محمد الشنتناوي يكتب… *شهادة من الحرم المكي …حين يوحِّد القرآن قلوب المعتمرين وتذوب المذاهب في كلام الله*

في رحاب العمرة، لا ترى الناس بأسمائهم ولا بمذاهبهم، بل تراهم بقلوبهم وهي تتجه إلى الله وحده. هناك، عند البيت العتيق، تتساقط الحواجز التي صنعها الجدل الطويل، ويضمحلّ صخب الطوائف، ويقف الجميع في مشهد واحد لا يعلو فيه إلا نداء التلبية، ولا تحكمه إلا خشية الله، ولا يزنه إلا الصدق في التوجه إليه. وقد شاهدتُ بعيني أن المعتمر حين يطوف، لا يسأل من بجواره: إلى أي مذهب تنتمي؟ ولا من أي فرقة جئت؟ بل ينشغل كل امرئ بدمعته، ودعائه، وخطاه، ورجائه أن يقبل الله منه سعيه وقيامه وابتهاله.
ورأيتُ في هذا المشهد الإيماني حقيقةً أكبر من كل خلاف؛ رأيتُ أن الناس حين يقتربون من القرآن، يقتربون من بعضهم، وحين يخلصون لله، تتراجع بينهم أسباب التنازع. فالقرآن لا يفرّق بين عبد وعبد إلا بالتقوى، ولا يفتح أبواب النجاة إلا لمن صدق وأحسن وعمل صالحًا، ولذلك بدت العمرة في عيني مدرسةً عمليةً يعود فيها المسلم إلى الأصل النقي: ذكرٌ، وخشوعٌ، ورحمةٌ، وحياءٌ، وتسامحٌ، وكفٌّ للأذى، وصبرٌ على الزحام، وإيثارٌ للضعيف، ورفقٌ بالكبير، وابتسامةٌ في وجه الغريب. تلك أخلاق لا تحتاج إلى جدلٍ مذهبي، لأنها تنبع من هدي القرآن، وتتجلى في سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما جسّدها خلقًا ورحمةً وعدلًا.
لقد لمستُ بنفسي أن كثيرًا من المعتمرين، على اختلاف بيئاتهم وألسنتهم وموروثاتهم، يذوبون في هذه الرحلة في معنى الإسلام نفسه: الاستسلام لله، والتطهر من الكبر، والتخفف من قسوة النفس، والعودة إلى البساطة الأولى. كأنهم، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، يتركون وراءهم أثقال التراث المتنازع عليه، ويقبلون على كتاب الله بما فيه من يقين وهداية وسكينة. فلا أحد في الطواف يحتاج إلى رواية ترفعه فوق غيره، ولا إلى اصطلاح يميّزه، ولا إلى ميراث من الخصومات القديمة؛ لأن المقام نفسه يردّ الجميع إلى الحقيقة الكبرى: أن الله أقرب إلى عباده من كل تلك الحواجز، وأن القرآن أقدر على جمعهم من كل ما فرّقهم.
وفي هذا المعنى تتجلى السنة النبوية في صورتها الحية؛ لا بوصفها لافتة يرفعها فريق ضد فريق، بل بوصفها سلوكًا قرآنيًا يمشي على الأرض. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن دعوةً إلى الانقسام، بل كان دعوةً إلى الرحمة، ولم يكن عنوانًا للتعصب، بل كان ميزانًا للأخلاق، ولم يكن مبعوثًا ليقيم بين الناس جدرانًا من المرويات المتصارعة، بل ليخرجهم من الظلمات إلى النور. ومن رأى المعتمرين وهم يفسح بعضهم لبعض، ويعين بعضهم بعضًا، ويكفّ بعضهم الأذى عن بعض، أدرك أن السنة الحقة ليست في كثرة الادعاء، بل في حسن الاتباع، وأن الاتباع الحق لا ينفصل عن هدي القرآن أبدًا.
وهنا يبرز المعنى الحقيقي لدعوة المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي؛ فهي في جوهرها ليست دعوةً إلى خصومة جديدة، ولا إلى استبدال انقسام بانقسام، بل هي دعوة إلى تحرير علاقة المسلم بربه من أثقال ما راكمه البشر، وردّ الأمة إلى كتاب الله مرجعًا حاكمًا، وإلى فهم سنة الرسول من داخل الهدي القرآني نفسه؛ أي من داخل الرحمة والعدل والحرية والمسؤولية والتقوى. وحين ننظر إلى مشهد المعتمرين في هذا الصفاء الإيماني، نجد أن ما نراه على الأرض يصدق كثيرًا ما دعا إليه الشرفاء: أن الناس إذا عادوا إلى القرآن، خفّت بينهم أسباب التنازع، واقتربوا من جوهر الدين، وتقدمت فيهم أخلاق النبي على جدل الطوائف.
إنها شهادة لما رأيته رأى العين أكتبها لا من باب التنظير، بل من واقع مشهد رأيته وتأملته. رأيتُ معتمرين جاءوا من مشارب شتى، لكنهم في الحرم بدوا كأنهم أمة واحدة، جمعتهم القبلة، ووحدتهم التلبية، وصهرتهم رهبة المكان. هناك فهمتُ أن الإسلام حين يُعاش في صورته القرآنية الصافية، يملك أن يطهّر النفوس من التعصب، وأن يردّ الإنسان إلى فطرته المؤمنة البسيطة. وفهمتُ أيضًا أن الأمة لا تحتاج مزيدًا من الاستقطاب، بل تحتاج أن تستعيد هذا المشهد: مشهد القلوب وهي تتجه إلى الله بلا وسائط من الخصومة، ولا أثقال من المذهبية، ولا انشغال إلا بالإيمان والعمل الصالح.
فيا ليت الأمة تتعلم من المعتمرين ما يصنعه الصفاء حين ينتصر على الجدل، وما تصنعه الأخلاق حين تتقدم على الشعارات، وما يصنعه القرآن حين يعود مرجعًا حيًا في القلوب والسلوك. عندها فقط يمكن أن ندرك أن وحدة المسلمين ليست حلمًا بعيدًا، بل حقيقة ممكنة، تبدأ من لحظة صدق، ومن رجوع مخلص إلى كتاب الله، ومن اقتداء بالنبي في رحمته وتواضعه وعدله، لا في ما أُلصق بالدين من رواسب الفرقة والانقسام. تلك هي الشهادة التي خرجتُ بها: أن المعتمرين، وهم يطوفون ويسعون ويدعون، يعلنون بأفعالهم قبل كلماتهم أن الطريق الأقرب إلى الله هو الطريق الذي يبدأ من القرآن، ويهتدي بخلق النبي، ويترك للناس ما فرّقهم، ليأخذ بيدهم إلى ما يجمعهم.




