فرنسا: لوكورنو يخاطب غضب الشارع من الثانويات إلى الفلاحين والمازوت.. 10 ملايين برميل لخفض سعر الغازوال

*الجامعة الإسبانية العربية/ باريس*
في خطاب تلفزيوني مساء الأربعاء 7 أكتوبر 2026، حاول رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لوكورنو مخاطبة أكثر من جبهة مفتوحة في البلاد، في وقت تتزامن فيه احتجاجات طلاب الثانويات مع ضغوط القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الوقود والطاقة، وتوترات القطاع الزراعي، إلى جانب معركة سياسية ومالية حول ميزانية الدولة.
ولو أن الاحتجاجات الطلابية شكلت أحد أبرز محاور الخطاب، فإن لوكورنو لم يحصر رسالته في المدارس، بل انتقل إلى ملفات تمس الحياة اليومية للفرنسيين بشكل مباشر، وفي مقدمتها سعر المازوت، الكهرباء، الفلاحة، القدرة الشرائية والميزانية.
وقال رئيس الحكومة إن فرنسا تعيش مرحلة تتوالى فيها الأزمات، متفهماً حالة التعب التي يشعر بها مواطنون يرون أن أزمة تنتهي لتبدأ أخرى.
الثانويات.. لوكورنو: غضب الشباب «لا يأتي من فراغ»
في مواجهة حركة الاحتجاج المتصاعدة داخل عدد من الثانويات الفرنسية، اختار لوكورنو لهجة أكثر هدوءاً، مؤكداً أن الحكومة لا يمكن أن تتجاهل المخاوف التي يعبر عنها الطلاب.
وقال إن غضب الشباب «لا يأتي من فراغ»، وإن الحكومة مطالبة بالاستماع إلى مطالبهم ومخاوفهم.
وفي الوقت نفسه، دافع رئيس الحكومة عن قوات الأمن، مؤكداً أن الشرطة والدرك لم يتلقيا تعليمات بمواجهة طلاب الثانويات، وأن مهمتهما تتمثل أساساً في حماية الأشخاص والممتلكات وضمان احترام القانون، مع ضرورة أن تكون التدخلات متناسبة مع الظروف.
وفي ظل الجدل الذي أثارته إصابات تعرض لها بعض الطلاب خلال تدخلات أمنية، شدد لوكورنو على ضرورة النظر في ظروف كل واقعة والتحقيق فيها بكل شفافية.
لكنه في المقابل أدان أعمال العنف والتخريب والاعتداءات التي استهدفت مؤسسات تعليمية وأفراداً من قوات الأمن.
أكثر من 40 ألف مساهمة وخمسة أوراش
وأعلن رئيس الحكومة استمرار جلسات الحوار مع طلاب الثانويات ابتداءً من الخميس 8 أكتوبر وحتى الأسبوع المقبل.
وكشف أن منصة التشاور الحكومية الموجهة إلى الطلاب سجلت أكثر من 40 ألف مساهمة، في مؤشر على حجم الاهتمام بالمشكلات التي تواجه المؤسسات التعليمية.
كما أعلن إطلاق خمسة أوراش رئيسية، تتعلق بـتعويض الأساتذة الغائبين، وتحسين ظروف المؤسسات التعليمية، وتنظيم الزمن المدرسي، وجعل نظام Parcoursup أكثر شفافية، ومنح الطلاب إطاراً أوضح للتعبير عن مطالبهم والمشاركة في الحياة المدرسية.
وأكد أن أولى القرارات الحكومية في هذا المجال ستعلن نهاية أكتوبر.
المازوت.. الإعلان الأكثر مباشرة
لكن الإعلان الذي قد يلامس الحياة اليومية لملايين الفرنسيين بشكل مباشر تعلق بأسعار الوقود.
فقد أعلن سيباستيان لوكورنو أن الحكومة ستضع 10 ملايين برميل من الغازوال، مأخوذة من المخزونات الاستراتيجية الفرنسية، رهن إشارة الموزعين.
وأوضح أن العملية ستستمر لمدة ثلاثة أشهر، وأن الغازوال الموجود في هذه المخزونات تم شراؤه قبل ارتفاع الأسعار، وبالتالي سيتم وضعه رهن إشارة الموزعين بسعر التكلفة.
وبحسب تقدير رئيس الحكومة، فإن هذه العملية يمكن أن تؤدي إلى انخفاض في سعر الغازوال بمحطات الوقود يتراوح بين 12 و18 سنتيماً لليتر الواحد.
كما أعلن أنه سيوقع قريباً المرسوم الذي يسمح بتنفيذ العملية، على أن يجتمع في الأيام المقبلة مع مختلف موزعي الوقود في مقر رئاسة الحكومة من أجل بحث آليات تطبيقها.
وهنا تكمن أهمية الإعلان بالنسبة إلى الشارع الفرنسي، لأن أسعار المازوت لا تؤثر فقط على سائقي السيارات، وإنما ترتبط أيضاً بتكاليف النقل والفلاحة والبناء وعدد كبير من الأنشطة الاقتصادية.
الكهرباء.. الحكومة تتعهد بعدم رفع الأسعار هذا الشتاء
وفي ملف الطاقة، أعلن لوكورنو أن الحكومة تريد تحقيق هدف واضح يتمثل في عدم ارتفاع أسعار الكهرباء خلال الشتاء المقبل.
وطلب من شركة EDF تعبئة أقصى ما يمكن من قدراتها الإنتاجية، مع احترام متطلبات السلامة، من أجل المساهمة في تحقيق هذا الهدف.
كما أعلن أن شيك الطاقة الموجه إلى الأسر الأكثر تواضعاً سيصرف ابتداءً من يناير، بدلاً من الانتظار إلى الربيع.
وتهدف هذه الإجراءات، وفق الخطاب الحكومي، إلى تخفيف الضغط عن القدرة الشرائية في وقت تشكل فيه أسعار الطاقة والوقود أحد أبرز مصادر القلق لدى الأسر الفرنسية.
الفلاحون.. «الزراعة الفرنسية لا يمكن أن تنتظر»
ولم يغب القطاع الزراعي عن خطاب رئيس الحكومة.
فقد أكد لوكورنو أن الحكومة أطلقت بالفعل خطة طوارئ لمواجهة الصعوبات التي يواجهها الفلاحون، معلناً أن وزيرة الزراعة ستكشف عن إجراءات إضافية.
كما تحدث عن إعداد خطة لإنعاش القطاع الزراعي، مؤكداً أن القوانين والمراسيم المرتبطة بحالة الطوارئ الزراعية ستنفذ بسرعة.
وكانت الرسالة السياسية الأبرز في هذا الملف أن الزراعة الفرنسية لا يمكن أن تنتظر إلى حين الانتخابات الرئاسية، في إشارة إلى ضرورة التعامل مع مشاكل القطاع قبل ذلك الموعد.
ويأتي هذا الملف في سياق ضغوط متزايدة على المزارعين، الذين يواجهون ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والوقود، إضافة إلى آثار الظروف المناخية الصعبة.
«السترات الصفراء».. شبح الغضب الاجتماعي حاضر في المشهد
ورغم أن لوكورنو لم يجعل من حركة «السترات الصفراء» محوراً مباشراً لخطابه، فإن المقارنة مع تلك المرحلة تعود بقوة إلى النقاش السياسي الفرنسي.
فأزمة «السترات الصفراء» التي انفجرت أساساً حول أسعار الوقود والقدرة الشرائية تحولت آنذاك إلى حركة احتجاج اجتماعي واسعة، وانتهت بإطلاق السلطة التنفيذية مساراً للحوار الوطني.
واليوم، وبينما تواجه الحكومة احتجاجات طلابية وأزمة في القطاع الزراعي وضغطاً على القدرة الشرائية وارتفاعاً في أسعار الطاقة، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل تستطيع الإجراءات الحكومية الحالية منع تراكم الاحتجاجات وتحولها إلى حركة اجتماعية أوسع؟
ولهذا اكتسب إعلان خفض سعر الغازوال أهمية سياسية واجتماعية خاصة، خصوصاً أن الوقود كان أحد أبرز العناوين التي فجرت احتجاجات «السترات الصفراء» قبل سنوات.
الميزانية.. الأزمة التي تلاحق الحكومة
وفي خلفية كل هذه الملفات توجد معركة أخرى لا تقل صعوبة، وهي ميزانية الدولة الفرنسية.
فقد جدد لوكورنو تمسك حكومته بهدف خفض العجز العام إلى حدود 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2027، بعدما بلغ العجز نحو 5.4 في المائة خلال سنة 2026.
وهنا تواجه الحكومة معادلة صعبة: الاستجابة لمطالب الطلاب والفلاحين والأسر المتضررة من ارتفاع الأسعار، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مسار مالي يهدف إلى تقليص العجز.
خطاب لاحتواء «تراكم الأزمات»
وبذلك، يمكن قراءة خطاب سيباستيان لوكورنو باعتباره محاولة للتعامل مع عدة أزمات في وقت واحد.
ففي الثانويات، اختار الحوار ووعد بقرارات نهاية أكتوبر.
وفي مواجهة غلاء الوقود، لجأ إلى المخزونات الاستراتيجية معلناً طرح 10 ملايين برميل من الغازوال.
وبالنسبة إلى الكهرباء، وضع هدفاً يتمثل في منع ارتفاع الأسعار خلال الشتاء.
أما الفلاحون، فوعد بخطة طوارئ وإنعاش للقطاع، مؤكداً أن مشاكل الزراعة لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات.
وفي الوقت نفسه، أبقى على هدف خفض عجز الدولة إلى 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2027.
لكن الإجراءات المعلنة ستبقى تحت الاختبار خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً أن طلاب الثانويات يواصلون التعبئة، والفلاحين يطالبون بإجراءات ملموسة، والقدرة الشرائية وأسعار الطاقة لا تزال في صلب القلق الاجتماعي الفرنسي.
وبينما تراهن الحكومة على الحوار وخفض كلفة الغازوال واحتواء أسعار الكهرباء وتقديم إجراءات للقطاع الزراعي، يبقى السؤال المطروح في فرنسا: هل تنجح هذه الإجراءات في امتصاص الغضب الاجتماعي، أم أن تزامن الأزمات قد يدفع إلى اتساع دائرة الاحتجاج؟




