زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة المحتلة والموقف المغربي المطلوب: بين ثوابت السيادة وتقلبات الجغرافيا السياسية

 

إن زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة يوم 13 أكتوبر 2026، على أن تشمل مليلية يوم 14 أكتوبر، ليست مجرد نشاط بروتوكولي معزول عن سياقه السياسي والإقليمي. فهي تأتي في ظرف تتداخل فيه أزمة الهجرة، وحساسية ملف السيادة، وتوازنات العلاقات المغربية الإسبانية، وتنافس المصالح في غرب المتوسط، فضلاً عن التحولات التي تعرفها العلاقات الدولية. وقد أعلنت المؤسسة الملكية الإسبانية أن الزيارة تروم التعبير عن دعم التاج الإسباني لمؤسسات المدينتين وساكنتهما.

ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بكيفية استقبال المغرب لهذه الزيارة، بل بكيفية قراءتها ضمن رؤية استراتيجية شاملة: ما الذي يتغير في البيئة المحيطة بالمغرب؟ وما الذي ينبغي أن يظل ثابتاً في عقيدته الدبلوماسية؟ وكيف يمكن تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص لتعزيز القوة الذاتية، دون الانزلاق إلى ردود فعل انفعالية أو رهانات على تحالفات قد تتغير بتغير المصالح؟

ليست الجغرافيا السياسية مجرد خرائط وحدود وممرات بحرية، بل هي ذاكرة تاريخية، ومجال للمصالح، ومصدر للقوة، وأحياناً بؤرة للنزاع. وما يمنح الموقع الجغرافي قيمته الاستراتيجية ليس موقعه وحده، وإنما قدرة الدولة على فهمه، وحماية مصالحها فيه، وتدبير علاقاتها مع القوى المحيطة به.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة عن موقع المدينة في الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، ولا عن علاقات مدريد بالرباط والجزائر والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل، ولا عن التحولات التي تعرفها منطقة غرب المتوسط وشمال إفريقيا.

إن السياسة بطبيعتها متغيرة، والتحالفات تتبدل بتبدل المصالح، والشراكات تخضع لموازين القوة والظروف الدولية. أما المصالح السيادية للدول، فتحتاج إلى الاستمرارية والوضوح والقدرة على التكيف. ولذلك، فإن الرهان المغربي لا ينبغي أن ينحصر في تسجيل موقف من زيارة ملكية إسبانية، بل في بناء تصور استراتيجي يحدد الثوابت، ويستوعب المتغيرات، ويمنع اختزال قضايا الوطن في حسابات ظرفية.

تأتي الزيارة الملكية الإسبانية يومي 13 و14 أكتوبر 2026 إلى سبتة ومليلية في سياق حساس، بعد أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة خلال شهر يوليوز، وما رافقها من تبادل للاتهامات بشأن تدبير الحدود والتعاون الأمني والهجرة غير النظامية. وقد أكدت الحكومة الإسبانية تمسكها بسيادتها على المدينتين، في حين أثار الخطاب المغربي الرسمي مسألة حدود التعاون مع إسبانيا ورفض إخضاعه للتهديد أو الابتزاز السياسي.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة: الزيارة بوصفها نشاطاً مؤسساتياً إسبانياً، والرسالة السياسية التي يمكن أن تحملها في ملف السيادة، والسياق الإقليمي والدولي الذي يمنحها أبعاداً تتجاوز حدود المدينتين.

فليس من الدقة اعتبار كل تحرك إسباني دليلاً على وجود تنسيق دولي موجّه ضد المغرب، كما ليس من الحكمة التعامل مع الأحداث وكأنها منفصلة عن مصالح الدول وحساباتها الاستراتيجية.

المطلوب إذن هو قراءة هادئة، تستند إلى المعطيات المتاحة، وتفصل بين الوقائع والتقديرات، وبين المصالح المعلنة والفرضيات التي تحتاج إلى أدلة، من دون التفريط في ثوابت السيادة الوطنية.

تتمحور الإشكالية المركزية حول سؤال جامع: كيف يستطيع المغرب حماية مصالحه السيادية والترابية وتعزيز موقعه الاستراتيجي في ظل تحولات العلاقات الدولية، من دون أن يتحول الاعتماد على الشراكات الخارجية إلى مصدر للهشاشة أو التبعية؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الإشكالات:

  • ما الدلالات السياسية والاستراتيجية لزيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية؟
  • كيف تنظر مدريد إلى موقع المغرب في معادلات الأمن والهجرة والطاقة والتجارة وغرب المتوسط؟
  • ما تأثير التنافس المغربي الجزائري في حسابات إسبانيا والاتحاد الأوروبي؟
  • كيف يمكن للمغرب أن يدير علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا بما يخدم مصالحه الوطنية؟
  • هل تحتاج السياسة الخارجية المغربية إلى مراجعة أدواتها، أم إلى تطويرها في إطار الثوابت القائمة؟
  • ما الذي ينبغي فعله لتعزيز القوة الذاتية للدولة، حتى لا تصبح خياراتها رهينة لتقلبات التحالفات؟

هذه الأسئلة لا تستدعي أجوبة انفعالية، بل تقتضي تحليلاً نسقياً يربط بين التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والأمن والدبلوماسية.

تكتسب الزيارة أهميتها من طبيعة الملف الذي تتصل به. فإسبانيا تتعامل مع سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي وتدخلان ضمن سيادتها، بينما يتمسك المغرب بمطالبته باسترجاعهما. وهذا اختلاف جوهري في الموقفين لا يمكن إلغاؤه بمجرد التعاون الاقتصادي أو الأمني.

ومن منظور مدريد، يمكن قراءة الزيارة باعتبارها تعبيراً عن التضامن المؤسسي مع سكان المدينتين، وتأكيداً لحضور الدولة الإسبانية فيهما، ولا سيما بعد أزمة حدودية أحدثت ضغطاً إنسانياً وسياسياً وأمنياً. وقد ربطت المؤسسة الملكية الإسبانية برنامج الزيارة بدعم المؤسسات المحلية والسكان، وهو ما يجعل البعد الداخلي الإسباني جزءاً من تفسيرها.

أما من المنظور المغربي، فإن الزيارة تثير سؤالاً مشروعاً حول كيفية صيانة المطالب الترابية المغربية ضمن سياسة خارجية متوازنة، قادرة على الجمع بين الوضوح في الموقف السيادي واستمرار المصالح المشتركة.

لكن ينبغي عدم الخلط بين رمزية الزيارة وبين تغيير قانوني أو ميداني في الوضع القائم. فالزيارة، في حد ذاتها، لا تحسم النزاع ولا تغير الحدود، وإن كانت تؤكد تمسك إسبانيا بموقفها السياسي.

وتكمن أهمية اللحظة في أن إدارة الخلاف أصبحت مرتبطة أيضاً بملفات الهجرة والأمن والتجارة والطاقة، وهي ملفات قد تستخدمها الأطراف في التفاوض أو تتأثر بتوتر العلاقات، الأمر الذي يجعل الفصل بين التعاون القطاعي والخلاف السيادي ضرورة استراتيجية.

لا يمكن فهم الموقف الإسباني من سبتة ومليلية من دون فهم طبيعة العلاقة مع المغرب. فالمغرب ليس مجرد جار جغرافي لإسبانيا، بل شريك أساسي في قضايا الأمن والهجرة والتجارة والربط بين أوروبا وإفريقيا.

وفي المقابل، لا تعني أهمية المغرب بالنسبة إلى إسبانيا أن مدريد ستتخلى عن مواقفها المعلنة في القضايا التي تعتبرها سيادية. فالدول تفصل، بدرجات متفاوتة، بين مصالحها الاقتصادية والأمنية وبين الملفات الترابية التي تحظى بحساسية سياسية داخلية.

وقد أكدت إسبانيا في مواقفها الرسمية خلال أزمة 2026 تمسكها بسيادتها على المدينتين، مع التشديد في الوقت نفسه على أهمية التعاون مع المغرب. كما أن العلاقات الثنائية، التي شهدت تقارباً منذ إعلان أبريل 2022، ظلت عرضة لاختبارات مرتبطة بالهجرة وملف الصحراء المغربية والخلافات السياسية الداخلية.

ومن هنا، فإن السؤال الاستراتيجي ليس ما إذا كانت إسبانيا صديقة للمغرب أو خصماً له بصورة مطلقة، بل كيف تدير الدولة المغربية علاقة مع شريك تتقاطع معه المصالح في ملفات، وتتعارض معه المواقف في ملفات أخرى.

إن العلاقات الدولية لا تقوم على تصنيف دائم للدول بين صديق وعدو، بل على فهم المصالح المتبادلة، وتحديد الخطوط الحمراء، وبناء أدوات تفاوض تحفظ الحقوق وتقلل كلفة الخلاف.

ولذلك، فإن نجاح الدبلوماسية المغربية لا يقاس فقط بحجم المبادلات التجارية أو عدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما أيضاً بقدرتها على إبقاء الملفات السيادية حاضرة في جدول الأعمال، وعدم السماح بتذويبها داخل خطاب الشراكة العامة.

يقتضي التحليل الاستراتيجي إدراج الجزائر ضمن المشهد، لا باعتبار أن كل تحرك إسباني مرتبط بالضرورة بها، وإنما لأن العلاقات المغربية الجزائرية تشكل أحد العوامل المؤثرة في توازنات شمال إفريقيا وغرب المتوسط.

فالخلاف بين الرباط والجزائر، ولا سيما حول قضية الصحراء المغربية، إلى جانب إغلاق الحدود البرية واستمرار التوترات السياسية والعسكرية، يجعل المنطقة مجالاً لتنافس المصالح والتحالفات. وتشير تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى استمرار تأثير التنافس بين البلدين في الإنفاق الدفاعي والتوازنات الأمنية الإقليمية.

وفي هذا السياق، تحتفظ الجزائر بأهمية خاصة بالنسبة إلى إسبانيا في مجال الطاقة، بينما يرتبط المغرب بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية مع مدريد والاتحاد الأوروبي.

وقد كشفت التطورات الأخيرة عن محاولة إسبانية لإعادة ترتيب علاقاتها مع الجزائر، بالتوازي مع استمرار الشراكة مع المغرب، وهو ما يؤكد أن الدول لا تدير علاقاتها الخارجية بمنطق الاصطفاف الواحد في جميع الملفات.

لكن هل يعني ذلك وجود تنسيق جزائري إسباني يستهدف المصالح المغربية في قضية سبتة ومليلية؟ لا تكفي المعطيات المتاحة لإثبات هذه الفرضية، وينبغي عدم تحويل التزامن السياسي إلى دليل على وجود اتفاق أو مخطط مشترك.

ومع ذلك، تفرض القراءة الاستراتيجية على المغرب مراقبة تطور العلاقات بين الطرفين، وفهم انعكاساتها المحتملة على أمن المنطقة ومصالحه الاقتصادية والدبلوماسية.

الموقف المغربي المطلوب هنا هو اليقظة دون الارتهان للشكوك، والاستعداد دون الانجرار إلى التصعيد، وتوسيع هامش المناورة دون تحويل المنافسة الإقليمية إلى صراع مفتوح.

إن قراءة موقع المغرب لا تكتمل من دون إدراج علاقاته مع القوى الدولية المؤثرة، لأن العلاقات الثنائية مع إسبانيا تتحرك داخل شبكة أوسع من المصالح والالتزامات.

تمثل الولايات المتحدة فاعلاً أساسياً في معادلات الأمن الدولي، وفي العلاقات الدفاعية والسياسية والاقتصادية مع المغرب. غير أن الشراكة مع واشنطن، مثل غيرها من الشراكات الدولية، تتأثر بتغير الإدارات الأمريكية وأولوياتها ومصالحها.

والمطلوب ليس بناء السياسة الخارجية المغربية على افتراض تطابق دائم بين المصالح المغربية والأمريكية، وإنما تحويل الشراكة إلى مكاسب ملموسة، مع الاحتفاظ بهامش مستقل لاتخاذ القرار.

ويقتضي ذلك تنويع الشركاء، وتقوية القدرات الوطنية في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والصناعة والطاقة، وعدم ربط الملفات السيادية بانتظارات غير مضمونة من أي قوة خارجية.

يشكل الاتحاد الأوروبي فضاءً اقتصادياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى المغرب. وتفيد المفوضية الأوروبية بأن الاتحاد كان الشريك التجاري الأول للمملكة سنة 2025، مستحوذاً على 33.7% من تجارتها في السلع، بقيمة إجمالية للمبادلات بلغت 62.2 مليار يورو.

وتكشف هذه الأرقام عن حقيقة استراتيجية: إن العلاقة مع أوروبا ليست ملفاً دبلوماسياً ثانوياً، بل ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني وفرص التشغيل والاستثمار والتصدير.

غير أن الاعتماد الاقتصادي الكبير يطرح تحدياً يتعلق بضرورة تنويع الأسواق، وتطوير الإنتاج الوطني، ورفع القيمة المضافة، وتقوية القدرة التفاوضية للمغرب.

كما أن الموقف الأوروبي ليس كتلة سياسية متطابقة في جميع القضايا؛ فالمؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء لها مصالح ومقاربات مختلفة، وهو ما يتيح للمغرب مجالاً للعمل الدبلوماسي المتعدد المستويات.

ومن ثم، فإن المطلوب ليس الاختيار بين أوروبا وغيرها، بل بناء شراكة متوازنة تضمن المصالح المغربية، وتحمي المكتسبات، وتقلل مخاطر الاعتماد المفرط على سوق أو محور واحد.

تثير العلاقات المغربية الإسرائيلية أسئلة استراتيجية وأخلاقية وسياسية، خصوصاً في ظل استمرار القضية الفلسطينية وتداعيات الصراعات في الشرق الأوسط.

وفي 16 شتنبر 2026، أعلنت الحكومة الإسرائيلية الاتفاق على الارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية مع المغرب وفتح سفارتين وتعيين سفيرين، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن إعلان إسرائيلي رسمي.

ويضع هذا التطور السياسة الخارجية المغربية أمام ضرورة التقييم المستمر لمردودية الشراكة، وحدودها، وانعكاساتها على المصالح الوطنية والإقليمية.

فالعلاقات الدولية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف محددة. ولذلك، ينبغي أن تخضع أي شراكة لمعايير واضحة تشمل المصلحة الوطنية، واحترام السيادة، والأمن، والتنمية، والاستقرار الإقليمي، والالتزامات السياسية والأخلاقية للمغرب.

كما ينبغي التمييز بين وجود علاقة دبلوماسية وبين افتراض أن جميع الأطراف المعنية تتبنى الأهداف نفسها أو تتصرف وفق استراتيجية موحدة. فلا يجوز افتراض وجود تنسيق بين إسرائيل وإسبانيا والجزائر ضد المغرب لمجرد تقاطع بعض المصالح أو تزامن التحركات.

إن الاستقلال الاستراتيجي لا يعني القطيعة مع الشركاء، وإنما امتلاك القدرة على تقييم كل شراكة بصورة مستقلة، ومراجعتها حين تتغير كلفتها أو مردوديتها.

يمكن بناء قراءة تحليلية للمصالح الإسبانية من خلال خمسة اعتبارات رئيسية، مع التأكيد أن هذه قراءة للمصالح المحتملة وليست إثباتاً لوجود خطة سرية موحدة.

1. الجغرافيا والأمن. تحتل سبتة ومليلية موقعاً حساساً قرب مضيق جبل طارق، وتربطهما بإسبانيا قضايا الحدود والدفاع والهجرة. ومن الطبيعي أن تنظر مدريد إلى استقرار المدينتين باعتباره جزءاً من حساباتها الأمنية والسياسية.

2. إدارة العلاقات مع المغرب والجزائر. تحتاج إسبانيا إلى التعاون مع المغرب في قضايا الحدود والهجرة والأمن، وإلى إدارة مصالحها مع الجزائر، ولا سيما في الطاقة. ومن شأن أي توتر مع أحد الطرفين أن يؤثر في حساباتها الاقتصادية والأمنية.

3. البعد الأوروبي. يرتبط ملف المدينتين كذلك بسياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالحدود الخارجية والهجرة والتضامن بين الدول الأعضاء. وقد دعت الخارجية الإسبانية خلال أزمة غشت 2026 إلى تعزيز الدعم الأوروبي لسبتة ومليلية.

4. الحسابات الداخلية. قد تحمل الزيارة رسالة طمأنة للسكان والمؤسسات المحلية، وتأكيد الحضور الإسباني في المدينتين، خصوصاً في ظل الأزمة التي شهدتها المنطقة. كما يمكن أن تدخل تداعيات الهجرة ضمن النقاش السياسي الداخلي الإسباني، لكن لا يصح اختزال الزيارة كلها في حساب انتخابي واحد.

5. التوازن بين التعاون والخلاف. تدرك إسبانيا أن التعاون مع المغرب ضروري في ملفات كثيرة، لكنها تتمسك بموقفها المعلن من السيادة على المدينتين. ومن هنا، يمكن أن تتعايش الشراكة الاقتصادية والأمنية مع الخلاف السياسي، من دون أن يؤدي أحدهما بالضرورة إلى إنهاء الآخر.

والخلاصة أن المقاربة الإسبانية تبدو مفهومة من زاوية المصالح الوطنية الإسبانية، تماماً كما ينبغي للمغرب أن يصوغ مقاربته من زاوية مصالحه الوطنية. فالمعيار في العلاقات الدولية ليس افتراض حسن النية الدائم أو سوء النية الدائم، بل القدرة على قراءة الوقائع، وتقدير المخاطر، والتصرف وفق استراتيجية واضحة.

إذا كانت التحالفات متغيرة، فإن الدولة التي تريد حماية مصالحها تحتاج إلى عناصر قوة لا تتوقف على إرادة الشركاء.

ومن هنا، يصبح السؤال المركزي: ما الذي يملكه المغرب ذاتياً حتى يستطيع التفاوض من موقع متوازن؟

لا تتحقق السيادة الاقتصادية بمجرد توقيع اتفاقيات التجارة والاستثمار، بل ببناء اقتصاد منتج، وتنويع الأسواق، وتقوية الصناعة، وتطوير البحث العلمي، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي.

فالدولة التي تستورد معظم حاجاتها الاستراتيجية تكون أكثر عرضة لضغوط الخارج من الدولة التي تمتلك قدرة إنتاجية متنوعة ومؤسسات اقتصادية مرنة.

إن حماية المجال الترابي والبحري والجوي تتطلب تحديث القدرات الدفاعية، وتطوير التكنولوجيا، وتحسين التنسيق بين المؤسسات، وتعزيز الأمن السيبراني والاستخبارات الاستراتيجية.

لكن القوة العسكرية لا تعني التوجه إلى المواجهة، بل امتلاك القدرة على الردع، وحماية الحدود، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى أزمات أمنية.

تحتاج الدبلوماسية المغربية إلى الجمع بين الثبات في القضايا السيادية والمرونة في الوسائل. فالموقف الثابت لا يعني تجميد أدوات التفاوض، كما أن المرونة لا تعني التراجع عن المبادئ.

ويتطلب ذلك تطوير الخبرة القانونية والتاريخية، وتعزيز الحضور في المؤسسات متعددة الأطراف، وتوسيع الشراكات الإفريقية والمتوسطية والدولية، والاستثمار في الدبلوماسية الاقتصادية والعلمية والثقافية.

لا تنفصل القوة الخارجية عن جودة المؤسسات الداخلية. فالثقة العامة، وشفافية القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واستقلال المؤسسات، وتكافؤ الفرص، كلها عناصر تؤثر في قدرة الدولة على مواجهة الأزمات.

كما أن المجتمع الذي يملك معرفة بالقضايا الوطنية، ويشارك في نقاشها بعقلانية، يكون أقل عرضة للتضليل وللخطابات التي تحول الخلافات الدولية إلى صراعات عاطفية غير محسوبة.

إن غياب الدراسات الاستراتيجية المستقلة أو ضعف تداولها داخل النقاش العام يترك المجال مفتوحاً للتأويلات المتسرعة.

لذلك، يحتاج المغرب إلى تطوير مراكز بحث متخصصة في الجغرافيا السياسية، وتحليل السيناريوهات، ومتابعة التحولات في أوروبا وشمال إفريقيا والساحل والأطلسي، وربط نتائج الدراسات بعملية اتخاذ القرار.

فالقوة الذاتية ليست بديلاً عن التحالفات، وإنما هي ما يجعل التحالفات أكثر توازناً، وما يمنح الدولة القدرة على رفض الشروط التي تمس مصالحها الأساسية.

المراجعة الاستراتيجية ليست اعترافاً بالفشل، كما أن الاستمرار في النهج نفسه ليس دليلاً تلقائياً على النجاح. فالدول التي تحافظ على مصالحها هي التي تراجع أدواتها باستمرار، وتستفيد من التجارب، وتستوعب المتغيرات من دون التفريط في الثوابت.

ويمكن تحديد أربعة مستويات للمراجعة المطلوبة.

أولاً: مراجعة مفهوم التحالفات. ينبغي التعامل مع الشراكات على أساس المصالح المتبادلة والالتزامات القابلة للتقييم، لا على أساس الثقة المطلقة أو الرهان على دوام المواقف الخارجية.

ثانياً: مراجعة تدبير الخلافات السيادية. يحتاج ملف سبتة ومليلية إلى سياسة طويلة النفس، تحدد الأهداف والوسائل، وتوازن بين التعبير عن المطالب الوطنية والمحافظة على الاستقرار الإقليمي، مع الاستناد إلى الحجج التاريخية والقانونية والدبلوماسية.

ثالثاً: مراجعة إدارة الأزمات. ينبغي ألا تتحول أزمات الهجرة أو الحوادث الحدودية إلى أزمات شاملة تضر بمصالح المواطنين والتبادل الاقتصادي والتعاون الأمني. كما ينبغي وضع قنوات اتصال دائمة لمنع سوء التقدير والتصعيد غير المقصود.

رابعاً: مراجعة العلاقة بين السياسة الخارجية والتنمية الداخلية. فالدبلوماسية التي لا تجد وراءها اقتصاداً قوياً ومؤسسات فعالة ومجتمعاً واثقاً تبقى محدودة الأدوات. ولذلك، فإن الإصلاح الداخلي جزء من السياسة الخارجية، وليس ملفاً منفصلاً عنها.

والمراجعة المطلوبة ليست بالضرورة تغييراً في الثوابت المغربية، وإنما تطوير مستمر لوسائل حمايتها وتحقيقها.

يمكن تلخيص الإشكالية في معادلة استراتيجية واحدة: الثبات في الأهداف، والمرونة في الوسائل، والاستقلال في القرار، والتوازن في العلاقات.

فالسيادة الوطنية لا ينبغي أن تخضع لتقلبات الحكومات أو لتغير أولويات القوى الدولية. وفي المقابل، لا يمكن بناء سياسة خارجية ناجحة على تجاهل التحولات التي تعرفها المنطقة والعالم.

إن زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية تذكير بأهمية الملف الترابي وباستمرار الاختلاف بين الموقفين المغربي والإسباني، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود تحول شامل في التحالفات أو قيام تنسيق دولي موجّه ضد المغرب.

والقراءة المتوازنة تقتضي متابعة الوقائع المعلنة، ومقارنة المواقف الرسمية، وفهم المصالح الاقتصادية والأمنية، والتمييز بين ما ثبت وما لا يزال في نطاق الاحتمال.

كما أن العلاقة مع إسبانيا لا تختزل في سبتة ومليلية، والعلاقة مع الولايات المتحدة لا تختزل في الدعم السياسي، والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي لا تختزل في التجارة، والعلاقة مع إسرائيل لا تختزل في التعاون الدبلوماسي، والعلاقة مع الجزائر لا تختزل في التنافس الإقليمي.

كل علاقة لها ملفاتها ومكاسبها ومخاطرها، والمطلوب هو إدارة هذه الملفات في إطار رؤية وطنية موحدة.

إن السيادة ليست خطاباً غاضباً، ولا موقفاً ظرفياً، ولا استعراضاً للقوة، بل قدرة مستدامة على حماية المصالح الوطنية، وصيانة الحقوق، واتخاذ القرار باستقلالية، وتحمل تبعاته.

ومن هذا المنطلق، فإن التعامل المغربي مع زيارة ملك إسبانيا ينبغي أن يستند إلى وضوح الموقف الوطني، ورصانة الدبلوماسية، ورفض التصعيد غير المحسوب، وعدم التفريط في الحقوق والمطالب السيادية.

فلا ينبغي أن تتحول الشراكة مع إسبانيا إلى سبب لتهميش الخلافات، كما لا ينبغي أن تتحول الخلافات إلى مبرر لتعطيل المصالح المشتركة. ولا ينبغي للمغرب أن يضع رهاناته كلها في سلة قوة دولية واحدة، أو أن يفترض أن تقاطع مصالح بعض الدول يعني بالضرورة اتفاقها على استهدافه.

إن الدولة القوية هي التي تستطيع التعاون مع شركائها من دون التبعية لهم، والاختلاف معهم من دون الاندفاع إلى القطيعة، والتفاوض معهم من دون التفريط في مصالحها.

تستمر العلاقات الاقتصادية والأمنية، مع بقاء الخلاف السيادي قائماً. ويتطلب هذا المسار حواراً سياسياً منتظماً، وتدبيراً مشتركاً للأزمات، وتجنباً للتصريحات التي تحول الخلاف إلى مواجهة شاملة.

تتكرر الأزمات المرتبطة بالهجرة أو التصريحات السياسية أو الحوادث الحدودية، مع استمرار المصالح المشتركة التي تدفع الطرفين إلى الحفاظ على قنوات التواصل.

تتداخل الخلافات الثنائية مع الاستقطاب الإقليمي والمنافسة الدولية، فتزداد كلفة الأزمة على الاقتصاد والأمن. ويمكن تقليل مخاطر هذا المسار بآليات اتصال واضحة، وقنوات دبلوماسية فعالة، وضوابط لتدبير الحوادث.

هذه المسارات ليست تنبؤات حتمية ولا ترتيباً لاحتمالات الوقوع، بل أدوات تحليل تساعد على تحديد المخاطر والاستعداد لها. ويظل تطور العلاقات رهيناً بقرارات الأطراف، وبالظروف الداخلية والإقليمية والدولية.

  1. تثبيت الموقف السيادي: التعبير بوضوح عن المطالب المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية، مع تطوير العمل القانوني والتاريخي والدبلوماسي المرتبط بها.
  2. تفعيل الدبلوماسية الوقائية: إرساء آليات دائمة للتواصل مع مدريد لتدبير الحوادث الحدودية والبحرية، ومنع سوء الفهم والتصعيد.
  3. إعادة تقييم الشراكات دورياً: وضع مؤشرات لقياس المردودية السياسية والاقتصادية والأمنية لكل شراكة، ومراجعة الالتزامات عندما تتغير الظروف.
  4. تنويع العلاقات الدولية: تعزيز التعاون مع إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين وآسيا، بما يقلل الاعتماد المفرط على شريك واحد، من دون خلق خصومات غير ضرورية.
  5. تقوية الاقتصاد الوطني: الاستثمار في الصناعة والبحث العلمي والأمن الغذائي والمائي والطاقي، وربط الاتفاقيات الخارجية بنقل المعرفة وخلق فرص العمل.
  6. تطوير القدرات الاستراتيجية: دعم مراكز البحث والدراسات المستقبلية، وبناء قواعد معرفية لمتابعة التحولات السياسية والعسكرية والاقتصادية في محيط المغرب.
  7. تعزيز الثقة الداخلية: ربط السياسة الخارجية بقوة المؤسسات وجودة الخدمات والعدالة الاجتماعية والمشاركة المجتمعية، لأن متانة الداخل تعزز القدرة على التفاوض في الخارج.
  8. تدبير الشراكات بحساسية سياسية وأخلاقية: تقييم العلاقات مع جميع الأطراف وفق المصالح الوطنية والالتزامات الدولية، مع مراعاة مكانة القضية الفلسطينية في الوعي المغربي، وعدم الخلط بين العلاقات الدبلوماسية والتوافق الكامل في القضايا الإقليمية.
  9. تطوير التواصل العمومي: تقديم معلومات موثوقة للرأي العام بشأن التطورات الدولية، والتمييز بين المعطيات المؤكدة والتحليلات والفرضيات، حتى لا تصبح الشائعات بديلاً عن المعرفة.
  10. اعتماد مراجعة استراتيجية دورية: تقييم موازين القوى والسيناريوهات والمخاطر بصورة مؤسساتية، مع إشراك الخبراء والجامعات والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني.

الخلاصة النهائية: إن المغرب لا يحتاج إلى الاختيار بين الثبات والتغيير، بل إلى الجمع بينهما؛ ثبات يحمي السيادة، وتغيير يطور الأدوات، وقوة ذاتية توسع هامش القرار، ودبلوماسية تعرف متى تتعاون ومتى تفاوض ومتى تتحفظ. فالجغرافيا قد تفرض التحديات، والتحالفات قد تتغير، لكن قدرة الدولة على الاستشراف والعمل هي التي تحدد مدى نجاحها في حماية مصالحها وصناعة مستقبلها.

Exit mobile version