
فى إطار الدعوات المتزايدة لربط قضايا المناخ بالتنمية والتعليم، دعت السفيرة نميرة نجم مدير المرصد الإفريقى للهجرة، إلى ضرورة إدماج قضايا التغيرات المناخية فى المناهج التعليمية بالمدارس والجامعات، مؤكدة، أن بناء وعى الأجيال الجديدة يمثل المدخل الأول لمواجهة التحديات المناخية المتصاعدة فى القارة الإفريقية، وذلك خلال مشاركتها فى مؤتمر الهجرة والعمل المناخى فى غرب ووسط إفريقيا: من الالتزام السياسى إلى الاستثمار فى الحراك المناخى، الذى نظمته المنظمة الدولية للهجرة بالتعاون مع شركاء حكوميين وإقليميين فى لاجوس.
وأضافت السفيرة خلال مشاركتها فى جلسة بعنوان «السياسات والبيانات: حوكمة الحراك المناخى فى غرب ووسط إفريقيا»، أن التعليم المناخى لا ينبغى أن يقتصر على التوعية النظرية، بل يجب أن يمتد إلى تمكين الأطفال والشباب من استخدام أدوات التحليل الحديثة، بما فى ذلك الذكاء الاصطناعى، لإنتاج أفكار وحلول مبتكرة تسهم فى مواجهة آثار التغير المناخى وإدارة مخاطره المستقبلية.
وأكدت، أن الاستثمار فى الوعى والمعرفة يمثل خط الدفاع الأول أمام الكوارث المناخية، معتبرة أن إعداد جيل قادر على فهم وتحليل البيانات المناخية أصبح ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن الاستثمار فى البنية التحتية.
وركزت السفيرة على ملف التمويل العالمى، مشيرة، إلى أن تجربة تفعيل صندوق الخسائر والأضرار خلال مؤتمر الأطراف COP 28 كشفت عن محدودية التعهدات المالية مقارنة بحجم الإنفاق العالمى خلال الفترة نفسها على النزاعات المسلحة، بما فى ذلك ما وصفته بالإنفاق الضخم على الحروب وما ينتج عنها من ضحايا.
وأشارت، إلى أن أكثر من 17 ألف طفل قتلتهم إسرائيل متعمدة فى غزة بتمويل أمريكى وأوروبى مفتوح لارتكاب جرائم إبادة جماعية، معتبرة، أن هذه المفارقة تعكس خللًا واضحًا فى الضمير وأولويات النظام المالى العالمى بين تمويل التنمية وتمويل وتشجيع قتل المدنيين والأطفال والنساء فى النزاعات المسلحة.
وأوضحت السفيرة، أن قضية جمع البيانات تمثل أحد أبرز التحديات التى تواجه القارة الإفريقية، مؤكدة، أهمية الانتقال من مجرد جمع الأرقام إلى تحليلها وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام، بما يتيح تحويل المخاطر إلى فرص اقتصادية وتنموية حقيقية.
كما أشارت، إلى أن كل دولار يتم إنفاقه اليوم فى إجراءات التحسب من التغيرات المناخية ومخاطرها يوفر أضعافه مقارنة بالمبالغ الضخمة التى تُنفق لاحقًا لمعالجة الخسائر الناتجة عن الكوارث المناخية.
ونبهت السفيرة، إلى أن القارة تمتلك بالفعل كماً كبيراً من البيانات المتاحة إلا أن التحدى الحقيقى يكمن فى التحقق من مصداقيتها وجمعها بصورة دورية ومنهجية للاستفادة منها بشكل فعّال، خاصة فيما يتعلق بالتخطيط لمخاطر التغيرات المناخية وما يرتبط بها من بيانات حول حركة البشر الناتجة عن تغير المناخ.
وحذرت، من أن ارتفاع تكلفة الأجهزة المتقدمة القادرة على تقديم توقعات مناخية دقيقة وواقعية لفترات زمنية طويلة قد تصل إلى عام كامل يمثل عائقًا أمام العديد من الدول الإفريقية، الأمر الذى يستدعى تعزيز التعاون الإقليمى داخل القارة، بحيث تتشارك التجمعات الإقليمية فى توفير هذه الأجهزة واستخدامها، بما يساعد الحكومات على التخطيط المسبق لحماية السكان وإدارة التحركات السكانية الداخلية بكفاءة أكبر.
وأضافت السفيرة، أن القارة الإفريقية تواجه ظاهرة متصاعدة تتمثل فى تزايد الحراك السكانى نحو المدن، وهو ما قد يترتب عليه مخاطر كبيرة، من أبرزها تهديد الأمن الغذائى فى القارة.
وأكدت، ضرورة العمل على معالجة الأسباب الجذرية بدلًا من تشجيع هذا النمط من الهجرة، عبر إيجاد حلول تضمن مواءمة المناطق الزراعية والحفاظ على صلاحيتها للزراعة، بدلاً من تركها والتخلى عنها.
وأشارت السفيرة، إلى أهمية ترشيد الموارد المحدودة عبر تجنب إنشاء أجهزة ومؤسسات جديدة تؤدى وظائف مكررة لأجهزة قائمة بالفعل، مؤكدة، أن هذا النهج يمثل ضرورة ملحة لتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع وتعزيز كفاءة العمل المؤسسى داخل القارة الإفريقية.
كما أوضحت، أن دول القارة الإفريقية تواجه احتياجات ملحة فى مقدمتها دعم بناء القدرات فى استخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة الخاصة بجمع البيانات وتحليلها، إلى جانب توفير الأجهزة اللازمة لتطبيق هذه التقنيات.
وشددت، على أهمية الاستثمار فى التعليم وتدريب الأجيال الجديدة على أدوات جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالهجرة المناخية، مع ضرورة عدم خلطها بأسباب أخرى للحراك البشرى، مثل النزاعات المسلحة أو الفقر، رغم أن التغيرات المناخية تعد فى حد ذاتها أحد مسببات الفقر.
وركزت كذلك، على أهمية تحويل المشكلات الاجتماعية الناتجة عن التغيرات المناخية وما يتم جمعه من بيانات بشأنها، إلى مقترحات ومشروعات قابلة للتنفيذ والتقييم المالى بما يسمح بطرحها كبرامج تمويل يمكن تقديمها إلى صناديق الخسائر والأضرار وغيرها من آليات تمويل مشروعات التكيف مع التغيرات المناخية التى تمس حياة البشر بصورة مباشرة.
وأضافت، أن تعزيز التعاون بين دول الجنوب (South-South Cooperation) يمثل إطارًا عمليًا لتبادل الخبرات والحلول منخفضة التكلفة، مشيرة، إلى أن العديد من المشاريع المحلية يمكن تطويرها لتصبح حلولًا إقليمية قابلة للتوسع على مستوى القارة الإفريقية.
واختتمت السفيرة رؤيتها، بالتأكيد على أن مستقبل إفريقيا فى مواجهة التغيرات المناخية يعتمد على القدرة على ربط البيانات بالسياسات وربط السياسات بالتمويل، بما يضمن بناء منظومة متكاملة قادرة على تحويل التحديات المناخية إلى فرص تنموية مستدامة.
أدارت الجلسة، د. رانيا شرشر مدير قسم العمل المناخى فى المنظمة الدولية للهجرة، وشارك فيها د. أنطوى بواسايكو رئيس مجموعة المفاوضين الأفارقة فى مفاوضات المناخ الدولية، وكواديو كواكو مدير مكتب وزير البيئة والتحول الإيكولوجى فى كوت ديفوار، نائبة وزير البيئة والتغير المناخى فى سيراليون ييبا ميمى سوبا، إلى جانب كابا سيرا.
وشهد افتتاح المؤتمر مشاركة الأمين الدائم لوزارة البيئة النيجيرية سالحو عثمان، وسيلفيا إكرا المدير الإقليمى للمنظمة الدولية للهجرة لغرب ووسط إفريقيا، إلى جانب مشاركات لرؤساء مفوضيتى الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» والجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا.
كما تحدث خلال جلسات المؤتمر كل من وزيرة البيئة والتنمية المستدامة فى موريتانيا مسعودة بنت بحام، رئيس قسم تغير المناخ والنمو الأخضر فى بنك التنمية الإفريقى د. أرونا سومارى، كبير مفاوضى أقل البلدان نموًا والمجموعة الإفريقية مامدو هوناديا، إلى جانب سيلفيا إكرا.
شهد المؤتمر توقيع وزيرة البيئة الموريتانية ومدير مكتب وزير البيئة بكوت ديفوار على إعلان كمبالا للحركات المناخية.
تأتى أعمال المؤتمر فى لاجوس ضمن جهود إقليمية متصاعدة لتعزيز الربط بين سياسات المناخ والهجرة والتنمية، فى ظل تحذيرات دولية من أن العقود المقبلة قد تشهد توسعًا كبيرًا فى أنماط الحراك البشرى المرتبط بالمناخ داخل القارة الإفريقية، خاصة فى المناطق الساحلية والريفية الهشة التى تعتمد على الزراعة وصيد الأسماك والرعى كمصادر رئيسية للدخل.
كما تتزايد حدة الظواهر المناخية المتطرفة مثل الفيضانات والجفاف وارتفاع مستوى سطح البحر، بما يفرض ضغوطًا متنامية على المدن والبنية التحتية والخدمات الأساسية، ويعيد تشكيل خريطة الاستقرار السكانى فى عدد من دول غرب ووسط إفريقيا.
هدف المؤتمر، إلى ربط الالتزامات السياسية المتعلقة بالمناخ والهجرة ببرامج استثمار وتمويل قابلة للتنفيذ، وسط تقديرات دولية تشير إلى أن غرب إفريقيا قد تشهد ما يصل إلى 32 مليون مهاجر داخلى بسبب المناخ بحلول عام 2050.
شارك فى المؤتمر نحو 80 مسؤولًا وخبيرًا وممثلًا عن الحكومات والتجمعات الاقتصادية الإقليمية وصناديق المناخ وبنوك التنمية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدنى، فى محاولة لصياغة «خارطة طريق إقليمية» بشأن الهجرة المناخية قبل الاجتماعات الدولية المقبلة للمناخ، وخاصة SB64 وCOP 31.