مجدى طنطاوى يكتب كلنا تحت ستر الله

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾

كلنا تحت ستر الله فلا أحد منا يملك أن يرفع رأسه مدعيا الطهر الكامل ولا أحد يملك أن ينصب نفسه قاضيا على عباد الله وقد جسد نبي الله عيسى عليه السلام هذا المعنى في موقف خالد حين جيء إليه بامرأة اتهمت بالزنا وأراد قومه أن يجعلوا منها وسيلة لاختباره فقال لهم كلمته التي بقيت شاهدة على عظمة الرسالة الإلهية من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولا بحجر فلم يكن هدفه إلغاء العقوبة أو تبرير الخطيئة وإنما أراد أن يوقظ الضمير ويكسر غرور من يدين الناس وهو يحمل من الذنوب ما لو كشفه الله لاستحيا من نفسه قبل أن يستحي من غيره فانصرفوا جميعا لأن كل واحد منهم أدرك أنه ليس بريئا من الخطأ

وما أشبه حالنا اليوم بذلك المشهد فنحن نسير في هذه الحياة ونتنكب الطريق كثيرا ونتعثر أكثر ونقع في أخطاء يعلمها الله وحده ونزل في مواطن كثيرة ثم تمتد إلينا رحمة الله فتسترنا ولا تفضحنا ولو شاء سبحانه أن يكشف للناس خبايا نفوسنا وما أخفيناه من زلات وأخطاء لما بقي بيننا من يستطيع أن يعير غيره أو يشمت فيه أو يتكبر عليه

إن الله بحكمته قد يستر عبدا ويبتلي آخر بانكشاف ذنبه وليس معنى ذلك أن المستور أطهر من المفضوح ولا أن المفضوح أشد جرما من غيره وإنما هي حكمة الله التي لا يعلمها إلا هو ولذلك قال سبحانه ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾

ولو سقطت عن كل واحد منا ورقة التوت التي سترنا الله بها لانكشفت سوءاتنا جميعا ولرأى الناس منا ما نخجل أن يراه أقرب الناس إلينا ولكنها رحمة الله التي ألبستنا ثوب الستر وأمهلتنا لنتوب ونرجع ونصلح ما أفسدناه

فلا تزكوا أنفسكم ولا تفرحوا بفضيحة أحد ولا تكشفوا ما ستره الله على عباده فمن عاش في ستر الله فليحذر أن يمزق ستر الله عن غيره ومن ذاق رحمة الله فليكن رحيما بخلقه ومن أيقن أن له ذنوبا لا يعلمها إلا الله فليشتغل بإصلاح نفسه قبل أن ينشغل بعيوب الناس

كلنا تحت ستر الله وما يفرق بيننا ليس قلة الذنوب أو كثرتها وإنما رحمة الله التي وسعت كل شيء فاحمدوا الله على نعمة الستر واسألوه أن يديمها عليكم وأن يستر عيوبكم في الدنيا والآخرة ولا تجعلوا من زلات الناس مجالا للتشفي والإدانة لأن الذي ستركم اليوم قادر على أن يكشفكم غدا ولو شاء لفعل ولكنه سبحانه الستير الرحيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »