار الشرطة ومراقبة عدد من المواقع الحيوية، في وقت تستعد فيه السلطات للتعامل مع تجمعات معلنة وأخرى قد تنظم بشكل مفاجئ.
وتأتي هذه التطورات في سياق موجة احتجاجات أوسع تعرفها عدة مدن إيطالية، من بينها ميلانو وتورينو وبولونيا وفلورنسا، حيث تتداخل المطالب الاجتماعية مع الاعتراض على السياسات الحكومية والإنفاق العسكري، فيما تتزايد المخاوف من تحول الاحتقان الاقتصادي إلى مواجهات جديدة في الشارع.
غلاء الوقود يشعل الغضب.. والقدرة الشرائية في قلب المواجهة
تتصدر تكاليف المعيشة وأسعار الوقود قائمة الملفات التي تؤجج الاحتجاجات، في ظل شكاوى من ارتفاع نفقات السكن والطاقة، وضعف الأجور مقارنة بالأعباء اليومية التي تواجهها الأسر والعمال والشباب.
ولم تعد تداعيات الأزمة مقتصرة على الاحتجاجات في الشوارع، إذ امتدت إلى قطاع النقل، بعدما لجأ سائقو الشاحنات إلى تحركات وعرقلة طرق احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل. وأثرت هذه التحركات على سلاسل التوريد، وسط تحذيرات من نقص بعض المواد الغذائية في المتاجر، خصوصاً في مناطق من جنوب البلاد وصقلية.
وتضع هذه التطورات الحكومة الإيطالية أمام معادلة معقدة، إذ يتعين عليها التعامل مع مطالب المهنيين والعمال والأسر المتضررة من ارتفاع الأسعار، بالتوازي مع ضمان استمرار التموين وحماية المرافق والخدمات الأساسية.
ميلانو تحت حراسة مشددة.. 500 جندي إضافي وإجراءات أكثر صرامة
وتبقى مدينة ميلانو في صدارة المشهد الأمني، بعد أعمال تخريب ونهب ومواجهات مع الشرطة شهدتها خلال يومي 17 و18 أكتوبر الجاري، على هامش احتجاجات شارك فيها آلاف الأشخاص.
وأعلنت السلطات تعزيز الانتشار العسكري في المدينة بنحو 500 جندي إضافي، إلى جانب رفع مستوى التأهب الأمني وتشديد المراقبة في عدد من المناطق الحيوية والتجارية، تحسباً لتكرار أعمال العنف التي استهدفت متاجر وممتلكات خاصة.
كما أقرت الحكومة برئاسة جورجيا ميلوني إجراءات أمنية وقانونية أكثر صرامة، تشمل تشديد العقوبات المرتبطة بالعنف والتخريب خلال المظاهرات، في خطوة تقول السلطات إنها تهدف إلى حماية المواطنين والممتلكات ومنع تكرار أحداث الأسبوع الماضي.
غير أن هذه التدابير تفتح، في المقابل، نقاشاً بشأن كيفية التوفيق بين حماية النظام العام وضمان الحق في الاحتجاج السلمي، خصوصاً في ظل مشاركة فئات شابة ترفع مطالب اجتماعية واقتصادية متعددة.
حكومة ميلوني أمام اختبار اجتماعي وسياسي
تضع الاحتجاجات المتواصلة حكومة جورجيا ميلوني أمام اختبار يتجاوز التدبير الأمني، ليصل إلى قدرتها على الاستجابة للمطالب المرتبطة بالقدرة الشرائية والأجور والسكن والخدمات العمومية.
فالتعامل مع الاحتقان لا يتوقف عند تأمين الشوارع وملاحقة المتورطين في أعمال التخريب، بل يرتبط أيضاً بمدى قدرة السياسات الاقتصادية والاجتماعية على تخفيف الأعباء التي تواجه المواطنين، ولا سيما الفئات محدودة الدخل والشباب والعاملين في القطاعات المتضررة من ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.
وفي المقابل، تظل أعمال الاعتداء والنهب والتخريب، متى ثبتت مسؤولية مرتكبيها، منفصلة عن حق المواطنين في التعبير السلمي عن مطالبهم، وهو تمييز أساسي في أي مقاربة تستهدف احتواء الاحتجاجات دون توسيع دائرة التوتر.
من إيطاليا إلى فرنسا وإسبانيا.. احتجاجات تعيد الأسئلة الاجتماعية إلى الواجهة
وتتزامن التحركات الإيطالية مع احتجاجات شهدتها مدن أوروبية أخرى، من بينها فرنسا وإسبانيا والبرتغال، وإن اختلفت دوافعها وتفاصيلها من بلد إلى آخر. وتبرز ضمن هذه التحركات ملفات القدرة الشرائية والسكن والأجور والتعليم والخدمات العمومية، إلى جانب الاعتراض على الحرب وزيادة الإنفاق العسكري.
ويعكس هذا التزامن عودة القضايا الاجتماعية إلى صدارة النقاش الأوروبي، في وقت تواجه فيه الحكومات ضغوطاً متزايدة للموازنة بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، والاستجابة للمطالب الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى.
وبينما تواصل السلطات الإيطالية تشديد استعداداتها الأمنية، تبقى الأنظار متجهة إلى مسار الاحتجاجات خلال الأيام المقبلة، وما إذا كانت الإجراءات الحكومية ستنجح في احتواء التوتر، أم أن استمرار الضغوط المعيشية سيبقي الشارع مفتوحاً على جولات جديدة من التعبئة.




