
قالت السفيرة د. نميرة نجم خبيرة القانون الدولى ومدير المرصد الأفريقى للهجرة إن القانون الدولى يحمى سيادة الدول كما يحمى المدنيين وليس من المعقول أن يتم ضرب أهداف مدنية تعليمية ومؤسسات طبية فى بداية حرب على بلد، كما يحدث فى العدوان الأمريكى – الإسرائيلى على إيران فذلك يمثل خرقا صارخا للقانون الدولى.
وأضافت، من الناحية القانونية الدولية يدخل ضرب القواعد الامريكية وأهداف لوجستية مرتبطة بالعملية العسكرية الأمريكية فى دول الخليج العربى ضمن إطار شرعية مبدأ “حق الدفاع النفس”.
وقالت السفيرة: إن هذا الحق لا يشمل ضرب أهداف مدنية واقتصادية داخل هذه الدول التى لا تشكل تهديدا مباشرا لإيران ولا تدخل مباشرة فى العمليات العسكرية التى تقوم بها القوات الأمريكية فى دول الخليج، ولكن من الناحية السياسية يتضامن العالم العربى فى رفض الاعتداء على هذه الدول وتهديد مصالحها الاقتصادية.
وأشارت، إلى الرأى الاستشارى لمحكمة العدل الدولية الخاص ببناء الجدار العازل لعام 2004 والذى كرس مفهوم العمل بقوانين حقوق الإنسان فى أوقات النزاعات المسلحة جنبا إلى جنب مع القانون الدولى الإنسانى.
وأضافت السفيرة، أصبحنا بعيدون عن الحق فى الحياة وهو أحد الحقوق الأولية المتعارف عليها فى القوانين الدولية لحقوق الإنسان، موضحة، أن التقليل من البشر أو نزع الصفة الآدمية عنهم أصبح ذريعة تستخدم ضد البشر لإيجاد مبرر لخرق الالتزام بالمحافظة على الحياة.
جاء ذلك فى محاضرتها بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية حول حقوق الإنسان والقانون الدولى الإنسانى بلندن.
وأشارت، إلى أن الحق فى البيئة النظيفة الذى يتم تجاهله بشكل كبير فى أوقات النزاعات المسلحة نظرا لأن عدد كبير من دول العالم خاصة منتجين الأسلحة الكبار لا يريدون قيودا على استخدام أنواع الأسلحة التى يمكن أن تدمر البيئة بشكل كبير، ونوهت إلى الرأى الاستشارى لمحكمة العدل الدولية الخاص بالأسلحة النووية الذى اعتمد بشكل كبير على الآثار البيئية المترتبة على استخدام السلاح النووى.
وعن الرأى الاستشارى الخاص الصادر من محكمة العدل الدولية بعدم مشروعية الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية، أكدت السفيرة أن هذه هى المرة الأولى فى التاريخ الذى تعلن فى محكمة دولية بأن احتلال ما أصبح غير مشروعا، وأنه من الأهمية الإطلاع على تفاصيل هذا الرأى لما فيه من مزج بين قوانين الحرب والقانون الدولى الإنسانى وقوانين حقوق الإنسان، خاصة والنزوح القسرى والتفرقة العنصرية وغيرها من مبادئ القانون الذى رسختها المحكمة.
وفى محاضراتها تحت عنوان “بقاء القانون الدولى فى نظام عالمى متغير” بدعوة من جامعة دورهام، شددت السفيرة على أهمية عمل المرصد الأفريقى للهجرة فيما يتعلق بالوقوف على حقيقة الهجرة الأفريقية، موضحة، أن التغيرات الديمغرافية فى بلدان كثيرة لا يمكن وقفها بسبب الاحتياج لشباب يعملون فى كافة متاح الحياة.
وأكدت السفيرة، أن العالم يتغير وعلينا ترقب هذه المتغيرات بشكل يصب فى مصالحنا كدول إفريقية عانت كثيرا من جراء المعايير المزدوجة للمجتمع الدولى.
وعن التطورات الأخيرة فى العالم ومنطقة الشرق الأوسط، أكدت على أهمية التعمق فى تحليل ما يحدث ليس فقط فى إطار الهجرة واللجوء والنزوح ولكن أيضًا فيما يخص القانون الدولى ومستقبله.
وأضافت، أن شرعنة قتل المدنيين عبر اللغة ونزع الإنسانية عن المدنيين، وتطبيع قتلهم، وتقليل القيمة القانونية والأخلاقية لحياتهم فى سياق النزاع المسلحة الجارية فى العالم وهذه الاتجاه يُعرف بـ “تطبيع الأذى اللاحق بالمدنيين”(Normalization of Civilian Harm) حيث يجرى التعامل مع سقوط الضحايا المدنيين باعتباره أمراً معتاداً أو “ضرراً جانبياً”، وهو ما يخفّف لغوياً من وطأة آلة ووسائل قتل المدنيين ويحوّل الضحايا إلى أرقام أو نتائج عرضية للعمليات العسكرية.
وهذا النمط من الخطاب قد يؤدى إلى نزع الإنسانية عن المدنيين (Dehumanization of Civilians in Armed Conflict) وتقليل القيمة الأخلاقية والقانونية لحياتهم، والتدرج الهرمى لقيمة البشر (Hierarchization of Human Worth) والذى يعنى أن بعض الأرواح تُعتبر “أكثر استحقاقاً للحماية”، وأخرى أقل أهمية وهذا يناقض مبدأ المساواة الإنسانية الذى يقوم عليه القانون الدولى برمّته خصوصاً عندما تُبرَّر الخسائر البشرية باعتبارها “ضرورية” أو “مقبولة” ضمن حسابات التناسب العسكرى ومثل هذه اللغة تُسهم فى تسليع الموت البشرى وتحويله إلى مجرد “تكلفة” فى المعادلة العسكرية وهو ما يحدث فى فلسطين وفى الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، علاوة على ما يحدث فى السودان فى إطار الحرب الأهلية، الأمر الذى يقوّض المبادئ الأساسية للقانون الدولى الإنسانى القائمة على حماية المدنيين واحترام كرامتهم أثناء النزاعات المسلحة.
وهو ما دفع أنطونيو غوتيريش سكرتير عام الأمم المتحدة إلى أن يقول صراحة إن حقوق الإنسان تتراجع عالمياً، وذلك فى خطاب رسمى أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الشهر الماضى فى جنيف قائلًا: إن حقوق الإنسان تتعرض لهجوم شامل حول العالم، ويتم تقليص حقوق الإنسان بشكل متعمد واستراتيجى وأحياناً مع التباهى بذلك، وأن سيادة القانون يتم إزاحتها بسيادة القوة.
وقالت السفيرة: هناك مسؤولين وسياسيين فى الولايات المتحدة وحتى بعض شخصيات رأى داخل إسرائيل وخارجها وصفوا أو اعتبروا الحرب الحالية على إيران بأنها “بدون قواعد واضحة” أو غير قانونية أو أنها تفتقر إلى أساس دستورى قانونى وشرعى، وهناك محللون أمريكيون وفى بريطانيا وكتّاب رأى فى صحف كبرى وصفوا الهجوم بأنها “حرب اختيارية” (war of choice) والحرب على إيران بأنها غير قانونية بموجب ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولى لأنها لم تستند إلى تهديد فورى أو تفويض من مجلس الأمن بل بعض الشخصيات السياسية والنقاد داخل إسرائيل أو فى الصحافة الإسرائيلية وأوساط المعارضة يرون أن القرار بالتورّط فى الحرب بعيد عن منظومة القواعد القانونية الدولية أو أنه “حرب غير مبررة”، خاصة فى ظل غياب تفويض دولى أو تهديد وشيك.
وعن الذكاء الصناعى، حذرت السفيرة من استمرار التطور التكنولوجى السريع بدون قواعد قانونية تحكمه وكشفت الحدود الغير منظمة قانونيا فى الذكاء الاصطناعى ومدى انتهاكها لمعايير حقوق الإنسان الدولية، مشيرة، إلى أنه قد يخرج عن سيطرة الإنسان إذا استمر البشر فى جعل الذكاء الاصطناعى يغير من نفسه خاصة فى استخدام الأسلحة وقت الحروب وإمكانية التحول إلى التحكم فى مشاعر الإنسان وقراءة ما يدور فى ذهنه، وهو أمر غاية فى الخطورة لا يتنبه لها البعض، مؤكدة، أن الهدف من التطور التكنولوجى هو تحسين حياة البشر وليس تهديده.
وأشارت، إلى أن البث المباشر للانتهاكات المرتكبة فى غزة من قبل الاحتلال الإسرائيلى وتسليم إسرائيل لمعتقلين فلسطينيين عليها آثار تعذيب متنوعة ومختلفة وسرقة أعضاء بشرية وإعدام خارج نطاق القانون تؤكد أن الجانى يدرك أنه لديه حصانة وضمان من الإفلات من العقاب والمساءلة وهو ما يجعل انهيار قيم الحضارة الحديثة على المحك، موضحة، التغيرات الديمغرافية والمعايير المزدوجة فى تطبيق القانون الدولى.
كما ركزت السفيرة فى محاضرتها، على أساليب الاستعمار الجديد فى أفريقيا، مؤكدة، على ضرورة بقاء القانون الدولى ليس نظرياً فقط بل كأداة وشريان حياة للمضطهدين.
قدمت محاضرة السفيرة بجامعة دورهام د. دنيس شميدت الأستاذ مساعد فى العلاقات الدولية بكلية الحكومة والشؤون الدولية ضمن سلسلة محاضرات بعنوان “السياسة فى الممارسة” بجامعة دورهام بإنجلترا، وقدمت محاضرة السفيرة نميرة نجم بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية البروفيسورة تيودورا كريستو بجامعة لندن.