نميرة نجم: الفساد يهدد استقلالية المنظمات الدولية

 

قالت السفيرة د. نميرة نجم خبيرة القانون الدولى، إن التدخلات المباشرة من الدول الأعضاء فى قرارات التوظيف داخل المنظمات الدولية تشكّل أحد أبرز التحديات التى تهدد استقلالية وحياد هذه المؤسسات، ولضمان أن تكون عمليات التوظيف فى هذه المنظمات قائمة على الجدارة والاستقلالية، فإن ذلك يتطلب إصلاحات جوهرية، منها تعزيز دور الرؤساء بعيدًا عن المكافآت السياسية، وتقليل التدخل البشرى فى مراحل الفرز الأولى للوظائف الدولية، وتجنّب تكتّل موظفى الموارد البشرية من الجنسية نفسها، إضافة إلى الالتزام الصارم بقواعد المنظمات من قبل لجان التوظيف، وعدم السماح لموظفى الموارد البشرية بالتأثير على قراراتهم.

جاء ذلك أثناء حديثها فى جلسة «قرارات التوظيف، الولاءات الوطنية والفساد» بورشة الخبراء الدولية تحت عنوان «الاستحواذ المؤسسى على المنظمات الدولية»، التى استضافتها جامعة باريس لودرون فى سالزبورج بالنمسا.

وشددت السفيرة من واقع خبرتها الطويلة فى العمل المؤسسى الدولى والأفريقى، على أهمية تطوير أنظمة التدقيق الداخلى والخارجى فى المؤسسات الدولية، ومراجعتها بشكل دورى لضمان الحيادية والشفافية، مشيرة، إلى أن بعض الدول تحاول تفضيل مواطنيها فى المناصب العليا بهذه المنظمات، وأحيانًا تتدخل خلف الكواليس لضمان ترقيتهم أو بقاء موظفين غير كفؤين فى مواقع حساسة.

وأضافت، فى كثير من الأحيان يُفترض أن موظف المنظمات الدولية مخلص لبلده وأحيانًا يكون مخلصًا أيضًا للدولة التى تدعمه ماليًا وهذا يخلق صعوبة كبيرة فى الحفاظ على الحيادية.

كما أكدت، أن التدخلات السياسية يمكن أن تؤثر على محتوى التقارير الرسمية للمنظمات حيث يتم إرسال نسخ مبكرة إلى أعضاء مجلس الأمن فى منظمة الأمم المتحدة قبل إصدارها رسميًا، مما يتيح للدول تعديل محتواها بما يتوافق مع مصالحها.

وفى هذا السياق، يعتمد الأمر على مدى تأثير الدول فى فرض إرادتها منذ البداية وإلى أى حد تمكّنت من التغلغل فى النظام من خلال موظفيها أو التكنولوجيا.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن مكافحة الفساد فى المنظمات الدولية تتطلب تطوير أنظمة التدقيق، واستخدام مجالس مدققين خارجيين تتغير بشكل دورى، ومراجعة صارمة لعمل المدققين الداخليين، مع تغييرات منتظمة لهم لضمان الحيادية والشفافية.

تناولت جلسات الورشة، سبل تأثير الدول الأعضاء والجهات الفاعلة المختلفة على عمل المنظمات الدولية، بما فى ذلك الضغوط المالية، والمساهمات المقيّدة، إضافة إلى آليات الرقابة والمساءلة، وسبل بناء المرونة القانونية داخل المنظمات الدولية، إلى جانب استعراض الأدوات القانونية المتاحة لحماية استقلال المنظمات الدولية وتعزيز قدرتها على أداء ولاياتها وفق قواعد القانون الدولى.

هدفت الورشة، إلى تحليل الأبعاد القانونية والمؤسسية لهذه الظاهرة مع تركيز خاص على دور أمانات المنظمات الدولية، وبحث سبل تعزيز استقلاليتها وفعاليتها، وتطوير استجابات قانونية ومؤسسية قائمة، وحلول مستقبلية (de lege lata وlex ferenda).

وناقشت الورشة فى ذلك أربعة محاور رئيسية:

المحور الأول، مفاهيم الاستقلالية والحياد والولاية القانونية للمنظمات الدولية والأسس النظرية لفهم الاستحواذ المؤسسى.

المحور الثانى، أثر المساهمات المالية المقيّدة وتخفيضات الميزانيات والعقوبات على استقلال القرار داخل المنظمات الدولية.

المحور الثالث، يركّز على قرارات التوظيف والولاءات للدول الأصلية ومخاطر الفساد وانعكاسها على الاستقلال الوظيفى.

المحور الرابع، بحث آليات الرقابة الداخلية والدولية وسبل تعزيز المساءلة وبناء المرونة القانونية فى مواجهة الاستحواذ المؤسسى.

شارك فى الورشة، عدد من الخبراء والأكاديميين الدوليين من بينهم: كيرستن شمالنباخ (ألمانيا، جامعة سالزبورج)، كاثرين برولمان (هولندا، جامعة أمستردام)، ليزبث تسيمرمان (ألمانيا، جامعة غوته – فرانكفورت)، منى على (الولايات المتحدة، مسؤولة سابقة بالأمم المتحدة)، كريستينا دوجيرداس (الولايات المتحدة، جامعة ميشيغان)، برنهارد راينسبيرغ (المملكة المتحدة، جامعة غلاسكو)، أنتونيا بيريرا دى سوزا – مسؤولة دولية (البرتغال/هولندا، المحكمة الجنائية الدولية)، فيليب بيتنر (النمسا، وزارة الشؤون الأوروبية والدولية)، كريستيانه أهلبرون (أيرلندا، كلية ترينيتى – دبلن)، أندرياس دور (النمسا، جامعة سالزبورغ)، رامسيس أ. فيسل (هولندا، جامعة غرونينغن)، دينيس شميت (المملكة المتحدة، جامعة دورهام)، وتسيون ديميسى بيرجانو (إثيوبيا، الاتحاد الأفريقى).

نُظِّمت الورشة من قبل جامعة سالزبورج – قسم القانون الدولى العام والقانون الأوروبى وأسس القانون، فى إطار مشروع بحثى أكاديمى ممول من صندوق العلوم النمساوى (FWF)، وهدفت إلى بحث التحديات القانونية والمؤسسية التى تواجه المنظمات الدولية نتيجة الضغوط السياسية والمالية والإدارية، وانعكاس ذلك على استقلاليتها وحيادها وقدرتها على تنفيذ ولاياتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »