فرنسا تنتفض من جديد ضد الغلاء وتراجع الخدمات العمومية.. الشارع يعود للاشتعال واستنفار أمني غير مسبوق تحسباً لانفجار ليلة الهالوين

 

بوردو

تدخل فرنسا، اليوم السبت، منعطفاً جديداً من الاحتقان الاجتماعي، مع عودة آلاف المحتجين إلى الشوارع في موجة احتجاجية جديدة ضد غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتدهور الخدمات العمومية، في مشهد يعكس اتساع دائرة الغضب الشعبي، ويفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة بشأن قدرة الحكومة على احتواء الأزمة الاجتماعية المتصاعدة.

ولم تعد الاحتجاجات مقتصرة على فئة اجتماعية بعينها، بعدما امتدت المطالب لتشمل التلاميذ والطلبة والنقابات ومجموعات من المحتجين، في مقدمتهم نشطاء حركة السترات الصفراء، الذين يسعون إلى توحيد مختلف أشكال الاحتجاج تحت شعار مواجهة الغلاء والدفاع عن الحقوق الاجتماعية وتحسين ظروف العيش.

وتأتي هذه التعبئة في ثالث عطلة نهاية أسبوع متتالية من الاحتجاجات، بعد تحركات 17 و24 أكتوبر، التي شهدت مشاركة واسعة في عدد من المدن الفرنسية، وتخللت جولتها الأولى أعمال تخريب ونهب ومواجهات مع قوات الأمن، فيما سجلت الجولة الثانية تراجعاً نسبياً في حدة الاضطرابات.

في عمق هذه الاحتجاجات، تتجاوز القضية مجرد رفض ارتفاع الأسعار، لتلامس شعوراً متنامياً لدى قطاعات من المجتمع الفرنسي بأن تكاليف الحياة أصبحت تثقل كاهل الأسر، بينما لا تواكب الخدمات العمومية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والنقل، انتظارات المواطنين.

كما يطالب التلاميذ والطلبة بتحسين ظروف الدراسة وتوفير الإمكانيات اللازمة للمؤسسات التعليمية والجامعية، وسط انتقادات للسياسات المعتمدة في تدبير التعليم وفرص الولوج إلى التعليم العالي.

وبين المطالب الاجتماعية والاحتجاجات الشبابية، تبدو الشوارع الفرنسية أمام اختبار جديد، خصوصاً مع دعوات إلى توسيع رقعة التعبئة وتحويلها إلى حركة احتجاجية جامعة لمختلف الفئات المتضررة من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وفي مدينة بوردو، لا يخفي أصحاب المحلات التجارية مخاوفهم من تكرار مشاهد النهب والتخريب التي طالت متاجر خلال الاحتجاجات السابقة.

فقد شرع عدد من التجار في تحصين واجهات محلاتهم، بينما استعان آخرون بحراس أمن خاصين، في مشهد يعكس حجم القلق الذي يسبق الاحتجاجات الجديدة.

وتحدثت صاحبة أحد المتاجر بوسط المدينة عن الأضرار التي لحقت بباب محلها خلال الأحداث الماضية، مؤكدة أنها قررت الإبقاء على متجرها مفتوحاً، لكن مع تعزيز إجراءات الحماية وتأمين سلامة العاملين.

كما لجأ حرفيون إلى تثبيت ألواح خشبية على واجهات المحلات، في محاولة لتقليل الأضرار المحتملة، خصوصاً أن بعض التجار لا يزالون يتحملون تبعات الخسائر التي خلفتها الاضطرابات السابقة.

أمام هذه التطورات، قررت السلطات الفرنسية تعبئة نحو 70 ألف شرطي ودركي في مختلف أنحاء البلاد، في إجراء أمني استثنائي يعكس حجم المخاوف من احتمال خروج الاحتجاجات عن السيطرة.

ووجه وزير الداخلية، لوران نونيز، تحذيراً واضحاً بشأن ارتفاع مخاطر الإخلال بالنظام العام، متعهداً برد حازم على أعمال العنف والتخريب والنهب.

كما جرى تعزيز الإجراءات الأمنية في المناطق التجارية والمراكز الحساسة، مع الاستعانة بوحدات متخصصة ووسائل مراقبة إضافية، فيما اتخذت السلطات المحلية قرارات تتعلق بمسارات المظاهرات في عدد من المدن، بهدف إبعاد التجمعات عن بعض المناطق الأكثر عرضة للاضطرابات.

وفي باريس، اتجهت السلطات إلى تنظيم مسارات الاحتجاج بعيداً عن عدد من المحاور المركزية، وسط خلافات بشأن حق المتظاهرين في اختيار مساراتهم، ومتطلبات الحفاظ على الأمن العام.

وتزامن الاحتجاج مع احتفالات عيد الهالوين أضاف عاملاً جديداً إلى حسابات السلطات الأمنية، بعدما انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي دعوات إلى تجمعات ليلية وارتداء أقنعة وأزياء تنكرية.

وتخشى السلطات من استغلال هذه المناسبة لإخفاء هويات المتورطين في أعمال التخريب والاعتداءات، خصوصاً بعد تداول دعوات وصفتها وزارة الداخلية بأنها تحرض على العنف والنهب.

لكن التحدي الأكبر يظل في كيفية التوفيق بين حماية الأمن العام وضمان الحق في التظاهر السلمي، باعتباره حقاً دستورياً لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتقييد الاحتجاجات المشروعة.

وبين الشارع الغاضب وحكومة تلوح بالحزم الأمني، تجد فرنسا نفسها أمام مشهد يتجاوز حدود احتجاجات عابرة، ليطرح أسئلة أعمق حول القدرة على معالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي، واستعادة الثقة في المؤسسات والخدمات العمومية.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تأمين الشوارع ومنع أعمال التخريب، بل أيضاً في الاستجابة للمطالب التي دفعت المواطنين إلى الاحتجاج، وإيجاد حلول ملموسة لأزمة القدرة الشرائية والتعليم والخدمات الأساسية.

وهكذا، تبدو ليلة السبت في فرنسا محملة بأكثر من رسالة: غضب اجتماعي يبحث عن حلول، وتجار يخشون خسارة ما تبقى من ممتلكاتهم، وسلطات أمنية تستعد لساعات صعبة، في انتظار ما ستكشف عنه تطورات الشارع الفرنسي.

Exit mobile version