*فرنسا على صفيح ساخن.. اتهامات خطيرة للحكومة بتوجيه الاستخبارات ضد «فرنسا الأبية»*
*تحقيق صحفي يفجّر عاصفة سياسية في باريس.. هل جرى البحث عن كبش فداء لتحميله مسؤولية عنف 17 أكتوبر؟*

الجريدة الإسبانية العربية/ باريس
تواجه الحكومة الفرنسية عاصفة سياسية جديدة، بعد تحقيق صحفي فجّر اتهامات خطيرة بشأن احتمال توجيه أجهزة الاستخبارات لتحميل حزب «فرنسا الأبية» مسؤولية أعمال العنف والتخريب التي رافقت احتجاجات 17 أكتوبر، في تطور أعاد إلى الواجهة سؤالًا حساسًا: هل تُستخدم المؤسسات الأمنية في معركة تصفية الحسابات السياسية؟
وفجّر موقع «ميديابارت» هذه القضية، بعدما نشر، مساء الاثنين 19 أكتوبر، تحقيقًا نقل فيه عن مسؤول في الاستخبارات الإقليمية قوله إن تعليمات صدرت لاستهداف الحزب سياسيًا وربطه بالاحتجاجات، رغم أن هذا التقييم، وفق المصدر نفسه، لا يعكس تقديرات العاملين في الأجهزة المعنية. وهي معطيات، إذا تأكدت، من شأنها أن تضع حياد المؤسسات الأمنية أمام اختبار صعب.
وسرعان ما تحولت هذه المزاعم إلى مواجهة سياسية مفتوحة، بعدما أعلن مانويل بومبار، المنسق الوطني لحزب «فرنسا الأبية»، الثلاثاء 20 أكتوبر، تصعيد موقف الحزب تجاه وزير الداخلية لوران نونيز، معتبرًا أن توجيه تقارير أمنية نحو استنتاجات محددة، إن ثبت، يثير مخاوف جدية بشأن حدود السلطة والمسؤولية السياسية.
ولم تكن خطورة القضية في مجرد تبادل الاتهامات بين الحكومة والمعارضة، بل في طبيعة الجهة التي يدور حولها الجدل؛ فالاستخبارات يُفترض أن تقدم تقييمات تستند إلى المعلومات الميدانية، بعيدًا عن الحسابات الحزبية أو الرغبة في توجيه الرأي العام.
من المسؤول عن عنف 17 أكتوبر؟
اندلعت المواجهة بعدما حمّلت شخصيات حكومية أطرافًا من اليسار الراديكالي وحزب «فرنسا الأبية» مسؤولية سياسية عن أحداث العنف، بينما أثارت تصريحات للمدعية العامة في باريس، لور بيكو، شكوكًا بشأن إمكانية تأكيد الانتماء السياسي لعدد من المتورطين في أعمال الشغب، مشيرة إلى أن المعطيات المتاحة لديها لا تسمح بالجزم بذلك.
وهنا تتسع دائرة الأسئلة: هل تستند الاتهامات السياسية إلى أدلة واضحة، أم أن الصراع على تفسير أحداث الشارع سبق اكتمال الصورة؟ وهل جرى الفصل فعلًا بين المسؤولية عن أعمال التخريب وبين المواقف السياسية للأحزاب التي شاركت في النقاش العام بشأن الاحتجاجات؟
هذه الأسئلة تمنح ما كشفه «ميديابارت» أهمية تتجاوز حدود الخلاف الحزبي، لأنها تمس العلاقة بين السلطة السياسية والأجهزة المكلفة بجمع المعلومات وتقييم المخاطر الأمنية.
اتهامات تضع الحكومة في موقف حرج
بالنسبة إلى «فرنسا الأبية»، فإن ربط الحزب بأعمال العنف من دون أدلة كافية قد يحوّل النقاش من البحث عن المسؤولين الفعليين إلى معركة سياسية لتحديد الطرف الذي ينبغي تحميله المسؤولية أمام الرأي العام.
أما إذا ثبت أن تقارير أمنية وُجّهت عمدًا نحو استنتاجات مسبقة، فإن القضية ستتجاوز الخلاف المعتاد بين الحكومة والمعارضة، لتطرح إشكالًا مؤسساتيًا يتعلق باستقلالية التقييم الأمني، ومصداقية المعلومات التي تستند إليها القرارات الحكومية.
وفي المقابل، تظل المزاعم الواردة في التحقيق منسوبة إلى مصادره، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق محسومة قبل التحقق منها. كما أن مسؤولية أي حزب أو جهة عن أعمال العنف لا يمكن إثباتها بمجرد التصريحات السياسية، بل تستلزم معطيات موثوقة وأدلة واضحة.
أزمة تتجاوز حزبًا واحدًا
تكشف هذه القضية حجم التوتر الذي يطبع المشهد الفرنسي في أعقاب احتجاجات 17 أكتوبر، حيث تتداخل المطالب الاجتماعية والمواجهات في الشارع مع الاتهامات السياسية المتبادلة. لكنها تطرح، في الوقت نفسه، سؤالًا أكبر من مصير حزب أو وزير: كيف يمكن ضمان ألا تتحول المعلومات الأمنية إلى أداة في الصراع السياسي؟
وبين رواية التحقيق وردود الفعل الحزبية، تجد الحكومة نفسها أمام تحدي الحفاظ على الثقة في المؤسسات، في وقت يحتاج فيه الرأي العام إلى إجابات واضحة بشأن أحداث العنف، بعيدًا عن الأحكام المسبقة وتبادل الاتهامات.
في فرنسا، لم يعد الجدل مقتصرًا على من يقف وراء احتجاجات 17 أكتوبر، بل امتد إلى كيفية بناء الرواية الرسمية نفسها. وإذا تأكدت المزاعم المتعلقة بتوجيه التقارير الأمنية، فقد تتحول القضية إلى واحدة من أكثر المواجهات السياسية حساسية، لأنها تمس جوهر العلاقة بين السلطة والحقيقة وثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
A




