فى ذكرى الغزو الشامل لقبرص: مضايقات مستمرة وحرمان من الرعاية الصحية الكافية

فى 20 يوليو 1974، شنت القوات المسلحة التركية غزوًا شاملًا لقبرص، فى انتهاك صارخ لجميع قواعد الشرعية الدولية، بما فى ذلك ميثاق الأمم المتحدة.
نتيجةً للغزو العسكرى التركى والاحتلال المستمر:
لا يزال أكثر من 36.2% من الأراضى السيادية لجمهورية قبرص خاضعًا للاحتلال العسكرى التركى غير الشرعى.
فرّ 162 ألف قبرصى يونانى من ديارهم، ولا يزالون لاجئين فى وطنهم محرومين حتى يومنا هذا من حق العودة إلى منازلهم وممتلكاتهم بسبب سلطات الاحتلال.
بحلول نهاية عام 1975، أُجبرت الغالبية العظمى من القبارصة الأتراك الذين كانوا يعيشون فى المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة جمهورية قبرص على ترك منازلهم والانتقال إلى الأراضى المحتلة من جمهورية قبرص، نتيجة لسياسة تركيا القسرية.
لا يزال 746 شخصًا مدنيين وعسكريين فى عداد المفقودين، بينما يرفض الجانب التركى التعاون الكامل فى تحديد مصيرهم.
كان 20 ألفًا من القبارصة اليونانيين والموارنة اختاروا البقاء فى منازلهم رغم الاحتلال التركى، وأُجبر معظم من بقوا وخاصة فى شبه جزيرة كارباس على مغادرة المنطقة تدريجيًا.
اليوم، انخفض عدد القبارصة اليونانيين والموارنة المقيمين فى هذه المنطقة انخفاضًا حادًا إلى 300 شخص فقط.
ويعود ذلك إلى المضايقات المستمرة، والقيود المفروضة على الحركة، والحرمان من الرعاية الصحية الكافية، ونقص المرافق التعليمية الكافية التى تتجاوز التعليم الأساسى، فضلًا عن القيود المفروضة على حقهم فى استخدام ممتلكاتهم وحقهم فى ممارسة شعائرهم الدينية بحرية.
إنها سياسة تطهير عرقى متعمدة تهدف إلى إجبار القبارصة اليونانيين والموارنة المحاصرين على ترك منازلهم. منذ عام 1974، انتهجت تركيا سياسة ممنهجة لتوطين الجزء المحتل من قبرص عبر نقل جماعى لأكثر من 160 ألف مواطن تركى من تركيا، بهدف تغيير التركيبة السكانية واختلال التوازن السكانى فى الجزيرة.
ونتيجةً لذلك، بات القبارصة الأتراك أقليةً بكثير من القوات والمستوطنين الأتراك، حتى أصبحوا الآن أقليةً فى الأراضى المحتلة.
وتماشياً مع هدف تركيا المعلن المتمثل فى التقسيم والفصل القومى فى الجزيرة، أعلن النظام المحتل من جانب واحد، فى 15 نوفمبر 1983، قيام ما يُسمى بـ”جمهورية شمال قبرص التركية”، وهو إجراء أدانه المجتمع الدولى باعتباره باطلاً قانونياً.
فى القرارين 541 (1983) و550 (1984)، استنكر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذا الإعلان باعتباره باطلاً قانونياً، ودعا إلى سحبه، وحثّ جميع الدول على عدم الاعتراف بالكيان المزعوم الذى أُنشئ بفعل الأعمال الانفصالية، وعدم تسهيله أو مساعدته بأى شكل من الأشكال.
يذكر، أنه فى قضية لويزيدو ضد تركيا أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنها لا تعترف بأى دولة فى قبرص سوى جمهورية قبرص، وأن ما يُسمى بـ”جمهورية شمال قبرص التركية” ليس دولة بموجب القانون الدولى، وأن تركيا بسبب سيطرتها على المناطق المحتلة بوجود أكثر من 30 ألف جندى مسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان.
ويستمر الاستيلاء على ممتلكات القبارصة اليونانيين من خلال البناء غير القانونى على أراضيهم، والبيع غير القانونى للممتلكات التى يملكها القبارصة اليونانيون الذين طُردوا قسراً من ديارهم.
إنّ الجمع بين طرد السكان القبارصة اليونانيين من المنطقة، وتدمير التراث الثقافى، والتغيير غير القانونى لأسماء الأماكن الجغرافية فى الجزء المحتل من قبرص، يهدف إلى القضاء على كل عنصر يونانى ومسيحى عريق يعود لقرون، وفى نهاية المطاف إلى “تتريك” المنطقة.
كما يهدف إلى تغيير موازين القوى والنسيج الاجتماعى فى الجزء المحتل من قبرص، لضمان امتثال القيادة القبرصية التركية لسياسات الحكومة التركية.
وتعكس سلسلة من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، بالإضافة إلى قرارات تبنتها العديد من المنظمات الدولية الأخرى، الإدانة العالمية للغزو التركى وجميع أعمال العدوان اللاحقة ضد قبرص.
وتطالب هذه القرارات من بين أمور أخرى، بانسحاب القوات الأجنبية وعودة اللاجئين إلى ديارهم سالمين والتحقق من مصير المفقودين.
علاوة على ذلك، تدعو إلى احترام حقوق الإنسان لجميع القبارصة، فضلاً عن احترام استقلال قبرص وسيادتها ووحدة أراضيها.
أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فى حكمها الصادر بتاريخ 10 مايو 2001 بشأن الطلب المشترك الرابع بين الدول فى قضية قبرص ضد تركيا، حكماً بإدانة تركيا بارتكاب انتهاكات متواصلة لحقوق الإنسان فى قبرص.
فى عام 2014، قضت المحكمة بتعويض عادل قدره 30 مليون يورو يتعين على تركيا دفعها لأقارب المفقودين، و60 مليون يورو لسكان شبه جزيرة كارباس القبارصة اليونانيين المحاصرين.
انتهى المؤتمر الذى عُقد لاحقاً، والذى دعا إليه الأمين العام للأمم المتحدة فى كران مونتانا بسويسرا (28 يونيو – 7 يوليو 2017)، إلى طريق مسدود بسبب إصرار تركيا على الوجود العسكرى الدائم فى قبرص وعلى الحفاظ على حقوقها فى التوغل.
فى الفترة من 27 – 29 أبريل 2021، دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى اجتماع غير رسمى بصيغة “5+1” بشأن قبرص فى جنيف، بهدف إيجاد سبيل لاستئناف المحادثات المباشرة لحل القضية القبرصية.
أدى رفض تركيا وزعيم الجالية القبرصية التركية إعادة تأكيد التزامهما بالأساس المتفق عليه لفيدرالية ثنائية الطوائف والمناطق مع المساواة السياسية كما هو محدد فى قرارات الأمم المتحدة، وإصرارهما على المساواة بين “دولتين” كشرط مسبق لاستئناف المفاوضات، ورفضهما اقتراح الأمين العام بتعيين مبعوث خاص، إلى وصول الجهود إلى طريق مسدود.
إضافةً إلى ذلك، مضت تركيا قُدماً فى فرض أمر واقع جديد فى المناطق المحتلة من قبرص، معلنة عن مزيد من الإجراءات غير القانونية فى فاروشا، المنطقة المُسيّجة فى أموخوستوس.
وأدان مجلس الأمن هذه الإجراءات، وأصدر إعلاناً رئاسياً فى 23 يوليو 2021، يدعو إلى التراجع الفورى عن جميع الإجراءات غير القانونية، وإلى الاحترام الكامل لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بما فى ذلك نقل فاروشا إلى إدارة الأمم المتحدة.
وتجلّى التزام الأمين العام للأمم المتحدة باستئناف عملية تفاوض جادة، تُفضى إلى حل مقبول للطرفين ضمن إطار الأمم المتحدة، فى تعيين ماريا أنجيلا مبعوثة شخصية له، وكذلك فى مبادرته لعقد اجتماع غير رسمى حول قبرص بصيغة أوسع، والذى عُقد فى 17-18 مارس 2025 فى جنيف.
منذ نوفمبر 2025، تُعقد اجتماعات بين رئيس الجمهورية نيكوس خريستودوليدس، وزعيم الجالية القبرصية التركية توفان إرهورمان.
تهدف هذه الاجتماعات إلى تهيئة الظروف اللازمة خطوةً بخطوة، لاستئناف مفاوضات جوهرية ذات مضمون حقيقى وآفاق واعدة تُفضى إلى نتائج ملموسة.
ويُسهم الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة وشفافة فى تحقيق هدف استئناف المحادثات المباشرة لحل القضية القبرصية على أساس متفق عليه، وهو اتحاد ثنائى الطوائف والمناطق قائم على المساواة السياسية.
وتُعد المبادرات الجارية التى يتخذها الرئيس خريستودوليدس، بالإضافة إلى المقترحات البناءة التى يطرحها، جزءًا لا يتجزأ من هذا النهج، الذى يُجسد عمليًا إرادة قبرص الراسخة فى تهيئة مناخ إيجابى لاستئناف مفاوضات جادة.




