حوار خاص/ الدكتور أحمد الدرداري لـ “الوطن24”: لماذا تلجأ بعض الأحزاب إلى الاحتماء بالمؤسسة الملكية كلما اقتربت الانتخابات؟ (الجزءالأول)

 

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود إلى الواجهة النقاش حول حدود المسؤولية السياسية للأحزاب المغربية، ومدى قدرتها على تحمل حصيلتها أمام المواطنين، في ظل استمرار الجدل بشأن توظيف المؤسسة الملكية في الخطاب السياسي، وإبراز المبادرات الملكية باعتبارها عنوانًا للإنجازات، مقابل تحميل الحكومة أو الإدارة مسؤولية الإخفاقات.

وللوقوف عند هذه الإشكالات، تستضيف “الوطن24 ” الدكتور أحمد الدرداري ، الأستاذ الجامعي والخبير الدولي في السياسات العمومية والأمنية، في سلسلة حوارات خاصة تتناول قضايا الإصلاح السياسي، والعمل الحزبي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومستقبل الممارسة الديمقراطية بالمغرب.

 الدكتور أحمد الدرداري: في البداية، ينبغي التأكيد على أن نظام الحكم بالمغرب هو ملكية دستورية، بينما تقوم الديمقراطية على التمثيلية البرلمانية والاجتماعية. ويقوم النظام الدستوري على فصل السلط بين المؤسسة الملكية والحكومة والبرلمان.

فالملك، بصفته رئيس الدولة وأمير المؤمنين، هو الممثل الأسمى للأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والساهر على احترام الدستور، بينما تتولى الحكومة، المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية، تدبير الشأن العام وتنفيذ السياسات العمومية.

وقد أفرزت الممارسة السياسية خلال السنوات الأخيرة نقاشًا متزايدًا حول ميل بعض الأحزاب السياسية، سواء كانت في الأغلبية أو المعارضة، إلى الاحتماء بالرمزية الملكية كلما واجهت إخفاقات في التدبير أو تراجعًا في شعبيتها، بدل تحمل مسؤوليتها السياسية أمام المواطنين.

فقد لجأت بعض الأحزاب إلى إبراز المبادرات الملكية والقرارات الاستراتيجية الكبرى باعتبارها عنوانًا لإنجازاتها، بينما تتوارى خلف المؤسسة الملكية عند بروز الأزمات الاجتماعية أو الاقتصادية أو عند تعثر تنفيذ البرامج الحكومية. ويؤدي ذلك إلى خلق نوع من الضبابية في تحديد المسؤوليات، بحيث يصبح المواطن غير قادر على التمييز بين ما يدخل ضمن الاختصاصات الدستورية للمؤسسة الملكية وما يقع على عاتق الحكومة والأحزاب.

ويرى عدد من الباحثين في العلوم السياسية أن هذه الوضعية تعكس أزمة في الثقافة السياسية والحزبية، لأن الحزب السياسي مطالب بالدفاع عن برنامجه، وتقييم حصيلته، والاعتراف بإخفاقاته، وتقديم البدائل والحلول، بدل البحث عن مظلات رمزية لتبرير محدودية أدائه.

كما أن الاتكاء على المبادرات الملكية يضعف صورة الأحزاب نفسها، باعتبارها مؤسسات دستورية مستقلة يفترض أن تؤدي دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، وأن تبادر إلى بلورة رؤى وبرامج تنموية، لا أن تكتفي بتنفيذ التوجيهات دون إضافة قيمة سياسية أو فكرية أو تدبيرية. وينعكس ذلك سلبًا على ثقة المواطنين في العمل الحزبي، ويسهم في اتساع دائرة العزوف السياسي، خاصة في صفوف الشباب.

وعندما يتعلق الأمر بالملفات الاستراتيجية الكبرى، مثل السياسة الخارجية، والدفاع، والقضايا السيادية، والمشاريع التنموية الكبرى، فإنها تدخل ضمن الاختصاصات الدستورية للمؤسسة الملكية، غير أن ذلك لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها في تدبير القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية، ولا يبرر التخلي عن مسؤوليتها السياسية أمام المواطنين.

إن استمرار هذه الممارسة يضعف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يعد أحد المرتكزات الأساسية للدستور المغربي.

فالديمقراطية لا تقوم فقط على تنظيم الانتخابات، وإنما تقوم أيضًا على وضوح المسؤوليات، وقدرة الأحزاب على الوفاء بوعودها، والخضوع للمساءلة أمام المواطنين.

لذلك، فإن تجديد الحياة السياسية بالمغرب يقتضي تعزيز استقلالية القرار الحزبي، والارتقاء بجودة النخب السياسية، وترسيخ ثقافة الاعتراف بالمسؤولية بدل البحث عن مظلات سياسية أو رمزية لتبرير الإخفاقات، مع تفعيل آليات التقييم الموضوعي للأداء الحزبي وربط الوعود الانتخابية بحصيلة قابلة للقياس والمساءلة.

 الدكتور أحمد الدرداري: شهدت الساحة السياسية المغربية تصريحات لعدد من القيادات الحزبية أثارت نقاشًا سياسيًا وإعلاميًا، واعتبر بعضها مستفزًا للمحيط الملكي.

ومن الأمثلة على ذلك تصريحات لعبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، الذي أدلى في أكثر من مناسبة بتصريحات أثارت جدلًا، كان آخرها حديثه عن التفكير في الاعتزال السياسي على خلفية أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة. كما سبق له أن وصف مستشاري الملك بعبارة «الكناطح»، وتحدث في وقت سابق عن «التماسيح والعفاريت»، في إشارة قال إنها كانت تعرقل عمل الحكومة، وهو تعبير أثار نقاشًا واسعًا حول الجهة المقصودة.

كما وجهت نبيلة منيب، الأمينة العامة السابقة للحزب الاشتراكي الموحد، انتقادات متكررة لما تعتبره تركيزًا للسلطة وضعفًا في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ورأى بعض المتابعين أن تصريحاتها تجاوزت انتقاد الأداء الحكومي إلى مناقشة بنية النظام السياسي.

أما حميد شباط، الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، فقد عُرف هو الآخر بتصريحاته المثيرة للجدل في عدد من القضايا الوطنية والدولية، وإن لم تكن موجهة بشكل مباشر إلى المؤسسة الملكية.

كما شهدت الساحة السياسية سجالات شاركت فيها شخصيات، من بينها إلياس العماري وقيادات أخرى من أحزاب مختلفة، تضمنت أحيانًا اتهامات متبادلة بشأن استغلال القرب من الدوائر العليا أو توظيف المؤسسة الملكية في الصراع الحزبي، دون أن يعني ذلك وجود أي موقف رسمي من القصر.

وفي المقابل، صدرت عن بعض قيادات أحزاب الأغلبية والمعارضة تصريحات توحي بأن المبادرات الملكية هي التي تمنح الشرعية للأداء الحكومي أو تنقذه عند الأزمات، بينما تُحمّل الحكومة أو الإدارة مسؤولية الإخفاقات، وهو ما انتقده عدد من الباحثين، معتبرين أنه يخلط بين المسؤوليات الدستورية ويُدخل المؤسسة الملكية في قلب الجدل الحزبي.

لذلك، فإن قوة النظام السياسي المغربي لا تتحقق بإضعاف دور الأحزاب أو بالمبالغة في أدوارها، وإنما بتكامل عمل المؤسسات الدستورية واحترام اختصاصات كل منها. فالمؤسسة الملكية تضطلع بوظائفها الدستورية والاستراتيجية، بينما تبقى الحكومة والأحزاب مسؤولة أمام المواطنين عن تنفيذ برامجها، وعن حصيلتها في تدبير الشأن العام.

وكلما تحملت الأحزاب مسؤوليتها السياسية كاملة، تعززت الثقة في المؤسسات، وأصبح مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة مدخلًا حقيقيًا لترسيخ دولة القانون والمؤسسات وتحقيق العدالة التنموية.

في الحلقة الثانية من هذا الحوار الخاص، يواصل الدكتور أحمد الدرداري تقديم قراءته لواقع الأحزاب المغربية، والإصلاح السياسي، ومستقبل الممارسة الديمقراطية، في سلسلة حوارات تنشرها “الوطن24” خلال الأيام المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »