فرنسا: احتجاجات التلاميذ تدخل أسبوعها الثاني.. أكثر من 5 آلاف توقيف وعيون تتجه إلى الثلاثاء الحاسم

باريس
دخلت احتجاجات تلاميذ الثانويات في فرنسا أسبوعها الثاني، وسط تصاعد التوتر واتساع رقعة الاحتجاجات، في وقت تستعد فيه التنظيمات التلاميذية والطلابية لجولة جديدة من التعبئة يوم الثلاثاء 6 أكتوبر، بعدما أعلنت أنها لم تحصل خلال حوارها مع وزير التربية الوطنية على إجراءات ملموسة تستجيب لمطالبها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه الحكومة الفرنسية احتواء حركة احتجاجية بدأت بمطالب مرتبطة بظروف الدراسة ونقص الموارد داخل المؤسسات التعليمية، قبل أن تتسع رقعتها وترافقها في عدد من المدن أعمال عنف وتخريب ومواجهات مع قوات الأمن.
أكثر من 5 آلاف توقيف منذ بداية الأسبوع
أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية توقيف نحو 1,750 شخصاً يوم الجمعة 2 أكتوبر، ليرتفع عدد التوقيفات منذ بداية الأسبوع إلى أكثر من 5 آلاف شخص، معظمهم من الشباب والقاصرين، وفق المعطيات التي أعلنتها السلطات الفرنسية.
وفي منطقة إيل دو فرانس، التي تضم باريس وضواحيها، بلغ عدد الموقوفين منذ بداية حركة الاحتجاج 824 شخصاً، 85 في المائة منهم قاصرون، بحسب معطيات نقلتها النيابة العامة والشرطة في باريس. كما وُضع 113 شخصاً رهن الحراسة النظرية في العاصمة، بينهم 98 قاصراً.
ولا تعني أرقام التوقيف بالضرورة ثبوت تورط جميع الموقوفين في أعمال عنف، إذ تبقى المسؤولية الفردية خاضعة للتحقيقات والإجراءات القضائية.
مطالب تعليمية أشعلت الشارع
وتتركز مطالب المحتجين حول تحسين ظروف الدراسة، وتوفير مزيد من المدرسين والموظفين، والحد من الاكتظاظ داخل الأقسام، وتحسين وضعية المؤسسات التعليمية والتجهيزات، إلى جانب مطالب مرتبطة بإيقاع الدراسة وظروف التمدرس.
وتقول التنظيمات التلاميذية إن جزءاً من المؤسسات يعاني نقصاً في الموارد البشرية، وكثرة غياب الموظفين، وظروفاً غير ملائمة للدراسة، فيما تحولت هذه المطالب، خلال الأيام الأخيرة، إلى حركة احتجاجية واسعة امتدت إلى مئات المؤسسات في مختلف أنحاء البلاد.
وبحسب وزارة التربية الوطنية، شهد يوم الجمعة تحركات أو اضطرابات في أكثر من 700 مؤسسة تعليمية، في مؤشر على استمرار قوة التعبئة رغم الإجراءات التي اتخذتها السلطات.
من الاحتجاج إلى المواجهة
لكن الحركة لم تخلُ من أعمال عنف وتخريب، خصوصاً في محيط عدد من الثانويات، حيث سجلت مواجهات مع قوات الأمن، وإحراق حواجز وممتلكات، وإصابات في صفوف عدد من الأشخاص.
وأمام تصاعد التوتر، شددت السلطات الفرنسية على أن الحق في الاحتجاج والتعبير يبقى مكفولاً، لكن ذلك لا يمكن أن يتحول إلى اعتداء على الأشخاص أو المؤسسات والممتلكات.
وحذر مسؤولون أمنيون من أن الحركة خرجت في بعض المناطق عن السيطرة، فيما دعت السلطات إلى العودة إلى أشكال احتجاج سلمية.
وزير التربية: المطالب مشروعة.. والعنف مرفوض
وزير التربية الوطنية الفرنسي إدوار جيفري حاول فتح مسار للحوار مع ممثلي التلاميذ والطلبة والنقابات، حيث عقد الجمعة سلسلة لقاءات لبحث مطالب المحتجين.
وأعلنت الوزارة استعدادها للعمل على تعزيز الديمقراطية المدرسية، وتسريع تعويض المدرسين الغائبين، وفتح نقاش حول وضعية المباني التعليمية، إضافة إلى العمل على ملف إيقاع الدراسة.
غير أن ممثلي التنظيمات التلاميذية والطلابية أعلنوا، عقب اللقاء، أنهم لم يحصلوا على «إجراءات ملموسة»، ودعوا إلى مواصلة التعبئة.
الحكومة تصعّد لهجتها
وفي الجانب الأمني والقضائي، اتخذت الحكومة لهجة أكثر تشدداً، خصوصاً مع ارتفاع عدد القاصرين بين الموقوفين.
كما دعت السلطات الأسر إلى تحمل مسؤولياتها تجاه أبنائها، وسط تأكيد رسمي على إمكانية ترتيب المسؤولية المدنية عن الأضرار التي يتسبب فيها القاصرون، وفقاً للقانون والظروف الخاصة بكل قضية.
وتعكس هذه المقاربة حجم القلق الحكومي من استمرار الاحتجاجات، خصوصاً مع الدعوة إلى تعبئة وطنية جديدة يوم الثلاثاء المقبل.
«الثلاثاء الحاسم».. هل تتسع رقعة الاحتجاج؟
وتتجه الأنظار الآن إلى الثلاثاء 6 أكتوبر، الذي دعت خلاله التنظيمات التلاميذية والطلابية إلى تنظيم مظاهرة وطنية كبرى في باريس، مع استمرار الدعوات إلى التعبئة داخل المؤسسات التعليمية.
وقد انضمت إلى الدعوة عدة تنظيمات ونقابات تعليمية، ما يفتح الباب أمام انتقال الاحتجاج من حركة تلاميذية إلى تعبئة اجتماعية أوسع.
وفي المقابل، تستعد السلطات لتأمين المؤسسات والمظاهرات، وسط مخاوف من تكرار أعمال العنف التي شهدتها بعض المدن خلال الأيام الماضية.
أزمة تعليم أم بداية أزمة اجتماعية أوسع؟
وبين مطالب تلاميذ يقولون إنهم يحتجون من أجل ظروف دراسة أفضل، وحكومة تقر بجزء من مشروعية هذه المطالب لكنها ترفض العنف، وسلطات أمنية تواجه آلاف التوقيفات، تبدو فرنسا أمام اختبار جديد لقدرتها على احتواء غضب شبابي متصاعد.
وتطرح التطورات الحالية سؤالاً يتجاوز أسوار المدارس: هل تستطيع الحكومة فصل المطالب الاجتماعية والتعليمية عن أعمال العنف، وفتح حوار قادر على تقديم حلول ملموسة، أم أن استمرار التعبئة سيحوّل احتجاجات الثانويات إلى أزمة اجتماعية وسياسية أوسع؟
الإجابة قد تبدأ يوم الثلاثاء، الذي أصبح بالفعل موعداً مفصلياً في مسار هذه الأزمة.




