مسعود بارزانى مرجع وطنى

 

أكد مسئول الحزب الديمقراطى الكردستانى بالقاهرة شيركو حبيب فى مقال له، أن أحاديث ونقاشات بدأت خلال الفترة الأخيرة حول ما إذا كان الرئيس مسعود بارزانى يُعد مرجعاً أم لا، وهناك من يقول إن السياسة لا تعرف مفهوم «المرجع» بالمعنى المتداول فى مجالات أخرى، لكن قبل أن نتحدث عن الرئيس مسعود بارزانى بوصفه زعيماً أو قائداً أو مرجعاً، علينا أولاً أن نتوقف عند معنى كلمة «المرجع».

فليست كل شخصية سياسية ناجحة تتحول بالضرورة إلى مرجع، وليس كل من يشغل منصباً كبيراً يصبح تلقائياً مرجعاً لشعب أو أمة.

المرجع فى معناه العام هو الشخص الذى نعود إليه لما يمتلكه من معرفة وتجربة ومكانة وثقة، وفى السياسة، يصبح المرجع شخصية لها تجربة طويلة وتأثير يتجاوز حدود المنصب والحزب، ويكون لها حضور فى فهم القضايا الوطنية والمصيرية.

ومن هنا يأتى السؤال الأهم: متى يمكن أن نقول عن شخص إنه أصبح مرجعاً لشعب أو لأمة؟

فى رأيى، لا تكفى الشهرة ولا المنصب ولا قيادة حزب، فالمرجعية تُبنى عبر سنوات طويلة من التجربة، والمواقف فى اللحظات الصعبة، والقدرة على الاستمرار، والثقة التى يكتسبها الشخص لدى قطاعات واسعة من أبناء شعبه، إضافة إلى الإرث الذى يتركه وراءه.

التمييز بين القائد والمرجع

القائد يقود مرحلة أو مؤسسة أو حزباً، أما المرجع الوطنى فتتجاوز مكانته حدود الموقع الذى يشغله، وتصبح مرتبطة بتجربته وتاريخه ومواقفه، بحيث يبقى تأثيره قائماً حتى عندما يتغير المنصب أو تتغير الظروف السياسية.

ومن هنا يمكن طرح السؤال بصورة أكثر وضوحاً: هل تجاوز الرئيس مسعود بارزانى موقعه كقائد للحزب الديمقراطى الكردستانى، وأصبح أحد أبرز المرجعيات الوطنية فى القضية الكردية؟

أعتقد أن الإجابة تحتاج إلى قراءة التاريخ، لا إلى المديح السياسى.

من الثورة إلى القيادة

الرئيس مسعود بارزانى لم يبدأ حياته السياسية من مكتب رسمى، بل من قلب الحركة الكردية، التحق بثورة أيلول فى سن مبكرة، وعاش مراحلها السياسية والعسكرية، وشارك فى مفاوضات عام 1970، ثم كان من الشخصيات التى ساهمت فى إعادة تنظيم الحركة الكردية بعد نكسة ثورة أيلول عام 1975.

عام 1979 أصبح بارزانى رئيساً للحزب الديمقراطى الكردستانى، ومنذ ذلك الوقت ارتبط اسمه بمراحل متعاقبة من تاريخ الحركة السياسية الكردية، وهنا تبدأ المسألة فى تجاوز مفهوم القيادة الحزبية، فالشخصية التى ترافق قضية شعبها عبر عقود وأجيال لا تبقى مجرد شخصية حزبية، بل تصبح جزءاً من تاريخ القضية نفسها.

1991 من قيادة الحزب إلى قيادة مرحلة

كانت انتفاضة عام 1991 واحدة من أهم التحولات فى التاريخ السياسى الكردى الحديث، فبعد الانتفاضة دخل الكرد مرحلة جديدة، لم يعد الهدف فيها مواجهة النظام السابق فقط، وإنما بناء مؤسسات سياسية وإدارية تمثل إرادة المجتمع الكردى، وعام 1992 جرت انتخابات برلمان كردستان، وبدأت مرحلة بناء المؤسسات السياسية فى الإقليم.

وهنا تظهر نقطة مهمة فى مفهوم المرجعية.

القائد الحزبى يهتم بصورة أساسية بقوة حزبه وموقعه السياسى، أما المرجع الوطنى فينظر إلى كيفية تحويل التضحيات السياسية والعسكرية إلى مؤسسات وحقوق ومكاسب لشعبه، ومن هذه الزاوية، بدأ اسم الرئيس مسعود بارزانى يرتبط بمشروع سياسى يتجاوز الحزب الديمقراطى الكردستانى إلى قضية أوسع تتعلق بمستقبل كردستان ومكانتها السياسية.

بعد 2003 من قائد كردى إلى رجل دولة

عقب سقوط نظام صدام حسين عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة، ووجدت القيادة الكردية نفسها أمام سؤال مختلف، كيف تتحول التضحيات والمكاسب التى تحققت خلال عقود من النضال إلى حقوق دستورية ومؤسسات سياسية داخل العراق الجديد؟

كان الرئيس مسعود بارزانى من الشخصيات الكردية الأساسية فى هذه المرحلة، وشارك فى العملية السياسية العراقية، ثم أصبح رئيساً لإقليم كردستان عام 2005، وهنا حدث تحول مهم فى موقعه السياسى، فلم يعد يتحدث من موقع رئيس حزب فقط، بل أصبح رئيساً لإقليم يتمتع بمؤسسات سياسية ودستورية، وأصبح حضوره مرتبطاً بموقع كردستان داخل العراق وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وهذا التحول من قائد حزبى إلى رجل دولة كان واحداً من العوامل التى ساهمت فى تكوين مكانته الوطنية.

2014 اختبار آخر للقيادة

ثم جاءت مرحلة تنظيم داعش، وكانت من أصعب المراحل التى واجهها إقليم كردستان، تعرض الإقليم لهجوم واسع، ودخلت قوات البيشمركة فى مواجهة مباشرة مع التنظيم، وأصبحت القيادة السياسية والعسكرية أمام اختبار جديد.

فى تلك المرحلة ظهر الرئيس مسعود بارزانى فى صورة مختلفة عن السياسى الذى يخوض المفاوضات فقط، أصبح مرتبطاً بمرحلة الحرب والدفاع عن كردستان، وفى الوقت نفسه تحولت القضية الكردية إلى واحدة من القضايا التى حظيت باهتمام دولى واسع بسبب دور البيشمركة فى الحرب ضد داعش، وهنا تظهر إحدى خصائص المرجعية السياسية: أن يكون للشخص تأثير فى الداخل، وقدرة على مخاطبة الخارج فى الوقت نفسه.

2017 الاختبار الأكبر

إذا كانت المراحل السابقة أسهمت فى بناء مكانة الرئيس مسعود بارزانى، فإن عام 2017 وضع هذه المكانة أمام واحد من أصعب الاختبارات، ففى 25 أيلول 2017 جرى الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان، وحصل على تأييد واسع من المشاركين، لكن الاستفتاء دخل بعد ذلك فى مواجهة سياسية وعسكرية كبيرة مع بغداد، وانتهت الأحداث بسيطرة القوات العراقية على كركوك وعدد من المناطق المتنازع عليها.

اختلاف القراءات السياسية

هناك من يرى أن الاستفتاء كان تعبيراً عن إرادة تاريخية لدى الشعب الكردى فى تقرير مصيره، وهناك من يرى أن توقيت الاستفتاء لم يكن مناسباً، وأن القيادة الكردية لم تقدّر بصورة صحيحة حجم المواقف الإقليمية والدولية.

ومهما اختلفت القراءات فإن حقيقة واحدة تبقى واضحة:

أصبح استفتاء 2017 جزءاً من التاريخ السياسى الكردى الحديث، وأصبح اسم الرئيس مسعود بارزانى مرتبطاً به بصورة مباشرة وهذه أيضًا من علامات الشخصية التاريخية، أن ترتبط بها قرارات وأحداث تبقى حاضرة فى ذاكرة شعبها، حتى لو اختلف الناس فى تقييمها.

المرجعية لا تعنى الإجماع ولا العصمة

وهنا يجب أن نكون دقيقين، فلا يمكن القول بأن الرئيس مسعود بارزانى يمثل جميع الكرد سياسياً، لأن المجتمع الكردى مثل أى مجتمع سياسى يضم أحزاباً وتيارات ورؤى مختلفة، لكن هذا لا ينفى أن له مكانة وطنية كردية تتجاوز الإطار الحزبى، وأن قطاعات واسعة تنظر إليه باعتباره امتداداً لتاريخ البارزانى والحركة القومية الكردية، وهنا يجب التفريق بين المرجع السياسى والمرجع الوطنى والمرجع التاريخى، المرجع السياسى هو صاحب الخبرة والتأثير فى المجال السياسى، أما المرجع الوطنى فتتجاوز مكانته حدود الحزب والتيار ويصبح مرتبطاً بقضية شعبه ومصالحه الوطنية، أما المرجع التاريخى فهذه مرتبة أكبر ولا يحسمها السياسيين وحدهم، بل يحسمها الزمن والأجيال القادمة.

لذا، يمكننا القول بصورة أكثر دقة إن الرئيس مسعود بارزانى أبرز المرجعيات السياسية والوطنية فى القضية الكردية المعاصرة، متجاوزا كونه زعيما ورئيسا لأكبر الأحزاب الكردية والعراقية أيضًا على المستوى السياسى والانتخابى باعتراف وتقدير رسمى لمؤيديه.

Exit mobile version