نميرة نجم: أفريقيا لن تبقى رهينة لسرديات دول الشمال فى مفاوضات المناخ

 

قالت السفيرة د. نميرة نجم مدير المرصد الأفريقى للهجرة وخبيرة القانون الدولى والهجرة، إن المرصد الأفريقى للهجرة ومنظمة الهجرة العالمية وغيرهما سعوا حثيثًا لوضع المتضررين فى فكر المفاوضين فى مؤتمرات المناخ، وهو المسعى الذى نجح فى COP 27 وCOP 28 بإدخال الجانب الإنسانى ضمن مصارف مشاريع البيئة من صندوق الأضرار والخسائر.

إلا أنه، للأسف، تعهدت الدول فى COP 28 بملايين الدولارات، بينما فى ذات الوقت اعتمدت هذه الدول مليارات للإبادة الجماعية فى غزة.

وأضافت، هذا أمرٌ مؤسف ويستوجب ممارسة الضغط على الحكومات لمراجعة سياساتها حيال تغيّر المناخ، ومن جانبنا فى أفريقيا يتعيّن علينا النظر فى الدفع نحو تغيير السردية التى فُرضت علينا، والتى وجّهت مسار التفاوض حول قضايانا، لا سيما أن العالم قفز من الفحم والبترول إلى الكهرباء متجاوزًا الغاز الطبيعى، وهو أنظف بكثير منهما، ولم يُمنح حقه الزمنى كوسيلة نظيفة للطاقة.

بل جرى الزج بالكهرباء، على سبيل المثال فى قطاع السيارات، دون الالتفات إلى الأضرار البيئية الناجمة عن التعدين، وإنتاج البطاريات الكهربائية والتخلّص منها.

وتساءلت: هل تساءل أحد: لماذا؟ وأين تقع مصادر الغاز الطبيعى الكبرى؟ ومن المستفيد إذا جرى الاعتماد عليه؟ مؤكدة، أن أفريقيا أرض الموارد الطبيعية ومن هنا ينبغى على دول الجنوب وفى مقدمتها أفريقيا ألّا تستسلم لسرديات الشمال، خاصة وأن هذا الشمال ينسى أو يتناسى أن انبعاثات الطيران والملاحة البحرية تفوق بكثير مجمل ما تتسبب فيه القارة الأفريقية من انبعاثات.

وشددت السفيرة، على أنه يصبح لزامًا الإحاطة بالحقائق العلمية، المستندة إلى معاملنا وأبحاثنا، بما يدعم مواقفنا التفاوضية، ويمكّننا من تصحيح السرديات المجحفة بحقنا.

جاء ذلك فى كلمتها ضمن أعمال “المؤتمر الأفريقى لتوعية الدول بشأن الرأى الاستشارى لمحكمة العدل الدولية حول التزامات الدول فيما يتعلق بتغير المناخ”، الذى عقد فى نيروبى، ونظمته مؤسسات بحثية وأكاديمية أفريقية ودولية، فى مقدمتها مركز البحوث الزراعية والغابات الدولى (CIFOR-ICRAF) وجامعة كاباراك.

وخلال جلسة رفيعة المستوى، تناولت كيفية توظيف الرأى الاستشارى لمحكمة العدل الدولية فى السياقات الدولية والإقليمية، وباعتبارها واحدة من أبرز الخبرات القانونية الأفريقية فى ملفات القانون الدولى والحوكمة متعددة الأطراف، شددت السفيرة على أن الرأى الاستشارى الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول فى مواجهة تغير المناخ يمثل تطورًا نوعيًا فى القانون الدولى، لأنه يعيد تعريف طبيعة الالتزامات البيئية للدول باعتبارها التزامات قانونية وليست سياسية أو تفاوضية فقط، مؤكدة، أن هذا التطور يفتح الباب أمام إعادة بناء أدوات العدالة المناخية على أساس قانونى أكثر صرامة.

وأضافت، أن الدول الأفريقية التى تتحمل العبء الأكبر من آثار تغير المناخ رغم محدودية مساهمتها التاريخية فى الانبعاثات، مطالبة بتوظيف هذا التطور القانونى لتعزيز موقفها التفاوضى فى المحافل الدولية، خصوصًا فيما يتعلق بملفات التمويل المناخى والخسائر والأضرار.

وربطت خبيرة القانون الدولى بين هذه الرؤية وما طرحته سابقًا أثناء مرافعتها أمام محكمة العدل الدولية فى قضية المناخ، كرئيسة للوفد القانونى لدولة غانا، أكدت أن دعم التنمية الخضراء وتعويض الدول الأفريقية المتضررة من التغيرات المناخية ليس شفقة أو هبة، بل هو حق لها، مستندة إلى مبادئ العناية الواجبة ومنع الضرر العابر للحدود، وربط التغير المناخى بحقوق الإنسان الأساسية.

وأوضحت، أن أحد أهم أبعاد الرأى الاستشارى يتمثل فى تكريس مبدأ العناية الواجبة فى سلوك الدول، بما يعنى أن الإخلال بالالتزامات المناخية قد يترتب عليه قيام مسؤولية دولية فى حال ثبوت الضرر والسببية، وهو ما يشكل تحولًا مهمًا فى بنية القانون البيئى الدولى.

كما ربطت بين التغيرات المناخية وتداعياتها على الأمن والتنمية والهجرة، معتبرة أن الفصل بين هذه الملفات لم يعد ممكنًا فى ظل التشابك المتزايد بين الظواهر المناخية والتحركات السكانية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية فى القارة الأفريقية.

شارك فى المؤتمر عدد من أبرز القضاة والخبراء الدوليين من بينهم: القاضية بمحكمة العدل الدولية البروفيسورة فيبى أوكوا، القاضى عبد القوى يوسف رئيس محكمة العدل الدولية السابق، القاضى السابق فى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان السير تيم إيكى، ورئيس الجمعية الأوروبية للقانون الدولى البروفيسور غليدر هيرنانديز، إلى جانب البروفيسورة مالغوشيا فيتزموريس، وعدد من كبار مسؤولى برنامج الأمم المتحدة للبيئة وخبراء الاتحاد الأفريقى ومراكز بحثية دولية.

كما حضر ممثلون عن الحكومات الأفريقية، من بينهم مسؤولون من وزارة الخارجية الكينية ووزارة البيئة، إضافة إلى خبراء من الاتحاد الأفريقى وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) ومؤسسات أكاديمية وقانونية أفريقية.

ويُنظر إلى المؤتمر باعتباره منصة أفريقية متقدمة تهدف إلى تحويل الرأى الاستشارى لمحكمة العدل الدولية إلى أداة عملية فى صياغة السياسات العامة والتفاوض الدولى، من خلال توحيد الموقف الأفريقى بشأن العدالة المناخية وتعزيز استخدام القانون الدولى فى مواجهة التحديات البيئية العالمية، بما فى ذلك قضايا التمويل والتعويضات والتكيف مع آثار التغير المناخى.

يأتى هذا فى سياق اهتمام متزايد داخل القارة الأفريقية بإعادة توظيف أدوات القانون الدولى فى خدمة أولويات التنمية والعدالة المناخية، وهو ما انعكس فى مداخلات متعددة خلال المؤتمر أكدت على ضرورة الانتقال من الخطاب السياسى إلى البناء القانونى الملزم فى التعامل مع أزمة المناخ.

وفيما يتعلق بالسياق القضائى، صدر الرأى الاستشارى لمحكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول فيما يتعلق بتغير المناخ فى 23 يوليو 2025، حيث أكدت المحكمة وجود التزامات قانونية على عاتق الدول بموجب القانون الدولى لحماية النظام المناخى، وأقرت بمبدأ العناية الواجبة ومنع الضرر البيئى العابر للحدود، وربطت بين التزامات الدول فى هذا المجال وبين حقوق الإنسان الأساسية مثل الحق فى الحياة والصحة والبيئة السليمة، مع التشديد على مبدأ التعاون الدولى.

وتشير التحليلات القانونية إلى وجود تقاطع واضح بين الاتجاهات التى طرحتها المداخلات الأفريقية، وفى مقدمتها ما طرحته السفيرة نميرة نجم أثناء مرافعتها أمام محكمة العدل الدولية، وبين الاتجاه العام للرأى الاستشارى الصادر من المحكمة فى قضية المناخ، خصوصًا فيما يتعلق بتوسيع مفهوم المسؤولية الدولية، وربط المناخ بحقوق الإنسان، وتكريس الطبيعة القانونية الملزمة للالتزامات المناخية، رغم أن المحكمة لم تصل إلى حد فرض تعويضات مالية محددة بشكل مباشر، مكتفية بتثبيت الأساس القانونى للمسؤولية وإطار التعاون الدولى.

يُعد هذا التطابق النسبى فى البنية القانونية بين المرافعات الأفريقية والرأى النهائى للمحكمة مؤشرًا على تزايد تأثير الخطاب القانونى القادم من الجنوب العالمى فى تشكيل تطور القانون الدولى للمناخ، فى وقت تتجه فيه أفريقيا إلى تعزيز حضورها كفاعل قانونى، وليس مجرد طرف متأثر فى النظام المناخى العالمى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »