سفير كوبا بالقاهرة يستعرض تأثير الحصار الأمريكى المفروض على بلاده

 

أكد سفير كوبا بالقاهرة ألكسندر بييسير، ضرورة إنهاء الحصار الاقتصادى والتجارى والمالى الذى تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على كوبا، والذى اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة فى 29 أكتوبر 2025.

وقال السفير فى مؤتمر صحفى: خلال الفترة من 1 مارس 2025 إلى 28 فبراير 2026، ألحق الحصار بكوبا أضرارًا قياسية بلغت 8,083,300,000 دولار أمريكى، بزيادة قدرها 7% عن الرقم المرتفع أصلًا الوارد فى التقرير السابق.

حيث بلغت الأضرار التراكمية الناجمة عن الحصار على مر السنين 178,700,500,000 دولار أمريكى بالأسعار الجارية، بزيادة قدرها 4.7% عن الرقم المعلن سابقًا.

وعند احتساب الارتفاع الحاد فى سعر الذهب مقابل الدولار، يصل الإجمالى التراكمى إلى 3,896,505,000,000 دولار أمريكى.

ولولا الحصار، لكان الناتج المحلى الإجمالى لكوبا بالأسعار الجارية فى عام 2025 أعلى بنسبة 10.8% من القيمة المقدرة لذلك العام.

وتابع السفير: ليس حجم هذه الأضرار الهائل أمرًا مستغربًا، حيث صرّح الرئيس ترامب فى 8 يناير 2026 عند حديثه عن سياسة حكومته تجاه كوبا، قائلاً: لا أعتقد أنه يمكن ممارسة المزيد من الضغوط، إلا بالتدخل وسحق البلد.

وبعد أكثر من 60 عامًا من التطبيق الصارم، لا يزال هدف الحصار كما هو: إسقاط الثورة الكوبية، وتحقيقًا لهذه الغاية يجرى خلق أوجه النقص، وتقويض النسيج الاجتماعى والإنتاجى لكوبا، ومحاولة عزل كوبا، على أمل أن يتخلى الكوبيين عن إصرارهم على تقرير مستقبلهم بأنفسهم.

وأضاف السفير، لا يعبّر أى تصريح عن غاية الحصار بوضوح مثلما تفعل مذكرة ليستر مالورى وكيل وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك، المؤرخة فى 6 أبريل 1960، إذ جاء فيها: ينبغى اتخاذ كل الوسائل الممكنة على وجه السرعة لإضعاف الحياة الاقتصادية فى كوبا واعتماد نهج عمل يتسم قدر الإمكان بالحنكة وعدم لفت الأنظار، ويُحدث أكبر أثر ممكن فى حرمان كوبا من الأموال والإمدادات، وخفض الأجور النقدية والفعلية، والتسبب فى الجوع واليأس وإسقاط الحكومة.

حيث كثّفت الحكومة الأمريكية خلال العام الماضى جهودها لخنق الثورة الكوبية وعزلها، وفى هذا السياق، أُدرج فرض حصار على إمدادات الطاقة إلى كوبا، إلى جانب تطبيق منظومة واسعة من العقوبات الثانوية التى تستهدف أى جهة أجنبية تستثمر فى المؤسسات الكوبية أو تتعامل معها، ضمن أدوات ممارسة أقصى درجات الضغط.

وتتفاقم هذه الآثار بسبب إدراج كوبا دون مبرر فى القائمة الأحادية الجانب والتعسفية والمفبركة التى تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية للدول التى يُزعم أنها ترعى الإرهاب، فضلًا عن الملاحقة المالية العدوانية والتطبيق الصارم للقوانين التى تقنّن الحصار، وفى مقدمتها قانون هيلمز-بيرتون.

ومن المؤشرات الأخرى على تصاعد عدوانية الولايات المتحدة لجوؤها المتهور والخطير إلى خطاب متزايد التهديد يمسّ سيادة كوبا وسلامة أراضيها.

ومع تشديد الحصار إلى مستويات غير مسبوقة، وتصاعد العدوان الأمريكى على كوبا بصورة مطردة ومتعمدة ومتعددة الأبعاد، عانى الشعب الكوبى تراجعًا حادًا فى مستوى معيشته وأضرارًا إنسانية لا يمكن تقدير حجمها.

وتابع السفير: منذ مطلع عام 2026 اتسمت الحياة اليومية بشبه انعدام للوقود، وانقطاعات طويلة ومؤلمة للكهرباء، واضطرابات واسعة فى شبكة الكهرباء الوطنية، وانقطاعات متكررة فى إمدادات المياه، وصعوبات جسيمة فى جمع النفايات الصلبة، ونقص مستمر فى الأغذية والأدوية، ويظل الحصار السبب المشترك الكامن وراء كل هذه المعاناة.

فى 29 يناير 2026، صعد الحصار الأمريكى إلى مستويات غير مسبوقة بفرض حصار رسمى على إمدادات الطاقة إلى كوبا.

فى ذلك اليوم، وقّع الرئيس الأمريكى الأمر التنفيذى رقم 14380، الذى أجاز فرض رسوم جمركية إضافية على الواردات من أى دولة تبيع النفط لكوبا أو تورده إليها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وجرى تبرير هذا الإجراء بالإدعاء أن كوبا تشكّل «تهديدًا غير معتاد واستثنائيًا» للأمن القومى الأمريكى ولسياسة الولايات المتحدة الخارجية.

يذكر، أن المحكمة العليا الأمريكية قضت بعد أسابيع قليلة بأن الرئيس لا يملك صلاحية قانونية لفرض رسوم جمركية دون موافقة الكونجرس، وأبطلت جميع الرسوم التى فرضها الرئيس ترامب على بلدان مختلفة.

لكن التهديد المستمر باستخدام القوة فى حالة كوبا، بما فى ذلك اعتراض ناقلات النفط، ومناخ الخوف الناجم عن احتمال اللجوء إلى تدابير قسرية أخرى، أدّيا إلى فرض حصار شبه كامل على إمدادات الوقود إلى الجزيرة.

ونتيجة لهذه الضغوط، لم تصل إلى كوبا خلال النصف الأول من عام 2026 سوى ناقلة واحدة من الاتحاد الروسى، وكانت تحمل مساعدات إنسانية.

ووفّرت حمولتها البالغة 100 ألف طن من النفط الخام قدرًا من التخفيف، وشكّلت بادرة تضامن واضحة، لكنها لم تغطِّ إلا جزءًا ضئيلاً من احتياجات كوبا من الطاقة.

وبحلول نهاية مايو 2026، بلغ عجز البلاد من الوقود 2,667,800 طن مقارنة بالكميات التى كان من المقرر توافرها.

وأفرزت هذه المحنة التوتر والضيق والمشقة والقلق العميق بين السكان، وهى آثار تتوافق مع الأهداف المحددة فى مذكرة ليستر د. مالورى الصادرة عام 1960.

وبسبب الحصار على إمدادات الطاقة، تفاقم عجز الكهرباء فى كوبا بصورة كبيرة خلال عام 2026.

وفى القطاع الاقتصادى، لم يتحقق سوى 54.6% من خطة كانت تعانى أصلًا من نقص، أما القطاع السكنى بلغت نسبة التنفيذ 83%، ما يعنى أن الأسر فى أنحاء الجزيرة واجهت انقطاعات للكهرباء تجاوز متوسطها 20 ساعة.

وقال السفير: يمثل فرض الحصار على إمدادات الطاقة تصعيدًا لسياسة الولايات المتحدة الرامية إلى ملاحقة إمدادات الوقود إلى كوبا، وهى سياسة بدأت فى يوليو 2019، ثم توسعت لتشمل اعتراض شحنات النفط الفنزويلية بصورة غير قانونية منذ أواخر عام 2025.

وأدت الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى شلّ منظومة الكهرباء الوطنية فى كوبا إلى تراجع إنتاج محطات التوليد الحرارى فى عام 2025 إلى 7,789 ميغاواط ساعة فقط، أى بانخفاض قدره 1,046.6 ميغاواط ساعة مقارنة بعام 2024، حين بلغ الإنتاج باستخدام هذه التقنيات 8,836 ميغاواط ساعة.

وتفيد تقارير شركة الاتحاد الكهربائى (Unión Eléctrica) بأن القيود حالت دون تنفيذ أعمال الصيانة الجزئية والممتدة والرئيسية لوحدات التوليد الحرارى فى البلاد، ما أبقى 11 وحدة من أصل 15 خارج دورة الصيانة الشاملة.

وأكد السفير، أن هذا الحصار على إمدادات الطاقة مقترنًا بالتدابير الإضافية المتطرفة لتصعيده، يشكّل عملاً من أعمال الإبادة الجماعية، وعقابًا جماعيًا للشعب الكوبى، وانتهاكًا جسيمًا للقانون الدولى والقانون الدولى لحقوق الإنسان، بل وحتى القانون الدولى الإنسانى، رغم عدم وجود حالة حرب تقليدية بين الولايات المتحدة وكوبا.

وفضلاً عن ذلك، ينتهك الأمر التنفيذى الصادر فى 29 يناير 2026 الحقوق السيادية للدول الثالثة، ولا سيما فى علاقاتها التجارية، من خلال تهديدها بتدابير قسرية ثانوية إذا ما زوّدت كوبا بالوقود، ويبرز ذلك الطابع خارج الإقليم لهذه السياسة، ويؤكد أن الحصار ليس مسألة ثنائية، خلافًا لما تدعيه الولايات المتحدة.

كما يخالف الأمر التنفيذى المذكور مبادئ التجارة الحرة والملاحة، ويتعارض مع قواعد منظمة التجارة العالمية.

فهو يشكل عائقًا واضحًا وغير قانونى أمام تجارة كوبا فى الوقود مع شركائها ومورديها، وبذلك تحاول الولايات المتحدة إملاء الدول ذات السيادة وتحديد الجهات التى يجوز لها، أو لا يجوز لها، تبادل مواردها الطبيعية معها.

ويكشف التدقيق عن مجموعة من الانتهاكات الجسيمة والأكثر تحديدًا للقانون الدولى، وفى مقدمتها انتهاك مبدأ عدم التمييز، وهو أحد الركائز الأساسية لمنظمة التجارة العالمية.

وأدى الأثر الرادع لهذا الأمر التنفيذى عمليًا إلى إخراج كوبا من سلسلة الإمداد العالمية بالوقود، وهو وضع لا يمكن وصفه إلا بأنه غير قانونى وتمييزى.

وإلى جانب عدم قانونيته، يتسم الحصار على إمدادات الطاقة بنفاق صارخ، ففى الوقت الذى تضغط فيه الحكومة الأمريكية على الدول الثالثة كى تمتنع عن توريد الوقود إلى كوبا وتحرم المؤسسات العامة من إمكانية شرائه، تحتفظ لنفسها بحق السماح للشركات الأمريكية بتصدير الوقود حصرًا إلى القطاع غير الحكومى فى كوبا وإلى السفارات الأجنبية فى الجزيرة.

وتهدف الحكومة الأمريكية بذلك إلى منع وصول الوقود الضرورى لتشغيل شبكة الكهرباء الوطنية، وتوفير مياه الشرب، والخدمات الصحية، والنقل العام، والاتصالات، والمؤسسات التعليمية، والخدمات المجتمعية، وسائر مجالات الحياة الاجتماعية المرتبطة بالدولة الكوبية.

وفى هذا السياق، أعلنت شركة مياه هافانا (Aguas de La Habana) فى 19 يونيو 2026 أنه سيتعين إطالة الفواصل الزمنية بين دورات توزيع المياه على سكان العاصمة أكثر من ذى قبل، نتيجة الضغط على مصادر المياه الناجم عن نقص الطاقة، الذى يعود بدوره إلى عجز الوقود.

وتكشف أمثلة لا حصر لها عن الواقع القاسى الذى يعيشه آلاف العمال الكوبيين، ولا سيما العاملين فى القطاع غير الحكومى، منذ فرض الحصار النفطى.

حيث اضطر سائقو سيارات الأجرة إلى التوقف عن العمل بسبب نقص الوقود، كما تُرك الحرفيين وأصحاب المنازل المؤجرة والحانات والمطاعم تقريبًا بلا زبائن، مع تراجع الرحلات الجوية الدولية، وبالتالى أعداد السياح، بسبب عجز كوبا عن الحصول على وقود الطائرات.

وعلى نطاق أوسع، تضررت جميع المشروعات الصغيرة، إذ إنها لا تستطيع تحمل تكلفة استيراد الوقود بنفسها، فظلت رهينة منظومة الطاقة الوطنية المتضررة بشدة، وتعانى انقطاعات مستمرة وهى تحاول الإبقاء على أنشطتها.

ولا تقتصر العواقب على الخسائر الاقتصادية التى يتكبدها القطاع غير الحكومى فى كوبا، إذ تكمن فى جوهرها معاناة الأسر التى ترى مصادر رزقها تتقلص.

وأضاف السفير، بلغ الحصار على إمدادات الطاقة درجة من الشمول جعلت تجاهله مستحيلاً، حتى بالنسبة لوسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية وكبار المسؤولين فى الحكومة الأمريكية، الذين تفاخروا مرارًا بالقول إن كوبا لا تملك النفط، وإنها لذلك على وشك الانهيار.

وفى مجال الرعاية الصحية، يضرب الحصار على إمدادات الطاقة صميم فرص المرضى فى البقاء على قيد الحياة، ويكشف طبيعته القاسية والإبادية.

حيث أدت القيود المفروضة على الطاقة ونقص الموارد بسبب الحصار إلى تقويض عمل المستشفيات بشدة.

ويبلغ عدد المرضى المدرجين حاليًا على قوائم انتظار العمليات الجراحية فى كوبا 100 ألف مريض، من بينهم 12 ألف طفل.

ومع استمرار الحصار على إمدادات الطاقة، يزداد العدد، إذ يضطر النظام الصحى إلى تأجيل الإجراءات غير العاجلة للحفاظ على قدرته على إجراء عمليات الأورام وغيرها من الجراحات التى تتوقف عليها حياة المرضى.

فى الوقت نفسه، أدى نقص الوقود إلى تعطيل النقل المبرد، ما حال دون حصول أكثر من 30 ألف طفل على لقاحاتهم فى مواعيدها المحددة، رغم وجود الجرعات جاهزة فى المستودعات الوطنية.

كما تضرر 2,888 مريضًا يعتمدون على غسيل الكلى، وهو علاج يتطلب إمدادًا مستمرًا بالطاقة بات من شبه المستحيل تأمينه.

فى السياق نفسه، حذّر المنسق المقيم لمنظومة الأمم المتحدة فى كوبا من أن 32 ألف إمرأة حامل معرضات للخطر بسبب عدم استقرار إمكانية الوصول إلى خدمات الرعاية السابقة للولادة.

ويتجلى الطابع الإبادى للحصار بوضوح فى تراجع معدلات النجاة من السرطان فى كوبا، حيث ارتفع عدد الوفيات الناجمة عن السرطان ارتفاعًا ملحوظًا، متجاوزًا 70 وفاة يوميًا.

أما فى قطاع التعليم، حدّ نقص الوقود من نقل الطلاب والمعلمين فى أنحاء البلاد، الذين يشكلون نحو 30% من إجمالى الملتحقين بالتعليم، وأخلّ هذا النقص بسير عمليتى التعليم والتعلم، وعطّل الأنشطة اللامنهجية المخطط لها، وأربك جداول المؤسسات، وقلّص مستوى الاهتمام الفردى الذى كان يتلقاه الطلاب.

وفى التعليم العالى، كان لابد من تحويل الفصل الدراسى الأول من عام 2026 إلى نظام الدراسة عن بُعد بالكامل، الأمر الذى أثر فى التفاعل بين المعلمين والطلاب.

ولا يزال التعليم الخاص يواجه صعوبات كبيرة، على الرغم من جهود المؤسسات العاملة فى هذا القطاع لدعم الطلاب وأسرهم.

كما يؤثر عدم استقرار الكهرباء فى الروتين المدرسى، حيث تحتاج الفصول الدراسية إلى إضاءة مناسبة، وخلال الانقطاعات تُنقل الحصص إلى الساحات أو الممرات.

وتأثر أيضًا الإنتاج الغذائى بشدة جراء الحصار على إمدادات الطاقة، فى الموسم الزراعى الشتوى الذى انتهى فى مطلع عام 2026، لم يتجاوز متوسط الرى ساعتين يوميًا، من أصل 16 ساعة مطلوبة عادة، ما أخلّ بالدورات الزراعية وخفّض المحاصيل، وكل ذلك بسبب نقص الوقود.

وفى الوقت نفسه، أفاد فريق الأمم المتحدة القطرى فى كوبا بوجود نحو 20 ألف طن من المواد الغذائية المخزنة مسبقًا فى المستودعات الوطنية، إلا أن توزيعها على المجتمعات المحلية الأكثر ضعفًا تباطأ بشدة بسبب عجز الوقود.

وفى مجال النقل الجوى، كان العثور على بدائل أكثر صعوبة بكثير بسبب استحالة الحصول على أنواع الوقود المطلوبة.

وبعد أيام قليلة فقط من الإعلان عن الأمر التنفيذى الصادر في 29 يناير، اضطرت هيئة الطيران المدنى الكوبية إلى إعلان تعذر توفير وقود الطائرات (Jet A-1) فى المطارات الكوبية.

وكأن التدابير المذكورة آنفًا لم تكن عقابًا كافيًا للشعب الكوبى، حيث قررت الحكومة الأمريكية زيادة ضغوطها على كوبا بإصدار أمر تنفيذى آخر هو الأمر رقم 14404، فى 1 مايو 2026، مستندة إلى الرواية الزائفة التى تزعم وجود «تهديد غير معتاد واستثنائى تشكله كوبا للأمن القومى للولايات المتحدة»، وهى العبارة الواردة فى الأمر التنفيذى الصادر فى 29 يناير 2026.

ويفاقم الأمر التنفيذى الصادر فى 1 مايو الطابع خارج الإقليم للحصار المفروض على كوبا، إذ يجيز تجميد الأصول وتقييد عمليات أى شخص أو كيان أجنبى يعمل فى قطاعات تعد استراتيجية للاقتصاد الكوبى، وهى تحديدًا الطاقة والتعدين والتمويل والأمن والدفاع.

كما يجيز فرض عقوبات على من يقدم دعمًا ماليًا أو ماديًا أو تكنولوجيًا أو لوجستيًا للحكومة الكوبية أو للدولة الكوبية.

وينص الأمر التنفيذى الصادر في 1 مايو أيضًا على فرض قيود على الهجرة والدخول إلى الولايات المتحدة بحق الأفراد الذين ترى الحكومة الأمريكية أنهم قدموا دعمًا ماديًا للدولة الكوبية.

ومن الواضح، أن هذا الإجراء يمثل أداة أخرى للردع والترهيب، تهدف إلى ثنى الأطراف الثالثة عن التعامل مع كوبا، وبسبب مخاوف مماثلة، أعلنت عدة شركات طيران تعليق عملياتها مع كوبا.

وفيما يتصل بهذه التطورات، أفادت وكالات الأمم المتحدة فى كوبا بأن انقطاع خدمات النقل البحرى عرقل إيصال أكثر من 2,900 طن مترى من المساعدات الغذائية الإنسانية التى سبق التعاقد عليها.

كما تأثرت سبع شحنات حيوية تبلغ قيمتها 630 ألف دولار، وتضم مجموعات مستلزمات طبية للطوارئ، ومستلزمات لحديثى الولادة، ودعمًا غذائيًا للحوامل والمرضعات، ومعدات لمعالجة المياه، ومستلزمات النظافة الصحية أثناء الدورة الشهرية.

وأدى الأمر التنفيذى رقم 14404 أيضًا إلى تعليق الخدمات المالية التى كانت المؤسسات المصرفية تقدمها لكوبا لتنفيذ معاملاتها الدولية.

وأصبح إجراء المدفوعات عبر «فيزا» و«ماستركارد» متعذرًا فى الجزيرة، بعد أن رفضت البنوك المراسلة لكوبا مواصلة هذه العلاقة بسبب المخاطر التى تتعرض لها فى تعاملها مع الولايات المتحدة.

ومن ناحية أخرى، استهدفت الحملة التى أطلقتها السلطات الأمريكية بعد إصدار الأمر التنفيذى رقم 14404 صراحةً تفكيك قطاع الفنادق فى كوبا، نظرًا إلى أهمية السياحة باعتبارها أحد الأنشطة الاقتصادية الرئيسية فى البلاد.

وفى مطلع يونيو 2026، انسحبت عدة سلاسل فندقية دولية كبرى تعمل فى كوبا من اتفاقيات إدارة عشرات الفنادق فى البلاد، خشية تعرض أصولها وحساباتها المصرفية فى الولايات المتحدة لإجراءات انتقامية.

وبموجب الأمر التنفيذى الصادر فى 1 مايو، شنت وزارتا الخارجية والخزانة الأمريكيتان حملة ملاحقة واسعة النطاق ضد كل من له أعمال أو صلات بكوبا.

وفى قطاع الطاقة، ولإزالة أى شك بشأن اتساع نطاق الحصار، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة النفط الحكومية الكوبية «أونيون كوبا-بتروليئو» (CUPET) فى 11 يونيو 2026 بموجب الأمر رقم 14404.

شكّل تنفيذ قانون هيلمز-بيرتون، ولا سيما الباب الثالث منه، إلى جانب الملاحقة المالية الناجمة عن إدراج كوبا تعسفيًا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، أداتين رئيسيتين فى سياسة ممارسة أقصى الضغوط على كوبا وتعزيز الحصار منذ عام 2019.

بموجب الباب الثالث من قانون هيلمز-بيرتون، يجوز للمحاكم الأمريكية النظر فى دعاوى ضد أى فرد أو شركة لها صلة بعقارات أمّمتها الحكومة الكوبية.

وبحلول نهاية مارس 2026، رُفعت 46 دعوى بموجب الباب الثالث من قانون هيلمز-بيرتون، لا تزال 24 منها قيد النظر.

وتشمل القطاعات الرئيسية المستهدفة بهذه الدعاوى: السياحة والشحن والتعدين والبناء وتوريد الوقود وتوزيعه وشركات الطيران والزراعة.

كما واجهت بعثات دبلوماسية كوبية عديدة فى مناطق مختلفة عقبات كبيرة مع المؤسسات المصرفية التى اعتادت تقديم الخدمات لها.

وأضعف هذا التعطيل قدرتها التشغيلية واستدامتها المالية، بما فى ذلك معالجة المدفوعات المتعلقة بالخدمات القنصلية.

وبالتوازى مع ذلك، استُخدم تصنيف كوبا التعسفى باعتبارها دولة راعية للإرهاب مبررًا لرفض منح تصريح السفر الإلكترونى الأمريكى (ESTA) لمواطنى بلدان مؤهلة للحصول عليه لولا أنهم سبق أن زاروا الجزيرة.

ويفيد مكتب مؤرخ هافانا بحدوث تراجع ملحوظ فى الاستثمارات الخاصة بمناطق الترميم ذات الأولوية نتيجة انحسار السياحة، الأمر الذى أدى إلى انخفاض النشاط الاقتصادى فى المناطق التراثية بالمدينة.

وعلى النقيض من ذلك، تُظهر بيانات المكتب أن الاستثمارات الخاصة فى الأنشطة المرتبطة بالسياحة، مثل الإقامة والمطاعم والترفيه، شهدت طفرة فى السنوات الأخيرة من إدارة الرئيس أوباما.

وأسهمت هذه الموجة الاستثمارية فى ازدهار ملحوظ لأعمال ترميم العقارات فى المركز التاريخى لهافانا.

كما شهد قطاع البناء تراجعًا حادًا، فى عام 2025 سجلت صناعة الأسمنت الوطنية ثانى أدنى مستوى لإنتاجها منذ انتصار الثورة عام 1959.

وقيد هذا التراجع مباشرةً تنفيذ برامج البنية التحتية العامة، التى انخفضت معدلات إنجازها بشكل ملحوظ، إذ بلغت نسبة تنفيذ البرنامج الوطنى للطرق 43%، وإصلاح المطارات 58%، والموارد المائية 64%، والإسكان 53%.

وأيضًا حال تصنيف كوبا باعتبارها دولة راعية للإرهاب دون مشاركة الفنانين الكوبيين فى مبادرات التبادل الثقافى التى ترعاها مؤسسات أمريكية.

كما تزايدت التحديات التى تواجه الاستثمار والحصول على الإمدادات الأساسية للقطاع الزراعى الوطنى.

من جانبها، واصلت الدول الأفريقية إظهار تضامن ثابت مع كوبا، فى فبراير 2026، اعتمدت جمعية الاتحاد الأفريقى للمرة السابعة عشرة على التوالى، قرارًا يدين الحصار الأمريكى المفروض على كوبا.

كما شهدت آسيا وأوقيانوسيا أيضًا بيانات رسمية وتحركات شعبية، حيث طالبت الصين وفيتنام عبر أعلى مؤسسات الدولة والحكومة، بإنهاء التدابير القسرية ورفضتا إدراج كوبا العقابى على قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وفى أستراليا ونيوزيلندا واليابان والهند وتيمور الشرقية، نظمت الأحزاب السياسية وجمعيات التضامن والنقابات حملات لجمع التوقيعات واعتمدت قرارات داعمة لكوبا.

وفى أوروبا، كان رفض الحصار بارزًا بالقدر نفسه فمن المناشدات الرسمية الصادرة عن مجلس الدوما الروسى ومجلس الاتحاد، إلى التصريحات داخل البرلمان الأوروبى والمذكرات التى حظيت بتأييد واسع فى المملكة المتحدة، كانت الرسالة واضحة: لا بد من إنهاء الحصار.

كما أصدرت هيئات سياسية فى فرنسا وبلجيكا وأيرلندا وإسبانيا والنمسا وكرواتيا وبولندا وبيلاروسيا ولوكسمبورج بيانات أو اتخذت مبادرات تؤكد عدم قانونية الحصار وآثاره الإنسانية.

وانعكس هذا الدعم فى التأييد الساحق لأحدث قرار قدمته كوبا ضد الحصار إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 29 أكتوبر 2025، إذ صوّت 165 دولة عضوًا لصالح إنهاء هذه السياسة البالية والإجرامية.

يذكر، أن 43 من القادة أثاروا مسألة إنهاء الحصار خلال المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة الثمانين للجمعية العامة فى سبتمبر 2025، لتكون من أبرز الموضوعات التى تناولتها المداولات.

وعلى الصعيد العالمى، اضطلع المجتمع المدنى بدور محورى فى التنديد بالحصار، إذ نظمت منظمات التضامن وجمعيات الصداقة والشبكات الطبية والمنظمات غير الحكومية حملات لجمع التوقيعات والتبرعات وتحركات علنية لتسليط الضوء على الأثر الإنسانى للحصار المفروض على كوبا.

واعتمدت النقابات العمالية والروابط المهنية ومجموعات الشباب السياسية فى بلدان متعددة قرارات ونظمت مظاهرات أمام السفارات، مؤكدةً، أن الاحتجاج على الحصار يتجاوز المنتديات الدبلوماسية ويصل إلى الشوارع والمدن فى أنحاء العالم.

وكانت «قافلة نوسترا أمريكا» (Nuestra América Convoy) مظهرًا بارزًا للتضامن الدولي مع كوبا، إذ سافرت إلى الجزيرة وفود تضم العديد من منظمات التضامن والنقابات والمجموعات الطلابية والثقافية، للتعبير مباشرةً عن رفضها للحصار وتقديم الدعم المادى والمعنوى.

وعلى الرغم من الظروف المعاكسة التى يعرضها هذا التقرير، لم تبقَ كوبا معزولة، فما زالت الغالبية العظمى من المجتمع الدولى والفاعلين السياسيين العالميين ومنظمات المجتمع المدنى والشخصيات البارزة تعرب عن تضامنها مع الجزيرة.

وأكد السفير، أن قدرة الشعب الكوبى سوف تظل على مواجهة هذا الحصار القاسى مصدرًا للإعجاب فى جميع أنحاء العالم.

“آثار الحصار على كوبا”

الملحق: التقييم الكمى لآثار الحصار على القطاعات الكوبية، من 1 مارس 2025 إلى 28 فبراير 2026.

الصحة: بلغت الخسائر الاقتصادية 367,303,500 دولار أمريكى.

التعليم: أفادت وزارة التعليم الكوبية بخسائر بلغت 73,799,500 دولار أمريكى خلال الفترة قيد الاستعراض.

أما وزارة التعليم العالى، أفادت بأضرار بلغت 24,207,000 دولار أمريكى.

الإنتاج الغذائى: أفادت مجموعات الأعمال الزراعية بأن الخسائر الناجمة عن الحصار بلغت 848,088,919 دولارًا أمريكيًا.

الرياضة: بلغ إجمالى الأضرار المبلغ عنها 36,271,620 دولارًا أمريكيًا.

الثقافة: بلغت الخسائر فى هذا القطاع 435,523,400 دولار أمريكى.

التكنولوجيا الحيوية: أفادت مجموعة الصناعات البيوتكنولوجية والدوائية الكوبية (BIOCUBAFARMA) بأن الخسائر الناجمة عن الحصار بلغت 134,378,690 دولارًا أمريكيًا.

السياحة: قُدّرت الأضرار بمبلغ 2,093,914,700 دولار أمريكى.

قطاع الكهرباء والطاقة: بلغت الخسائر المسجلة فى هذا المجال 802,352,780 دولارًا أمريكيًا.

الاتصالات: بلغت الخسائر المسجلة فى هذا المجال 135,427,300 دولار أمريكى.

النقل: بلغ إجمالى الخسائر 202,010,740 دولارًا أمريكيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »