حوار خاص/ الدكتور أحمد الدرداري لـ”الوطن24″: الهجرة والانتخابات… هل يتحول الملف إلى ورقة حاسمة في صناديق الاقتراع بإسبانيا والمغرب؟ (الجزء الثاني)

 

لم يعد ملف الهجرة يقتصر على أبعاده الأمنية أو الإنسانية، بل أصبح من أكثر الملفات تأثيراً في المشهد السياسي والانتخابي، سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو في دول الجوار، وفي مقدمتها المغرب. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يزداد الجدل حول قدرة الأحزاب السياسية على تقديم حلول واقعية للهجرة، تتجاوز الشعارات الانتخابية نحو سياسات عمومية متكاملة تعالج جذور الظاهرة.

وفي هذا الجزء الثاني من الحوار الخاص مع الوطن24، يواصل الدكتور أحمد الدرداري، الأستاذ الجامعي والخبير الدولي في السياسات العمومية والأمنية وقضايا الهجرة، قراءته لانعكاسات الهجرة على الانتخابات في كل من المغرب وإسبانيا، وكيف يمكن للأحزاب السياسية أن تتعامل مع هذا الملف الذي بات يشكل أحد أبرز رهانات المرحلة المقبلة.

الدكتور أحمد الدرداري: يمكن أن يشكل ملف الهجرة أحد المحاور الرئيسية في البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية، سواء في إسبانيا أو المغرب، لكن ذلك يقتضي الابتعاد عن الشعارات والوعود الفضفاضة، والعمل على تقديم حلول عملية وقابلة للتنفيذ، تقوم على رؤية متوازنة تجمع بين الأمن، والتنمية، واحترام حقوق الإنسان.

وفي المغرب، يمكن للأحزاب السياسية أن تجعل من الهجرة محوراً أساسياً في برامجها، من خلال ربطها بالتنمية بدل الاقتصار على المقاربة الأمنية وحدها، باعتبار أن الهجرة ترتبط، في جانب كبير منها، بالاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.

ومن بين الإجراءات التي يمكن اعتمادها، وضع برامج خاصة لتشغيل الشباب، خاصة في المناطق الأكثر تصديراً للهجرة، وتشجيع الاستثمار المحلي والمقاولات الصغرى، بما يسمح بإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب العمل على تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية بين المدن والقرى.

كما يمكن للأحزاب أن تتبنى برامج واضحة لتعزيز الأمن ومحاربة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، من خلال تشديد العقوبات القانونية، وتطوير وسائل مراقبة الحدود، وتعزيز التعاون الأمني مع الدول الأوروبية والإفريقية.

ولا يقل الاستثمار في الشباب أهمية عن الجوانب الأمنية، إذ ينبغي إدراج برامج للتنشئة السياسية، والتوعية بمخاطر الهجرة غير النظامية، وتوفير فضاءات للتكوين المهني، وتشجيع ريادة الأعمال، مع تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الأكثر عرضة للهجرة.

كما يمكن للأحزاب تعزيز التنسيق مع نظيراتها الأوروبية، بهدف توسيع برامج الهجرة القانونية، وإبرام اتفاقيات لتشغيل العمال الموسميين، والعمل على الاعتراف بالكفاءات والشهادات المغربية، وتعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة والتنمية، وفق مبدأ تقاسم المسؤولية بين دول المنشأ والعبور والاستقبال.

الوطن24: كيف يمكن للأحزاب السياسية أن تستثمر ملف الهجرة انتخابياً؟

الدكتور أحمد الدرداري: لا يمكن معالجة ملف الهجرة من خلال وزارتي الداخلية والخارجية فقط، بل يتطلب الأمر سياسة عمومية متكاملة، تشارك فيها مختلف القطاعات الحكومية والأحزاب السياسية.

وتختلف مقاربة الأحزاب لهذا الملف بحسب مرجعياتها السياسية.

فالأحزاب ذات التوجه الاجتماعي تميل إلى التركيز على البطالة والهشاشة باعتبارهما من أهم أسباب الهجرة.

أما الأحزاب المحافظة، فتمنح الأولوية لحماية الحدود ومكافحة شبكات التهريب.

في حين تركز الأحزاب الليبرالية على الاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتوسيع قنوات الهجرة النظامية.

أما الأحزاب ذات المرجعية الحقوقية، فتؤكد ضرورة احترام حقوق المهاجرين والالتزامات الدولية، بالتوازي مع حماية الأمن الوطني.

ومن هذا المنطلق، أرى أن سياسة الهجرة يجب أن تتحول إلى سياسة وطنية متكاملة للهجرة والتنقل، ترتكز على الوقاية من دوافع الهجرة غير النظامية عبر التنمية وخلق فرص الشغل، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وتعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي والدول الإفريقية، وتوسيع قنوات الهجرة النظامية، وضمان حقوق المهاجرين ومغاربة العالم، في إطار احترام السيادة الوطنية والالتزامات الدولية.

وفي نهاية المطاف، سيقيس الناخبون قدرة الأحزاب على تقديم حلول واقعية تحد من دوافع الهجرة، وتحافظ في الوقت نفسه على أمن الحدود وكرامة الإنسان، وهو ما يمنح هذا الملف أهمية متزايدة في النقاش الانتخابي، خاصة مع اقتراب استحقاقات شتنبر 2026.

الدكتور أحمد الدرداري: يمكن تسجيل تفاوت واضح في مقاربات الأحزاب المغربية لهذا الملف.

فحزب التجمع الوطني للأحرار، باعتباره حزباً ليبرالياً يقود الحكومة، يركز على التنمية الاقتصادية، والاستثمار، وتعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي، فيما يحتل ملف التشغيل مكانة أقل حضوراً مقارنة بباقي المحاور.

أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيولي أهمية للتنمية المجالية ومحاربة الاتجار بالبشر، بينما لا يحتل التشغيل موقعاً متقدماً ضمن أولوياته.

في المقابل، يربط حزب الاستقلال بين الهجرة والتنمية والعدالة المجالية، مع اهتمام خاص بمغاربة العالم والهجرة النظامية، مستحضراً تجربة تشغيل حاملي الشهادات خلال حكومة عباس الفاسي.

أما حزب العدالة والتنمية، فيركز على الإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد باعتبارهما مدخلاً للحد من الهجرة، إلى جانب التأكيد على البعد الأخلاقي والإنساني.

بينما يدعو حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للهجرة، مع احترام حقوق المهاجرين.

ويركز حزب التقدم والاشتراكية على المقاربة الحقوقية والتنموية، ويرفض الاقتصار على الحلول الأمنية وحدها.

أما الحركة الشعبية، فتعتبر أن تنمية العالم القروي وتقليص الفوارق المجالية يشكلان مدخلاً أساسياً للحد من الهجرة.

ورغم اختلاف هذه المقاربات، فإن الأحزاب المغربية، في تقديري، لم تجعل من تشغيل الشباب مشروعاً حكومياً وطنياً ومجالياً واضحاً في برامجها، رغم أن هذه القضية تعد من أبرز مفاتيح الحد من الهجرة غير النظامية.

الدكتور أحمد الدرداري: هناك عدة سيناريوهات محتملة.

السيناريو الأول يتمثل في أن يعتبر الرأي العام موجات الهجرة دليلاً على إخفاق السياسات العمومية في معالجة البطالة واليأس لدى الشباب، وهو ما قد تستثمره أحزاب المعارضة لانتقاد الحصيلة الحكومية، وتقديم الهجرة باعتبارها مؤشراً على استمرار الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي قد ينعكس على شعبية الحزب الحاكم.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على نجاح الحكومة في إقناع الرأي العام بأن ما حدث كان ظرفياً، وأنها تعاملت معه بكفاءة أمنية ودبلوماسية، من خلال تفكيك شبكات التهريب وتعزيز التعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يعزز صورة المؤسسات ويحد من أي تأثير سياسي سلبي.

أما السيناريو الثالث، فيفترض أن تطغى قضايا أخرى على النقاش الانتخابي، مثل غلاء المعيشة، والأسعار، والدخل، والسكن، وعندها قد يبقى تأثير ملف الهجرة محدوداً، لأن الناخبين عادة ما يصوتون بناءً على مجموعة من القضايا، وليس على قضية واحدة فقط.

ومن جهة أخرى، فتحت أزمة سبتة الأخيرة نقاشاً سياسياً واسعاً في إسبانيا وأوروبا، حيث تسمح أوروبا بحرية انتقال رؤوس الأموال، وتستقطب الكفاءات والعقول، لكنها تتشدد عندما يتعلق الأمر بحرية تنقل الإنسان.

وفي المغرب، لا يمكن اعتبار ملف الهجرة وحده عاملاً حاسماً في تحديد سلوك الناخبين خلال الانتخابات المقبلة، لكنه قد يصبح مؤثراً إذا ارتبط في أذهان المواطنين بقضايا البطالة وضيق آفاق الشباب.

أما في إسبانيا، فإن الأحزاب المشاركة في الحكومة الحالية، إذا اعتبر الناخبون أنها ساهمت في تأزيم العلاقة مع بعض شركاء الاتحاد الأوروبي، فقد تتراجع شعبيتها، وهو ما قد يمنح الأحزاب الأكثر تشدداً تجاه الهجرة فرصة أكبر لتحقيق مكاسب انتخابية، مع ما قد يترتب عن ذلك من انعكاسات على صورة الحكومة الإسبانية دولياً.

وفي المغرب، قد يؤدي الربط بين الهجرة والبطالة إلى تصويت عقابي ضد بعض الأحزاب المشاركة في الحكومة، غير أن ذلك لا يشكل بالضرورة عاملاً حاسماً في مستقبلها السياسي، لأن الناخب المغربي يبقى منشغلاً أيضاً بملفات المعيشة، والدخل، والتشغيل، والخدمات الاجتماعية.

ويبقى الرهان الحقيقي، في تقديري، هو أن ترتقي الأحزاب السياسية بمقاربتها للسياسات العمومية، وأن تجعل من تشغيل الشباب أولوية وطنية على امتداد التراب الوطني، باعتباره أحد أهم مفاتيح الحد من تنامي الرغبة في الهجرة غير النظامية.

يتواصل…

في الجزء الثالث من هذا الحوار الخاص، يواصل الدكتور أحمد الدرداري تقديم قراءته لمستقبل سياسات الهجرة، والتحولات الأمنية والجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، وانعكاسات ذلك على العلاقات المغربية الأوروبية، في حوار تنشره “الوطن24” حصرياً خلال الأيام المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »