
صدر حديثا كتاب “عراق على صفيح ساخن .. ذاكرة العراق فى شرق أوسط ملتهب” للكاتب الصحفى شيركو حبيب، ليكون متاحا لجمهور معرض القاهرة الدولى للكتاب خلال يناير المقبل.
الكتاب عن دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع فى 204 صفحات من القطع المتوسط، سطر مقدمته د. محمود زايد الخبير بشؤون الشرق الأوسط والمتخصص فى الشؤون الكردية.
وقال زايد: ليس من السهل على أى كاتب تناول شؤون العراق المعاصرة تنظيرا وتحليلاً وتفسيرا بالشكل الذى يعبر فيه بدقة وموضوعية عما يدور فى أروقة العراق المتنفذة والفاعلة، حلبة قضايا العراق هى الأكثر تعقيدا وشائكية فى دول المنطقة: انطلاقا وارتباطا بالظروف التى أسس عليها هذا البلد منذ أكثر من مائة عام، ومرورا بالسياسات التى تلاطمته وتلاطم هو بها، إضافة إلى الحروب الدموية الداخلية والخارجية التى تورط فيها بلا ناقة أو جمل غير دماره وتراجعه وتعدد وتباين ولاءاته بالصورة التى أثرت على كيانه، فتجرأت عليه قوى إقليمية وأخرى دولية نيلاً من سيادته واستقلاله ونهما لمقدراته وخيراته، وبالتالى لم يهنأ الشعب العراقى المعاصر بما يزخر به بلده من غنى فى الثروات وقدرة فى الطاقات بالقدر الذى استحوذت عليه تلك الدول الإقليمية والدولية بطرق مقننة وغير مقننة، وباتفاقيات مجحفة غير عادلة تسببت فيها بعض أنظمة الحاكمة ثمنا لكرسى حكمها، حتى وإن كان على حساب حقوق بعض مكوناته وترابه.
أضاف زايد،زهذا الكتاب يعد غوصا معرفيا وفكريا فى نحو سبعين مقالا تهدف إلى الأخذ بيد العراق نحو الطريق الصحيح من خلال رؤية المؤلف الذى نجح فى اختراق شائكية العراق المتشابكة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا خلال الخمس سنوات الماضية (2020-2025م)، ليس فقط لأن كاتبه من أصحاب الأقلام الفكرية الثاقبة، ولا باعتباره شخصية سياسية متمرسة، ولا لكونه أحد الذين اكتووا بنار تلك السياسات، فذاقوا مرارة اللجوء والتهجير والملاحقات، وإنما أيضًا لكون موضوعات الكتاب معبرة عما يدور فى الداخل العراقى بموضوعية دون تجميل أو تشويه، بمعنى أن المؤلف شيركو حبيب الصحفى الكردى – العراقى تمكن من الإلمام بمواطن الأمراض فى الداخل العراقى الساخن والمتأزم فى شرق أوسط ملتهب، ونجح فى تشخيص هذه الأمراض وتوصيفها ووضع حلول الإنقاذ لها بأسلوب سلس وممنهج وغير معقد، بما يجعل القارئ ينتقل من نقطة إلى أخرى ومن فكرة إلى أخرى تراتبيا وبنائيا دون انقطاع أو ملل أو غرابة، بصورة تأخذ القارئ إلى نافذة أمل تقول: إن للعراق مخرجا يبحث عمن يملك مفتاحه وأن له فجرا يبحث عمن يحمل مصباحه.
ومن أهم ما يؤكد عليه الكتاب، أن هناك إمكانية لإنقاذ العراق من مشكلاته الداخلية والخارجية مهما كانت صعبة ومهما كانت معقدة إذا توفرت الرغبة الصادقة بإعلاء المصالح العليا على المصالح الشخصية والحزبية والمذهبية والطائفية، إذا تم احترام مواد الدستور الذى توافق عليه الشعب العراقى فى استفتاء عام 2005، إذا كانت السيادة فيه للمواطن أيا كان عرقه أو دينه أو مذهبه، وإذا كان ولاه الجميع فيه للعراق الدولة، للعراق التاريخ والحضارة.
ويرى زايد، أن الكتاب يعزز فكرة وجود إمكانية لإنقاذ العراق من مشكلاته الداخلية والخارجية مهما كانت صعبة أو معقدة، إذا توفرت الرغبة الصادقة بإعلاء المصالح العليا على المصالح الشخصية والحزبية والمذهبية والطائفية، وتم احترام مواد الدستور الذى توافق عليه الشعب العراقى فى استفتاء 2005، وكانت السيادة فيه للمواطن أيا كان عرفه أو دينه أو مذهبه، وأصبح ولاء الجميع فيه للعراق الدولة والتاريخ والحضارة.
يحتوى الكتاب على كثير من الأمور التى تلفت الانتباه، وتجعلنا نقف كثيرا أمامها، بخاصة النظرة الموسوعية الواضحة للكاتب، ونجاحه فى تخطى حواجز الحدود السياسية والذهنية من الداخل العراقى والكردى إلى الرأى العام العربى والدولى، وبالتالى لا نستغرب أبدًا أن نجد كتابا أغلب ما فيه يتحدث عن شؤون العراق، وأكثر من ثلثى مادته تنشرها الصحف الكبرى وأبرزها “الأهرام” وهو أول كاتب عراقى وكردى يدخل قائمة كتابها المنتظمين.
وكأنه يدعو من هذا التوجه الرأى العام العربى عبر أهم منبر عربى وفكرى وهو مصر، إلى الاهتمام بالعراق ومساعدته فى خلق واقع ومستقبل مستقر له، فمنطقة الشرق الأوسط تكون قوية بعراق قوى، وكأن الكاتب يدعو العراق نفسه من ناحية أخرى إلى فتح باب جديد من العلاقات العراقية – العربية يكون أكثر رحابة فى مجالى التعاون والتكامل.
وفى تقديمه المؤلف، قال الكاتب الصحفى حسين متولى: لم تشهد الصحافة المصرية حضورًا منتظما لكاتب كردى على صفحاتها المطبوعة والإلكترونية بقلمه وعلمه وحديثه، مثلما جاء شيركو حبيب إليها بمعلومة ورأى وتصريح ونقد وتدقيق، زينت مقالاته كبريات الصحف المصرية منذ سنوات، ومثلت غزارة كتاباته فرصة للباحثين عن معلومة مؤكدة فى الشأن الكردى، وهو القريب من صناع القرار فى إقليم كردستان، وقادته كافة، واستخدم قلمه بمنهج متزن وحرفية شديدة، ركز بداية على تقديم أسباب التقارب والمصير والقدر المشتركين بين شعبى مصر وكردستان، وجذور وتاريخ العلاقات، وحضور الكرد إلى مصر قبل قرون، وذوبان عائلات بكاملها من هذا العرق النقى فى المجتمع المصرى بكافة طبقاته منذ وصول صلاح الدين الأيوبى إلى ما بعد العائلة البدرخانية، مركزا على المرحلة المعاصرة من تاريخ هذه العلاقات، والتى زرعت بذرتها بإطلاق أول صحيفة ناطقة بلغة الشعب الكردى عام 1898 من مصر وطبعها بدار الهلال، ثم استقبال الزعيم جمال عبد الناصر للزعيم الكردى ملا مصطفى بارزانى أوائل أكتوبر عام 1958.
أضاف حسين متولى، قدم حبيب من خلال كتاباته صورة واضحة للشعب الكردى وتاريخه وتكوينه وثقافته مركزا على قضيته مدافعا عن عدالتها بأدلة تزيل الشكوك فى حكوماته وتوجهاتها ومرادها، فتجده مشددًا على تمسك قادة كوردستان بالدستور العراقى والفيدرالية، معززا فكرة تمسك الكرد بوحدة العراق رغم كون حدوده السياسية قائمة وغيره من البلدان على أراضى كردستان بقسمة وحسبة قوى الاستعمار القديم، يصحح مسار المنحازين للماضى وتشوهاته.
وبالإشارة إلى واقع ما بعد 2005 وما يحتاجه العراق من توافق ونبذ للخلاف حتى ينطلق نحو المستقبل، يرفض التدخلات الخارجية فى الشأن الداخلى الوطنى يدحض مزاعم المشككين فى موقف الكرد من القضية الفلسطينية، فيؤكد دوما على حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته وعاصمتها القدس، ويسخر فى كتاباته من تشبيه المتطرفين سياسيا الإقليم بالكيان الصهيونى، أو وصف عاصمته أربيل بأنها تل أبيب الثانية.
ومع كل استحقاق انتخابى عراقى، يعاود شيركو حبيب الكتابة عن محنة البلد المستمرة منذ عقدين ومظاهرها صعوبة التوافق على تشكيل حكومة بناء على نتائج الانتخابات، وهى ظاهرة ممتدة لإقليم كردستان ذاته تعبر بوضوح عن محنة البيت الكردى وتباين توجهات الأحزاب والقوى الكردستانية رغم أحكام الديمقراطية القاطعة المستندة للصناديق وما أقرته وأملته إرادة المواطنين، محذرا دوما من حالة شقاق تهدد مستقبل البلد فى عالم متقلب ومنطقة ملتهبة منذ رسم خارطة الشرق الأوسط، الذى ظهر اصطلاحا للمرة الأولى على لسان ونستون تشرشل عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وتطور كمشروع ذو أبعاد وأهداف متعددة معقدة برؤية القطب الأوحد بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وتغير معه العراق كلية فى 9 أبريل عام 2003.
ونوه متولى، إلى تشخيص شيركو حبيب أزمة العراق فى تغييب الدستور، فهو يحدد أسبابا واضحة للخلافات غير الصحية بين بغداد وأربيل، ويقدم حلولاً عملية لها، تنطلق من رؤية واضحة لقادة كردستان نحو ضرورة التوافق، وأولهم الزعيم مسعود بارزانى رئيس الحزب الديمقراطى وفقيه الكرد، الحاضرة رؤيته فى كافة جولات الحوار العراقية، ولا تفوت كتاباته تعريف مطالعها بمرجعية الكرد المعاصرة ملا مصطفى بارزانى، مؤسس الحزب وأول من رفع معه شعار «الديمقراطية للعراق»، لتكون مطلبًا لكافة فئاته وطبقاته التى تحالفت مع ثورات الكرد اللاحقة ضد ديكتاتوريات متعاقبة، مذيلاً كتاباته بإشارات قوية لتضحيات الكرد التى تجاوزت حالات الثورة إلى جرائم أنظمة بحقهم، وصولاً إلى المواجهات المباشرة للبيشمركة مع تنظيم داعش منذ العام 2014، بالشراكة مع الجيش العراقى، وحل وباء كورونا بعد خطر الإرهاب، ليمثل تحديا جديدا الحكومة الإقليم، التى خصص شيركو حبيب مقالات مهمة للحديث عن دورها وإنجازاتها، وما تحقق فى كردستان من إصلاحات وتنمية جعلت من الإقليم واحة للاستقرار وملجأ لمئات الآلاف من الأعراق الأخرى خلال الأزمات، بجانب تطور تشريعاته الاقتصادية ليكون جاذبا للاستثمار الذى تشرح مقالات حبيب فرصه للمصريين والعرب، مثلما تنقل تحديثات عن تطور مكانة أربيل لدى البعثات الدبلوماسية العربية والأجنبية، وكانت مصر أولى الدول العربية التى تفتح قنصلية لها هناك.