نميرة نجم: معيار نجاح التكامل الأفريقى ليس عدد الاتفاقيات بل ما تحققه من سياسات على الأرض

أكدت السفيرة د. نميرة نجم خبيرة القانون الدولى وحقوق الإنسان والهجرة ومدير المرصد الأفريقى للهجرة بمنظمة الاتحاد الأفريقى، أن مستقبل أفريقيا لا تحدده فقط الطموحات التى تطرحها القارة، وإنما قدرتها على امتلاك الأدوات التى تمكنها من تحويل هذه الطموحات إلى واقع، مشددة، على أن الاتفاقيات لا تغير حياة الناس بمجرد توقيعها، وأن النص القانونى يفتح الباب، لكن التنفيذ يحتاج إلى بنية تحتية وأسواق وأنظمة جمركية ومؤسسات قادرة على تحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة.
جاء ذلك خلال مشاركتها عبر تقنية الفيديو فى المائدة المستديرة رفيعة المستوى حول «أجندة أفريقيا 2063: التكامل الاقتصادى، والأمن المائى المستدام، والعدالة التعويضية»، التى نظمها المجلس الاقتصادى والاجتماعى والثقافى للاتحاد الأفريقى «ECOSOCC» بالقاهرة، بالتعاون مع مؤسسة ماعت ومؤسسة شركاء من أجل الشفافية، فى إطار أعمال الجمعية العمومية الرابعة للمجلس.
وقالت السفيرة: إن اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية تعيد تعريف مفهوم السوق الأفريقية، من خلال الانتقال من الأسواق الوطنية المنفصلة إلى فضاء اقتصادى أوسع، بما يعزز التجارة البينية الأفريقية ويساعد على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل القارة.
وأوضحت، أن معيار النجاح الحقيقى لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات التى أبرمتها أفريقيا، وإنما بعدد الحواجز التى أزيلت، والفرص التى خلقت، والقيمة التى استطاعت القارة الاحتفاظ بها داخل اقتصاداتها، مؤكدة، أن تحويل الاتفاقيات إلى نتائج يحتاج إلى طرق وموانئ وسكك حديدية وأنظمة جمركية فعالة.
وربطت السفيرة بين التكامل الاقتصادى وقضية الأمن المائى، موضحة، أن الأسواق لا تعمل فى فراغ، وأن التنمية تحتاج إلى موارد وبنية تحتية وبيئة مستقرة، فيما يمثل الماء أساسا للغذاء والصحة والزراعة والطاقة والاستقرار الاجتماعى.
وأشارت، إلى أن اختيار الاتحاد الأفريقى للمياه موضوعا قاريا فى عام 2026 يعكس أهمية الأمن المائى فى التنمية والأمن الغذائى والقدرة على مواجهة تغير المناخ، فى إطار رؤية أفريقيا للمياه 2063 والسياسات القارية للمياه.
وأكدت، أن الضغوط على الموارد المائية تؤثر بصورة مباشرة فى سبل العيش، ويمكن أن تزيد من عوامل الهجرة والنزوح، مشددة، على أن الأمن المائى ليس قضية فنية تخص وزارة بعينها، وإنما قضية تنمية وتعاون إقليمى وقانونى دولى.
وفى هذا السياق، أشارت إلى أهمية مبادئ القانون الدولى للمجارى المائية، وفى مقدمتها الاستخدام المنصف والمعقول للمياه وعدم التسبب فى ضرر ذى شأن، مؤكدة، فى الوقت نفسه أن القانون وحده لا يكفى، وأن المطلوب هو تحويل المعرفة إلى قرار، والبيانات إلى سياسات، والحوار بين الدول إلى مشروعات مشتركة.
وانتقلت السفيرة إلى قضية العدالة التعويضية، معتبرة، أن جزءا من التفاوت الحالى فى الموارد والفرص يرتبط بتراكمات تاريخية ومستمرة من الاستغلال والسيطرة، وأن العدالة التعويضية تتصل بآثار الماضى والحاضر على قدرة أفريقيا على بناء مستقبلها.
وأوضحت، أن جبر الضرر يمكن أن يشمل الاعتراف بالضرر، ورد الممتلكات، والتعويض، وإعادة التأهيل، وضمانات عدم التكرار، مؤكدة، أن قيمة العدالة الحقيقية تكمن فى قدرتها على تغيير المستقبل.
كما ربطت بين العدالة التعويضية والعدالة المناخية، من خلال التساؤل حول من يتحمل أعباء تغير المناخ ومن يمتلك الموارد اللازمة للتكيف معه، مشيرة، إلى قضايا تمويل المناخ والتكيف والخسائر والأضرار باعتبارها جزءا من النقاش حول عدالة توزيع الأعباء والموارد.
وشددت، على أن المعرفة تمثل شرطا للعدالة من خلال البحث والتوثيق والتحليل القانونى والتاريخى، ووجود مؤسسات قادرة على تحويل المعرفة إلى سياسات.
واقترحت السفيرة، إنشاء آلية متابعة محدودة تضم المجلس الاقتصادى والاجتماعى والثقافى للاتحاد الأفريقى والمجتمع المدنى والخبراء، على ألا يكون هدفها إنتاج وثيقة جديدة، وإنما اختيار أولويات محددة قابلة للتنفيذ خلال ستة أشهر، مع تحديد هدف واضح وشركاء وجدول زمنى ومؤشرات لقياس التقدم.
كما اقترحت، أن يكون من بين هذه الأولويات دراسة العلاقة بين التجارة والمياه والعدالة، ووضع إطار عملى ينظر إلى هذه الملفات باعتبارها عناصر مترابطة فى التنمية والاستقرار، بحيث تعود الأطراف بعد ستة أشهر لمراجعة ما تحقق، وما تعطل، وما يحتاج إلى دعم.
واختتمت السفيرة حديثها، بالتأكيد على ضرورة إعادة تعريف أجندة أفريقيا، بحيث يتحول السوق إلى قوة، والموارد إلى تنمية، والمعرفة إلى سياسة، والذاكرة إلى عدالة، والشراكة إلى تنفيذ، مؤكدة، أن أفريقيا ينبغى أن تشارك فى صياغة قواعد المستقبل، لا أن تظل مجرد موضوع لها.
وقالت: إن التاريخ علم القارة أن تغيير موقعها فى العالم لا يتحقق بمجرد طلب موقع جديد، وإنما حين تمتلك ما يجعل هذا الموقع ممكنا، مؤكدة، أن السؤال الذى ينبغى أن يبقى بعد اللقاء ليس ماذا قيل، وإنما ماذا سيفعل المشاركون غدا، لأن الكلمات قد تفتح الطريق، والاتفاقيات قد ترسمه، والقانون قد يحميه، لكن المستقبل لا تصنعه إلا الإرادة التى تتحول إلى فعل.
شهدت المائدة فى جلستها الافتتاحية مشاركة عدد من المسؤولين والخبراء والأكاديميين، من بينهم: السفير د. أحمد إيهاب جمال الدين -رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان فى مصر، أيمن عقيل -رئيس مؤسسة ماعت ونائب رئيس ECOSOCC لإقليم شمال أفريقيا، لويس سيسوكو -رئيس المجلس الاقتصادى والاجتماعى والثقافى للاتحاد الأفريقى، محمد هارون -نائب رئيس ECOSOCC لإقليم وسط أفريقيا، أمجد فتحى -رئيس قطاع المعلومات بالهيئة العامة للاستعلامات.
وناقشت المائدة ثلاثة محاور رئيسية هى: اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية والتكامل الاقتصادى ودور المجتمع المدنى فى المناصرة، والأمن المائى المستدام وإدارة الموارد المائية، والعدالة التعويضية واسترداد التراث الثقافى الأفريقى المنهوب ودور المجتمع المدنى المصرى فى دعم الأولويات القارية، بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين فى الاقتصاد والمياه والقانون والآثار والمجتمع المدنى.




