علماء وشخصيات عامة يستعيدون مواقف إنسانية وعلمية فى حياة الإمام طنطاوى

 

استضاف د. صلاح الجعفراوى -رئيس مجلس أمناء مؤسسة “مشوار” التنموية، الأربعاء، الصالون الثقافى الرابع عشر، لإحياء ذكرى رحيل الإمام الأكبر د. محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر الأسبق، بمشاركة عدد من علماء الأزهر والشخصيات العامة وأفراد أسرة الإمام الراحل، الذين استعادوا مواقف من حياته الإنسانية والعلمية، عكست تواضعه ونزاهته وكرمه، وحرصه على خدمة الناس ودعم الأزهر الشريف.

شهد الصالون، الذى عُقد بالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية شهادات استحضرت مواقف من حياة الإمام الراحل فى مواقع المسؤولية وخلال تعاملاته اليومية، وكشفت عن جوانب من شخصيته وعلاقته بتلاميذه ومحبيه وأسرته، فضلًا عن مواقفه فى دعم المؤسسات الدينية وخدمة المسلمين فى الداخل والخارج.

وأكد د. صلاح الجعفراوى، أن الإمام محمد سيد طنطاوى ترك بصمات واضحة فى مختلف أنحاء العالم، مشيرًا، إلى أنه زار أكثر من 76 دولة، ولاحظ بنفسه حجم المحبة والتقدير اللذين يحظى بهما الإمام الراحل كلما ذُكر اسمه، لما عُرف عنه من سماحة وعلم وأدب وتواضع وكرم أخلاق.

وقال: هناك مواقف عديدة فى حياة الإمام تستحق أن تُروى للأجيال الجديدة، لما تكشف عنه من نزاهة وزهد وحرص على خدمة الآخرين بعيدًا عن المكاسب الشخصية، مستشهدًا بموقف خلال إحدى زياراته الخارجية فى شهر رمضان، حين رفض الإمام الأكبر الحصول على مكافأة مالية تجاوزت ربع مليون جنيه وفقًا لروايته، وطلب إعادتها إلى الجهة التى خصصتها، ولما تعذر ذلك، طلب توزيعها على العاملين بدلًا من الاحتفاظ بها لنفسه.

وتطرق الجعفراوى، إلى جهود الإمام الراحل فى دعم تحفيظ القرآن الكريم، مشيرًا، إلى ما سمعه من الشيخ محمد بيومى أحد كبار محفظى القرآن الكريم فى صعيد مصر، بشأن انتشار مراكز التحفيظ والأماكن المخصصة لتعليم الأطفال كتاب الله فى المساجد والزوايا.

وأوضح، أنه زار عددًا من هذه الأماكن وشاهد مجموعات من الأطفال يتلقون دروس القرآن الكريم على أيدى المحفظين، معتبرًا، أن هذه الجهود تركت أثرًا ملموسًا فى المجتمع.

من جانبه، أكد د. محمد أبو هاشم -عضو مجمع البحوث الإسلامية- أنه كان نموذجًا فريدًا فى التواضع والكرم والعطاء، وحريصًا على قضاء حوائج الناس وتيسير أمورهم.

وأضاف، أن الإمام طنطاوى اعتاد فتح مكتبه أمام أصحاب الحاجات واستقبالهم عقب صلاة الظهر بمشيخة الأزهر، والعمل على تلبية مطالبهم، كما كان يهتم بأصدقائه وأسرهم خلال وجوده فى المدينة المنورة، ويحرص على توفير احتياجاتهم والاهتمام بأطفالهم.

وكشف أبو هاشم، أنه علم خلال إحدى جلسات المجلس الأعلى للأزهر بعد وفاة الإمام، بأنه كان يتبرع بالجوائز النقدية والمكافآت والبدلات المرتبطة بمنصبه شيخًا للأزهر لصالح بناء المعاهد الأزهرية، مكتفيًا براتبه أستاذًا جامعيًا، دون الإعلان عن ذلك أو السعى إلى إظهاره أمام الناس.

من جانبه، أكد حسن خليل -الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية- أن الإمام طنطاوى جمع بين العلم والفقه والورع، مستعيدًا لقائه الأول به عام 2003، حين رآه يؤدى صلاة الفجر فى مسجد بملابس بسيطة، بعيدًا عن مظاهر المنصب، فى مشهد ترك أثرًا عميقًا فى نفسه.

وقال: استقبلنى الإمام الراحل بعد الصلاة بكلمات طيبة وحثنى على الاجتهاد لتحقيق ما يتطلع إليه، مشيرًا، إلى أنه التحق بمشيخة الأزهر عام 2009 فى السنة الأخيرة من حياة الإمام.

وتناول خليل المسيرة العلمية للإمام، موضحًا، أنه تولى منصب مفتى الديار المصرية عام 1986، واستمر فيه حتى عام 1996، قبل أن يتولى مشيخة الأزهر حتى عام 2010.

كما أشار، إلى كتابه «بنو إسرائيل فى القرآن الكريم»، وأنه أحصى 7557 فتوى أصدرها الإمام خلال فترة عمله بدار الإفتاء، فضلًا عن التوسع الذى شهدته المعاهد الأزهرية خلال فترة توليه المشيخة، وفقًا لما ذكره.

من جانبه، استعاد السيد محمود الشريف -نقيب السادة الأشراف- مواقف جمعته بالإمام الراحل خلال توليه دار الإفتاء ثم مشيخة الأزهر، مؤكدًا، أنه كان يتعامل مع الناس بتواضع ودون تفرقة بين أصحاب المكانة الاجتماعية والبسطاء.

وأشار، إلى دور الإمام فى تيسير تخصيص قطعة أرض لنقابة السادة الأشراف لإقامة مقر لها، كما روى موقفًا حين طلب أحد البسطاء منه أن يكتب الإمام كتاب ابنته، فاستجاب طنطاوى للدعوة فى موقف عكس حرصه على جبر الخواطر وإدخال السرور إلى قلوب الناس.

كما أكد د. سامى الشريف -وزير الإعلام ورئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون الأسبق- أن الإمام طنطاوى أفنى نحو ربع قرن فى خدمة الإسلام من خلال توليه منصبى مفتى الديار المصرية وشيخ الأزهر، مشيرًا، إلى أن موسوعته «التفسير الوسيط» التى تقع فى 15 مجلدًا تمثل أحد أبرز إنجازاته العلمية.

وأوضح، أن الإمام الراحل عُرف بقدرته على مناقشة القضايا الشائكة وتفنيد الشبهات بالحجة والمنطق، لا سيما فى القضايا الاقتصادية والمعاملات المعاصرة، مشيرًا، إلى جهوده فى تعزيز الحوار بين الأديان وقيم العيش المشترك ودعم انتشار المعاهد الأزهرية.

واستعرض المستشار عمرو طنطاوى -نجل الإمام الراحل- عددًا من المواقف التى عكست نزاهة والده وحرصه على صون المال العام، مؤكدًا، أنه كان نقى القلب ويرفض التعميم فى الأحكام، وكان يتأثر بالإساءة إلى الدين أو إلى رموز الأزهر الشريف أكثر من تأثره بالأمور الشخصية.

وأوضح، أن والده كان يعيد بدل السفر الذى يحصل عليه إذا تكفلت الجهة المستضيفة بجميع احتياجاته خلال المهمة الرسمية، كما رفض الاستفادة من العلاج على نفقة الدولة عندما احتاج شقيقه أحمد إلى إجراء عملية جراحية فى عينه وأعاد المبلغ إلى وزارة الصحة، موجهًا، الشكر إلى الوزير آنذاك، مؤكدًا، أن هناك من هم أكثر احتياجًا إلى هذه الأموال.

وأضاف عمرو، أن الإمام الراحل اعتاد التبرع بالمكافآت والبدلات التى يحصل عليها مقابل حضور الاجتماعات وأداء المهام، مشيرًا، إلى أن إجمالى تبرعاته على مدار سنوات طويلة ربما بلغ ملايين الجنيهات، دون أن يعلم أفراد أسرته بجميع تفاصيلها نظرًا لحرصه على فعل الخير بعيدًا عن الإعلان أو انتظار الثناء.

من جانبهما، أكد حسن طنطاوى وعطية طنطاوى -شقيقا الإمام الراحل- أنه كان نموذجًا فى العطاء والاحتواء والاهتمام بأسرته، وكان يمثل لهم أبًا قبل أن يكون أخًا، إذ حرص على متابعة أحوالهم وتلبية احتياجاتهم رغم انشغاله بأعماله العلمية ومسؤولياته.

وقال عطية: إن الأسرة اعتادت الاجتماع بالإمام الراحل أسبوعيًا، وكان يستقبل أشقاءه بسعادة ويسأل كل واحد منهم عن أحواله وعمله وما يحتاج إليه.

وأشار المهندس حسن طنطاوى، إلى أن شقيقه كان يتمنى الدفن فى المدينة المنورة، موضحًا، أنه شارك فى أواخر فترة توليه مشيخة الأزهر فى تحكيم جائزة الملك فيصل، ثم وافته المنية فى مطار الرياض أثناء انتقاله من جدة إلى الرياض، قبل أن يُدفن فى البقيع بالمدينة المنورة.

واتفق المشاركين فى الصالون الثقافى، على أن الإمام الأكبر الراحل مثّل نموذجًا للعالم الذى جمع بين العلم والتواضع والنزاهة والكرم، وحرص على خدمة الناس وصون المال العام ودعم رسالة الأزهر الشريف، مؤكدين، أن مواقفه الإنسانية والعلمية وإسهاماته فى خدمة الإسلام والمسلمين داخل مصر وخارجها ستظل حاضرة فى ذاكرة محبيه وأسرته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »