د. إيمان إبراهيم عبد العظيم فى ندوة “رسالة السلام”: علينا أن نحول شهر رمضان من موسم شعائرى إلى مشروع إصلاحى يعيد للقرآن مركزه في الحياة

 

شاركت الدكتورة إيمان ابراهيم عبد العظيم عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر وواعظة معتمدة بوزارة الأوقاف المصرية فى ندوة مؤسسة رسالة السلام التى انعقدت تحت عنوان ” شهر رمضان الذى انزل فيه القرآن”
والتى أعقبها حفل سحور ..
..وفيما يلى أبرز ما تضمنته كلمة الدكتورة إيمان ابراهيم عبد العظيم و كانت كلمتها تحت عنوان:
مسؤولية الفرد والمجتمع في شهر القرآن:

شهر رمضان هو “شهر القرآن”، برباط وثيق لا ينفصم، حيث أنزل الله فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. ومع ذلك، فإن الواقع الذى نعيشه يشير إلى فجوة واسعة بين “الاحتفاء بالقرآن” و”الاحتكام إلى القرآن”. نرى المساجد تمتلئ بالمقرئين، وتعلو الأصوات بالتلاوة، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة: هل نحن نقرأ القرآن لنتلو حروفه فقط، أم لنحيا بمنهجه؟ إن المسؤولية في هذا الشهر المبارك لا تقتصر على الفرد في خلوته، بل تمتد لتشمل المجتمع بأكمله، لتحويل هذا الشهر من “موسم شعائري” عابر إلى “مشروع إصلاحي” مستدام يعيد للقرآن مركزه في الحياة.

أولاً: حياة بالقرآن لا مجرد قراءة.. تغيير المفهوم:
كثيراً ما نختزل علاقتنا بالقرآن في “الكيفيات”؛ كم ختمت؟ وكم حزباً قرأت؟ بينما كان سلفنا الصالح يختزلون علاقتهم به في “الكيفيات القلبية والعملية”؛ كيف أثرت الآية في قلبي؟ وكيف غيرت من سلوكي؟
أن نحيا بالقرآن يعني أن نتحول من “مستمعين” إلى “متحاكمين”. القرآن ليس كتاب بركات نتلوه لنيل الأجر ونغلقه، بل هو “دستور حياة” و”منهج سلوك”.
– من التلاوة إلى التدبر: القراءة دون تدبر كالمريض يقرأ وصفة الدواء دون أن يتناولها؛ لا شفاء فيها. الحياة بالقرآن تعني الوقوف عند الآية، وفهم مراد الله منها، ثم تطبيقها فوراً.
– من الحفظ إلى التخلق: ليس الهدف حفظ الآيات في الصدور فقط، بل حفظها في الجوارح. من قرأ آية الصدق يجب أن يصدق في لسانه
– تأسيس المعيار القرآني: أن نجعل القرآن هو المقياس الذي نزن به أفكارنا، وعلاقاتنا، ومعاملاتنا المالية، وأخلاقنا الاجتماعية. فإذا تعارضت عادة مجتمعية مع نص قرآني، كانت الغلبة للقرآن.
ثانيا: من موسم شعائري إلى مشروع إصلاحي:
تعوّد الكثير من المجتمعات الإسلامية على تحويل رمضان إلى “طقوس موسمية”؛ زينة، موائد، وسهر، تنتهي بانتهاء الشهر. هذا الفهم قاصر ويهدر الطاقة الروحية الهائلة التي يزودنا بها الصيام.
– المسؤولية الفردية في الإصلاح: الفرد المسلم مدعو لاستغلال طاقة الصيام في كسر العادات السيئة. رمضان هو “ورشة عمل” لتدريب النفس على الصبر، وكظم الغيظ، والتحكم في الشهوات. إذا استطاع الفرد ترك الطعام والشراب حلالاً طيلة النهار، فأولى به أن يترك الكذب والغش والظلم.
– المسؤولية المجتمعية في الإصلاح: المجتمع مسؤول عن تهيئة البيئة الحاضنة للقرآن. لا يكفي أن نصوم ونصلي، بل يجب أن نرى أثر القرآن في السوق (في الأمانة)، وفي الإدارة (في العدل)، وفي البيت (في الرحمة والمودة).
– تحويل رمضان لمشروع إصلاحي يعني أن نطلق مبادرات مجتمعية تعالج الفقر، وتقوي أواصر القربى، وتصلح ذات البين، مستلهمين ذلك من آيات البر والتعاون.
– كسر حاجز الموسمية: الخطر الأكبر هو “وداع القرآن” مع وداع رمضان. المشروع الإصلاحي الحقيقي هو الذي يجعل رمضان “انطلاقة” وليس “نهاية”. هو شهر الشحن الروحي لبقية العام.
ثالثاً: خطوات عملية لإعادة القرآن إلى مركز الحياة:
لتحقيق هذا التحول من الشعار إلى الواقع، نقترح خطوات عملية على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع:
1. على مستوى الفرد:
– ورد تدبري يومي: بدلاً من الورد الكمي الضخم الذي ينتهي بسرعة، خصص صفحة أو نصف صفحة يومياً تتدبرها بعمق، وتكتب فائدة عملية واحدة لتطبقها في يومك.
– سمة قرآنية للشهر: اختر سمة واحدة من سمات القرآن لتعمل عليها طوال رمضان (مثل: الصبر، الصدق، بر الوالدين، كف الأذى)، واجعلها هدفك الأساسي.
– محاسبة النفس القرآنية: في نهاية كل يوم، اسأل نفسك: أين كان القرآن من قراراتك اليوم؟ هل استعنت به عند الغضب؟ هل رجعت إليه عند الشك؟
2. على مستوى الأسرة:
– مجلس قرآني عائلي: تخصيص وقت بعد الإفطار أو قبله لقراءة قصيرة وتفسير مبسط يشارك فيه الجميع، حتى الأطفال، لربطهم بالقرآن منذ الصغر.
– تطبيق الآيات في المعاملات: تدريب الأبناء على تطبيق الآيات عملياً؛ مثل آية الوفاء بالعهد في المواعيد، وآية الإنفاق في الصدقات اليومية البسيطة.
3. على مستوى المجتمع والمؤسسات:
– دروس التطبيق لا السرد: أن تركز الخطب والدروس في المساجد على “كيف نطبق هذه السورة في واقعنا؟” بدلاً من السرد التاريخي أو الفقهي المجرد.
– مشاريع خيرية قرآنية: ربط مشاريع الإفطار وكسوة اليتيم بآيات محددة، ليشعر المتبرع والمستفيد أن العمل الخيري هو ترجمة للقرآن.
– بيئة عمل قرآنية: في المؤسسات والشركات، يمكن تخصيص دقائق قبل الدوام لقراءة قصيرة، أو تعليق آيات تحث على الإتقان والأمانة في أماكن العمل.
وفي الختام نقول:
إن مسؤولية الفرد والمجتمع في شهر القرآن هي مسؤولية “بناء حضارة” قبل أن تكون مسؤولية “عبادة فردية”. القرآن نور، والنور لا يُحفظ في الأرفف، بل يُشعل ليضيء الطريق. رمضان هو المحطة السنوية لإعادة ضبط البوصلة نحو هذا النور.
لنحذر أن نكون ممن يقرأون القرآن ولا يتعدى تراقيهم، ولنجعل من هذا الشهر نقطة تحول؛ حيث يخرج الفرد والمجتمع وقد غرس فيهما منهج القرآن جذوراً عميقة، لا تقتلعها رياح الشهور التالية. إننا لا نحتاج إلى مزيد من المصاحف المطبوعة بقدر ما نحتاج إلى مصاحف “تمشي على الأرض”، تعيش القرآن، وتنطق به، وتتحكم في حياتها به. فبهذا وحده نستحق أن نسمى أمة القرآن.
.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »