
الجريدةالإسبانيةالعربية/ باريس
أعادت مارين لوبان، القيادية في حزب التجمع الوطني الفرنسي، ملف التنقيب عن النفط والغاز إلى واجهة النقاش السياسي في فرنسا، بعدما تعهدت بإلغاء قانون «هولو» الصادر سنة 2017، في حال وصولها إلى السلطة، بهدف إعادة فتح المجال أمام البحث عن المحروقات واستغلال الموارد الطبيعية المحلية.
وجاء هذا الإعلان خلال تجمع سياسي احتضنته مدينة أورليان يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، في سياق التحضير للاستحقاقات الرئاسية المقبلة، حيث دافعت لوبان عن ضرورة تعزيز القوة الاقتصادية والصناعية لفرنسا، وإنهاء ما وصفته بمنطق التراجع الطاقي والصناعي.
ويستهدف هذا التوجه مراجعة الإطار القانوني الذي أقرته فرنسا في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، بناءً على القانون المعروف باسم «قانون هولو»، نسبة إلى وزير الانتقال البيئي السابق نيكولا هولو، والذي وضع قيوداً على منح تراخيص جديدة للبحث عن المحروقات، وعلى تمديد الامتيازات القائمة، في إطار توجه يرمي إلى إنهاء استغلالها تدريجياً بحلول سنة 2040.
غير أن التعهد السياسي بإلغاء القانون لا يعني أن فرنسا ستتمكن تلقائياً من زيادة إنتاجها النفطي، إذ تظل النتائج رهينة الإمكانات الجيولوجية، وحجم الاستثمارات، والجدوى الاقتصادية للمشروعات المحتملة.
غويانا الفرنسية.. اختبار صعب لرهان النفط المحلي
في خضم هذا النقاش، تبرز غويانا الفرنسية، الواقعة في أميركا الجنوبية والخاضعة للسيادة الفرنسية، باعتبارها إحدى المناطق التي يطالب بعض مسؤوليها بإعادة فتح ملف التنقيب عن المحروقات، خصوصاً في ظل الطفرة النفطية التي تشهدها دول مجاورة، من بينها غيانا وسورينام والبرازيل.
لكن شركة «توتال إنرجيز» الفرنسية العملاقة لا تبدي استعداداً للعودة إلى عمليات التنقيب في المياه قبالة غويانا الفرنسية في الوقت الراهن.
وخلال جلسة استماع برلمانية في يونيو 2026، أعلن رئيس الشركة باتريك بويانيه أن المجموعة لا تعتزم استئناف حفر آبار استكشافية في المنطقة، موضحاً أنها أنفقت نحو 400 مليون يورو على عمليات سابقة، دون الوصول إلى اكتشافات تتوافر فيها كميات كافية من المحروقات لتبرير الاستغلال التجاري.
ولا يعني هذا الموقف أن المنطقة تخلو بالضرورة من النفط، بل يعكس تقييم الشركة لنتائج عملياتها السابقة ومدى جدواها الاقتصادية. كما أن وجود احتياطيات كبيرة في البلدان المجاورة لا يشكل دليلاً كافياً على توافر احتياطيات مماثلة في الأراضي أو المياه التابعة لغويانا الفرنسية.
ويكشف هذا التباين عن أحد أبرز التحديات التي تواجه الدعوات السياسية لإحياء التنقيب: فالرغبة في استغلال الموارد الوطنية لا تكفي وحدها لإقناع الشركات بضخ استثمارات جديدة، ما لم تكن فرص تحقيق عائد اقتصادي مقنع واضحة.
هل تستطيع فرنسا تقليص اعتمادها على استيراد النفط؟
على الرغم من امتلاك فرنسا بعض الحقول النفطية والغازية، فإن إنتاجها المحلي يظل محدوداً مقارنة بحجم استهلاكها. ووفق المعطيات المنشورة عن سنة 2024، كان بالبلاد 64 حقلاً نفطياً وغازياً نشطاً، معظمها في حوضي باريس وأكيتان، لكنها لم تكن تمثل سوى نحو 1 في المائة من الاستهلاك الوطني.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلات حول قدرة إعادة فتح التنقيب على تغيير معادلة الطاقة الفرنسية بصورة ملموسة، خاصة أن تطوير الحقول الجديدة يتطلب مراحل طويلة من الدراسات والاستكشاف والتجهيز، قبل الوصول إلى الإنتاج التجاري.
كما أن أي زيادة محتملة في الإنتاج المحلي لن تعني بالضرورة تراجعاً فورياً في أسعار الوقود، التي تتأثر بعوامل متعددة، تشمل أسعار النفط العالمية، وتكاليف التكرير والنقل والتوزيع، والضرائب المفروضة على المحروقات.
وبالتالي، فإن إلغاء قانون «هولو»، في حال تنفيذه، قد يفتح الباب أمام مشروعات جديدة، لكنه لا يشكل ضمانة لخفض أسعار البنزين والديزل أو لتقليص فاتورة الاستيراد بالقدر الذي يتوقعه المدافعون عن هذا الخيار.
معركة بين السيادة الطاقية والاعتبارات البيئية
لا يقتصر الجدل الفرنسي على الجدوى الاقتصادية للتنقيب، بل يمتد إلى الاعتبارات البيئية والتزامات البلاد المتعلقة بمكافحة التغير المناخي، فضلاً عن التساؤلات بشأن مستقبل الاستثمار في الوقود الأحفوري في ظل التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة.
وفي المقابل، يرى مؤيدو إعادة فتح المجال أمام التنقيب أن استغلال الموارد المحلية، متى ثبتت جدواه، يمكن أن يساهم في تعزيز أمن الإمدادات، وخلق فرص اقتصادية، وتقليص جانب من التبعية للأسواق الخارجية.
وتعكس هذه المواقف خلافاً حول الطريقة التي ينبغي لفرنسا أن تؤمّن بها احتياجاتها الطاقية، بين من يدعو إلى استغلال الموارد المتاحة، ومن يحذر من أن الاستثمارات الجديدة في المحروقات قد لا تحقق العائد المنتظر، خصوصاً إذا كانت الاكتشافات محدودة أو مرتفعة التكلفة.
وفي المحصلة، أعادت مارين لوبان فتح نقاش استراتيجي حول السيادة الطاقية الفرنسية، لكن موقف «توتال إنرجيز» من غويانا الفرنسية يبرز الفارق بين الطموح السياسي والقرار الاستثماري.
ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع فرنسا تحويل الدعوة إلى إلغاء قانون «هولو» إلى سياسة عملية تعزز إنتاجها المحلي، أم أن محدودية الاحتياطيات القابلة للاستغلال وكلفة التنقيب ستبقيان العقبة الأساسية أمام هذا الرهان؟