
– علي الشرفاء ينسف أوهام التشدد بأسم الدين ويواجه فوضى الفتاوى بصوت القرآن : لا ترهقوا بسطاء الناس
مع كل موسم ديني يعود السؤال الحائر من جديد : هل خٌلق الدين ليمنح الإنسان الطمأنينة .. أم ليدفعه إلى الخوف والإنهاك ؟ .. ثم .. ثم يبرز سؤال أخر أكثر جرأة : كيف تحولت عبادات بنيت على الرحمة والتيسير إلى عبء يثقل القلوب ويكسر البسطاء ؟ .
.. و .. و مع تكاثر الاسئلة يكثر ضجيج الفتاوى وزحام التشدد .. ويبرز علي السطح معارك صاخبة تدفعنا الي ضرورة فتح أخطر الملفات المسكوت عنها .. حيث تختلط قدسية العبادة بقسوة الأحكام .. ويصبح الفقير محاصراً بالشعور بالذنب لأنه لا يملك .. وكأن الرحمن لم يقل يوماً في كتابه الكريم : ” لا يُكلّف الله نفسًا إلا وسعها ” .. صدق الله العظيم .
وبين هذا وذاك .. يخرج المفكر العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي بصوته العاقل الرشيد .. ويطرح علي الناس سؤالاً أعمق يهز به الوجدان قبل العقول : هل أراد الله لعباده الرحمة .. أم أراد لهم المشقة ؟ .
.. و أحسب أن هنا تبدأ الحكاية .. حكاية صراع بين ” روح القرآن ” و ” قسوة المتنطعين ” .. بين دينٍ نزل رحمة للعالمين وخطابٍ حول بعض العبادات إلى عبء نفسي واجتماعي يطارد الفقراء والبسطاء .. ويزرع في القلوب الشعور بالعجز والذنب .
علي الشرفاء الحمادي لا يتحدث عن قضية فقهية .. انما يفتح ملف شديد الحساسية يمس ملايين المسلمين قبل مواسم الحج والأضاحي .. ذلك الملف الذي يتحول كل عام إلى ساحة جدل وضغط واتهامات .. وكأن الناس في اختبار للقوة لا في عبادة تقوم على الرحمة والاستطاعة .
الرسالة التي يطرحها الشرفاء الحمادي تبدو حاسمة وواضحة : الله عز وجل لم يفرض الحج إلا على المستطيع .. ولم يجعل الأضحية قيداً على رقاب الفقراء .. فالقرآن وضع قاعدة إلهية لا تقبل الالتباس .. بقوله تعالي : ” لا يُكلّف الله نفسًا إلا وسعها ” .. صدق الله العظيم .
ومن هنا .. يبدأ التفكيك الحقيقي لأزمة الخطاب الديني المتشدد .. حين تتحول ” السنن ” إلى واجبات اجتماعية مرهقة .. ويتحول “ الاستحباب ” إلى شعور بالعار لمن لا يملك .. ويصبح الإنسان الفقير وكأنه مذنب لأنه عاجز عن شراء أضحية .. أو غير قادر على تحمل تكاليف الحج .
أي قسوة هذه التي تجعل البسطاء يستدينون .. ويقتطعون قوت أبنائهم حتى لا يُتهموا بالتقصير في الدين ؟
الشرفاء الحمادي يواجه هذا المشهد بوضوح شديد .. مؤكدًا أن الله أرحم بعباده من البشر أنفسهم .. وأن الدين الذي جاء لرفع الحرج عن الناس .. لا يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط نفسي أو اقتصادي أو اجتماعي .
وأحسب ان الأهم والأهم في طرح الحمادي .. أنه لا يهاجم العبادات انما يدافع عن قدسيتها الحقيقية.. فالحج عند الله ليس استعراض قدرة .. والأضحية ليست باب للمباهاة .. وإنما طاعة مشروطة بالقدرة .. فإذا وُجدت الاستطاعة وُجد التكليف .. وإذا غابت سقط الحرج كاملاً .
وفي واحدة من أكثر النقاط إثارة .. يتوقف علي الشرفاء أمام بعض الفتاوى التي تدفع الناس دفعًا إلى أي صورة شكلية من الأضحية .. حتى لو كانت ” بدجاجة ” .. وكأن المقصود مجرد أداء رمزي بأي ثمن .. وهنا يرفع الشرفاء صوته .. محذراً من اختزال الدين في مظاهر شكلية تفرغ المعنى الحقيقي للرحمة والتيسير .
إنه يعيد التذكير بفكرة جوهرية غابت وسط ضجيج التشدد : ” الله لا يريد إذلال الناس بالتكاليف .. انما يريد صلاح قلوبهم واستقامة أرواحهم ” .. وفي عمق هذا الطرح تتجلى فلسفة إيمانية مختلفة إلا وهي .. وجود فرق كبير بين ” الاستقامة ” كأمرٍ إلهي ثابت .. وبين ” الطاعة ” التي ترتبط بقدرة الإنسان واستطاعته .
فالفقير الذي لا يملك ثمن الأضحية ليس مقصراً .. والعاجز عن الحج ليس مذنباً .. ومن أثقلته الحياة لا ينبغي أن يُجلد باسم الدين .. إنها دعوة لإعادة اكتشاف الإسلام كما جاء في القرآن : دين يفتح أبواب الرحمة لا أبواب العنت .. دين يربط التكليف بالقدرة لا بالمظاهر .. دين يداوي الإنسان لا يرهقه.
وفي النهاية .. يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة : كم من الناس ابتعدوا عن جمال الدين بسبب خطاب جعل الرحمة تبدو ضعف .. والتيسير يبدو تقصير ؟ .
ربما لهذا جاءت كلمات علي الشرفاء الحمادي كصرخة هادئة لكنها عميقة .. صرخة تدعو الناس للعودة إلى ميزان القرآن .. حيث لا مكان للمزايدة على الفقراء .. ولا سلطة فوق رحمة الله .. اللهم اني قد بلغت اللهو فأشهد .