المغرب: برنامج حكومي بسقف مرتفع.. هل تستطيع حكومة المنصوري تحويل الوعود إلى واقع؟

 

الجريدة الإسبانيةالعربية/ الرباط

ليس من الصعب أن تعلن حكومة جديدة عن طموحات كبيرة، فكل بداية سياسية تحتاج إلى خطاب يمنح الأمل ويحدد وجهة المرحلة المقبلة. لكن الصعوبة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الوعود إلى التزامات تنتظر التمويل، والقرارات تنتظر التنفيذ، والمواطنون ينتظرون أن يلمسوا تغييراً فعلياً في حياتهم اليومية.

من هذه الزاوية، يستحق البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 قراءة هادئة تتجاوز جاذبية الأرقام المعلنة، من دون التقليل من أهمية الأهداف الاجتماعية والاقتصادية التي يحملها. فرفع الدعم الاجتماعي، وتحسين معاشات المتقاعدين، وتوسيع فرص التشغيل، وتطوير التعليم والصحة، ومحاربة الفساد، كلها مطالب مشروعة وانتظارات حقيقية. غير أن مشروعية هذه المطالب لا تعني أن تنفيذها سيكون سهلاً، ولا أن الإعلان عنها يكفي لضمان تحقيقها.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان المغاربة يستحقون هذه الوعود، بل ما إذا كانت الحكومة تمتلك الشروط المالية والاقتصادية والمؤسساتية اللازمة للوفاء بها.

بين طموح الأرقام وإكراهات الواقع

حين تستهدف الحكومة رفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية، والرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم، وتحقيق نمو اقتصادي متوسط في حدود 5 في المائة سنوياً، فإنها تضع أمام الرأي العام سقفاً مرتفعاً من الانتظارات.

هذه الأهداف، في حد ذاتها، ليست موضع اعتراض؛ بل إن تحسين الدخل والحماية الاجتماعية وتوسيع فرص العمل من صميم المسؤوليات الحكومية. لكن المسألة تتعلق بمدى الانسجام بين حجم الالتزامات والإمكانات المتاحة لتنفيذها.

فكل زيادة في الدعم تحتاج إلى موارد مالية مستمرة، وكل إصلاح للتقاعد يحتاج إلى تمويل وتوازنات محسوبة، وكل توسع في الخدمات الصحية والتعليمية يستدعي أطرًا وتجهيزات وبنيات تحتية. وفي المقابل، تعلن الحكومة عن رغبتها في ضبط عجز الميزانية وخفض المديونية، وهي أهداف تفرض بدورها حسابات دقيقة في تدبير الإنفاق العمومي.

هنا تظهر المعادلة التي سيكون على الحكومة حلها: كيف يمكن توسيع الإنفاق الاجتماعي، وتحفيز الاستثمار، وتحسين الخدمات، مع الحفاظ على التوازنات المالية؟

لا توجد إجابة بسيطة عن هذا السؤال، ولا يمكن حسمه بمجرد قراءة البرنامج. فالإجابة ستتضح من خلال الميزانيات السنوية، وتطور الموارد العمومية، وطبيعة الإصلاحات المعتمدة، ومدى قدرة الاقتصاد على خلق ثروة إضافية تسمح بتمويل الالتزامات الجديدة.

نسبة النمو.. الرقم الذي تتوقف عليه وعود كثيرة

تبدو فرضية تحقيق نمو اقتصادي متوسط في حدود 5 في المائة سنوياً عنصراً أساسياً في المعادلة الحكومية، لأن النمو القوي يمكن أن يوسع الموارد الجبائية، ويحفز الاستثمار، ويدعم خلق فرص الشغل.

لكن بلوغ هذا المستوى ليس قراراً إدارياً يمكن تنفيذه بمجرد الإعلان عنه. فالنمو يتأثر بمردودية الاستثمار، وأداء القطاعات الإنتاجية، والظروف المناخية، والطلب الخارجي، وكلفة الطاقة والمواد الأولية، فضلاً عن تطورات الاقتصاد الدولي.

وتكتسب المقارنة مع التوقعات الاقتصادية أهمية في هذا السياق؛ إذ توقع صندوق النقد الدولي، في تقريره الصادر في مارس 2026، نمواً للمغرب في حدود 4.4 في المائة خلال 2026 و4.5 في المائة خلال 2027، مع معدل يقارب 4 في المائة على المدى المتوسط. ولا يعني هذا الاختلاف أن الهدف الحكومي مستحيل، لكنه يوضح أن بلوغه يتطلب أداءً اقتصادياً أعلى من المسار الذي رسمته تلك التوقعات.

والأهم أن النمو، حتى عندما يتحقق، لا يضمن تلقائياً تحسن أوضاع جميع المواطنين. فقد يرتفع الناتج الداخلي الإجمالي من دون أن تتوزع ثماره بالقدر نفسه بين الفئات الاجتماعية والجهات، أو من دون أن يخلق فرص عمل كافية للشباب.

لذلك، لا ينبغي أن يقتصر السؤال على نسبة النمو التي ستسجلها المملكة، بل يجب أن يمتد إلى طبيعة هذا النمو، والقطاعات التي تقوده، وعدد الوظائف التي ينتجها، ومدى انعكاسه على دخل الأسر والمقاولات الصغيرة والمتوسطة.

الدعم الاجتماعي.. أمل مشروع يحتاج إلى حساب واضح

تنتظر الأسر المغربية أن تنعكس الالتزامات الاجتماعية على ميزانياتها اليومية، لا أن تبقى أرقاماً معلنة في وثيقة حكومية. فارتفاع تكاليف المعيشة يجعل كل إجراء يخفف الضغط على الأسر موضع اهتمام واسع، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات محدودة الدخل والمتقاعدين.

غير أن رفع الدعم تدريجياً يطرح أسئلة عملية لا تقل أهمية عن قيمة الزيادة نفسها: ما عدد الأسر التي ستستفيد؟ وما الكلفة السنوية الإجمالية؟ وكيف ستتطور الموارد المخصصة لهذا الورش؟ وهل ستظل قيمة الدعم مؤثرة إذا ارتفعت الأسعار أو تغيرت حاجيات الأسر؟

وتتكرر الأسئلة نفسها بشأن المعاشات. فالرفع التدريجي للحد الأدنى إلى 3000 درهم قد يشكل تحسناً مهماً للمستفيدين الذين يشملهم الإجراء، لكن تنزيله يحتاج إلى تحديد الفئات المعنية والجدول الزمني ومصادر التمويل، مع الحفاظ على استدامة أنظمة التقاعد.

إن المطلوب هنا ليس التشكيك في جدوى الدعم أو في أحقية المتقاعدين في تحسين معاشاتهم، بل معرفة الطريق الذي ستسلكه الحكومة للوصول إلى الأهداف التي أعلنتها.

فالأمل الاجتماعي يكون أقوى عندما يستند إلى خطة واضحة، ويصبح أكثر هشاشة عندما تظل تفاصيل التنفيذ مؤجلة إلى مراحل لاحقة.

محاربة الفساد.. الوعود التي تحتاج إلى نتائج قابلة للتحقق

لا يمكن لأي برنامج حكومي أن يكتسب المصداقية الكاملة إذا لم يقترن بتدبير شفاف للمال العام، وتكافؤ في الفرص الاقتصادية، وقواعد واضحة تمنع تضارب المصالح واستغلال النفوذ.

ومن هنا، فإن التعهد بمحاربة الفساد والإثراء غير المشروع والريع يستحق أن يُقاس بما سينتج عنه من إجراءات فعلية، وليس فقط بما يحظى به من اهتمام في الخطاب السياسي.

فالمقاولة الصغيرة التي تنتظر صفقة عمومية، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، والمواطن الذي يريد خدمة إدارية في ظروف عادلة، جميعهم معنيون بمدى تطبيق القواعد نفسها على الجميع.

وإذا كانت الحكومة تستهدف توسيع استفادة المقاولات الصغرى والمتوسطة من الصفقات العمومية، فإن نجاح هذا التوجه يتطلب شفافية في إسناد الصفقات، وتبسيط المساطر، وتوفير شروط المنافسة، ونشر بيانات تسمح بتقييم النتائج.

كما أن محاربة الفساد تحتاج إلى وضوح في المسؤوليات، وفعالية في الرقابة، واحترام القانون، ومحاسبة تستند إلى الأدلة. فالقوانين وحدها لا تغير الممارسات ما لم تُفعّل، والتعهدات لا تستعيد الثقة ما لم ير المواطن أثرها في الواقع.

الشباب.. لا تكفي برامج التكوين إذا لم تتوفر فرص العمل

من أكثر الملفات التي ستختبر واقعية البرنامج الحكومي قضية تشغيل الشباب. فالتكوين المهني، والتدرج، وتوفير التجربة الأولى، كلها أدوات مفيدة، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة البطالة إذا لم يواكبها اقتصاد قادر على خلق فرص عمل مستدامة.

إن تكوين آلاف الشباب كل سنة يمثل هدفاً قابلاً للقياس، لكن المؤشر الأهم هو عدد الذين ينتقلون فعلياً إلى وظائف مستقرة، والأجور التي يحصلون عليها، ومدى استمرارهم في العمل بعد انتهاء برامج الدعم.

وهذا يتطلب ربط التكوين بحاجيات المقاولات، وتوسيع الاستثمار المنتج، وتحسين ظروف إنشاء المشاريع، وتسهيل حصول المقاولات الصغيرة على التمويل، مع توزيع الفرص على مختلف الجهات.

فالشباب لا ينتظرون فقط إعلان برامج جديدة، بل يريدون مسارات واضحة تسمح لهم ببناء مستقبل مهني، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، وتطوير مهاراتهم داخل سوق شغل يوفر فرصاً حقيقية.

ومن ثم، فإن نجاح الحكومة في هذا الملف لن يقاس بعدد الدورات التدريبية أو المستفيدين المسجلين، بل بمدى تراجع البطالة وتحسن جودة فرص العمل.

هل يكفي البرنامج وحده لضمان التنفيذ؟

البرنامج الحكومي يحدد التوجهات الكبرى، لكنه لا يمثل وحده دليلاً على أن جميع أهدافه قابلة للتحقيق بالوتيرة المعلنة. فكل التزام يحتاج إلى ترجمة قانونية ومالية وإدارية، وقد يتطلب بعضها تعديلات تشريعية أو تفاوضاً اجتماعياً أو تنسيقاً بين عدة قطاعات.

كما أن تعدد الأولويات قد يفرض على الحكومة ترتيباً دقيقاً للأوراش، لأن الإمكانات المالية والبشرية ليست بلا حدود. وقد يتطلب تنفيذ بعض الوعود وقتاً أطول مما يتوقعه المواطنون، بينما تتأثر مشاريع أخرى بتطورات اقتصادية أو مناخية خارجة عن السيطرة المباشرة للحكومة.

لكن وجود الإكراهات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم للتأخر، كما أن طموح البرنامج لا ينبغي أن يُعامل باعتباره ضمانة مسبقة للنجاح.

المطلوب هو تحديد آجال واقعية، والإعلان عن الكلفة المالية، وتوضيح مصادر التمويل، ونشر حصيلة دورية تقارن بين ما كان مقرراً وما تحقق بالفعل. وعندما يتعثر التزام معين، يصبح من الضروري توضيح أسباب التعثر والإجراءات المتخذة لمعالجته.

بهذه الطريقة فقط يمكن تحويل النقاش من جدل حول النوايا إلى نقاش حول النتائج والمسؤولية.

الأمل مطلوب.. لكن الثقة لا تُبنى على التمنيات

من حق المغاربة أن يتطلعوا إلى مرحلة تتحسن فيها القدرة الشرائية، وتتوسع فرص الشغل، وتصبح الخدمات العمومية أكثر جودة، وتتراجع الفوارق بين الجهات. ومن حقهم أيضاً أن ينتظروا من الحكومة برنامجاً طموحاً يستجيب لهذه المطالب.

لكن من حقهم، في المقابل، أن يعرفوا كيف ستُموّل الوعود، ومتى ستُنفذ، ومن سيتحمل المسؤولية عن نتائجها.

فالتعامل مع البرنامج الحكومي لا ينبغي أن يقوم على رفض مسبق لكل ما يتضمنه، كما لا ينبغي أن يقوم على التسليم بأن كل ما أُعلن عنه سيتحقق بالضرورة. الموقف الأكثر واقعية هو منح السياسات فرصة التنفيذ، مع الاحتفاظ بحق التقييم والمساءلة على أساس المعطيات والنتائج.

وهذا هو الفرق بين التفاؤل المسؤول والتفاؤل الذي يتجاهل الإكراهات: الأول يشجع على الإنجاز ويطالب بالوضوح، أما الثاني فيكتفي بالتصفيق للوعود قبل معرفة كلفتها ومآلها.

الخلاصة: نتمنى أن تتحول الوعود إلى واقع

يحمل البرنامج الحكومي طموحات واسعة، وبعض أهدافه يلامس انتظارات اجتماعية ملحة. لكن المسافة بين إعلان الالتزامات وتحقيقها قد تكون طويلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتمويل الدعم، وإصلاح التقاعد، وخلق فرص الشغل، وتحسين التعليم والصحة، وضمان استدامة المالية العمومية.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إطلاق أحكام نهائية على البرنامج قبل انطلاق تنزيله، بل إخضاعه منذ البداية لأسئلة الواقعية والتمويل والجدول الزمني والنتائج القابلة للقياس.

نتمنى أن تكون هذه الوعود قابلة للتحقيق، وأن يجد المواطن المغربي في نهاية الولاية ما يؤكد أنها لم تكن مجرد أرقام جميلة في خطاب سياسي. لكن الأمل وحده لا يكفي؛ فالمصداقية تُبنى بالتخطيط، والشفافية، والعمل، ثم بالحصيلة التي يستطيع المواطن أن يلمسها في حياته اليومية.

فالحكومة لا تُحاسَب على ما تتمنى إنجازه، بل على ما تلتزم به، وما تنفذه، وما تتركه من أثر. وبين الوعود والواقع، ستظل السنوات المقبلة هي الحكم الفعلي على مدى قدرة البرنامج الحكومي على الوفاء بانتظارات المغاربة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »