حرائق الغابات في إسبانيا.. تحديات بيئية تتجدد مع مخاطر التغير المناخي

د.الطيب أحمد الصادق
حرائق الغابات التي شهدتها اسبانيا في الفترة الأخيرة لم تكن الأولى من نوعها بل شهدتها العديد من دول العالم ولا سيما الأوربية وهي لم تعد مجرد ظاهرة موسمية ترتبط بارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، بل تحولت إلى واحدة من أخطر التحديات البيئية والاقتصادية التي تواجه القارة الأوربية في ظل تسارع تأثيرات التغير المناخي، حيث شهدت دول جنوب أوروبا، وفي مقدمتها إسبانيا وفرنسا واليونان والبرتغال، في الصيف الحالي موجة من الحرائق غير المسبوقة أجبرت السلطات على تنفيذ عمليات إجلاء واسعة، وأتت على مئات الآلاف من الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، في وقت واصلت فيه فرق الإطفاء الأوروبية سباقها مع الزمن لمنع امتداد النيران إلى المناطق السكنية.
وتكشف أحدث بيانات نظام المعلومات الأوروبي لحرائق الغابات (EFFIS)، التابع للمركز الأوروبي المشترك للبحوث (JRC)، إلى أن موسم حرائق الغابات في أوروبا يواصل تسجيل أرقام قياسية، فحتى 29 يوليو 2026، بلغت المساحة المتضررة من الحرائق نحو 434,976 هكتارًا، متجاوزة المساحة المسجلة في الفترة نفسها من عام 2025، الذي يُعد الأسوأ منذ بدء تسجيل البيانات، كما تجاوزت أيضًا متوسط المساحات المحترقة خلال السنوات العشرين الماضية (2006-2025)، وتعكس هذه الأرقام تصاعدًا غير مسبوق في حجم الحرائق واتساع رقعتها، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن آثارها البيئية والاقتصادية، ولا سيما في دول جنوب أوروبا، وفي مقدمتها إسبانيا فيما حذرت المفوضية الأوروبية من استمرار ظروف الخطر الشديد في أجزاء واسعة من شبه الجزيرة الإيبيرية، بما في ذلك شمال إسبانيا، نتيجة موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات هطول الأمطار، وهي عوامل تزيد من احتمالات اندلاع الحرائق واتساع نطاقها.
وتعد إسبانيا من أكثر الدول الأوروبية تضررًا هذا العام، إذ أظهرت بيانات أوروبية أن البلاد سجلت عشرات الحرائق الكبرى منذ بداية الموسم، بينما احترقت عشرات الآلاف من الهكتارات في عدد من الأقاليم، من بينها قشتالة وليون والأندلس وأراغون وكانتابريا، الأمر الذي استدعى مشاركة آلاف من رجال الإطفاء ووحدات الطوارئ والطائرات المتخصصة في مكافحة الحرائق كما دفعت بعض الحرائق السلطات إلى إجلاء السكان وإغلاق طرق ومتنزهات طبيعية، وسط مخاوف من امتداد النيران إلى مناطق جديدة بفعل الرياح ودرجات الحرارة القياسية.
وتؤكد مؤسسات الاتحاد الأوروبي أن موجات الحر المتكررة والجفاف الطويل، إلى جانب تراكم الغطاء النباتي الجاف في كثير من المناطق الريفية، جعلت حرائق الغابات أكثر شدة واتساعًا من أي وقت مضى، وهو ما دفع البرلمان الأوروبي إلى الدعوة لتعزيز قدرات الاستجابة الأوروبية المشتركة، وتوسيع أسطول الطائرات وفرق الإطفاء المخصصة لمواجهة حرائق الغابات، خاصة بعد أن شهد عام 2025 احتراق أكثر من مليون هكتار داخل الاتحاد الأوروبي، وهو الرقم الأعلى في السنوات الأخيرة.
ورغم ضخامة الخسائر البيئية، فإن التأثيرات الاقتصادية لا تقل خطورة، إذ تطال قطاعات الزراعة والسياحة والبنية التحتية، فضلًا عن التكاليف الباهظة لعمليات الإطفاء وإعادة تأهيل المناطق المتضررة كما حذرت تقارير دولية من أن استمرار هذه الظاهرة قد يفرض تحديات متزايدة على الاقتصادات الأوروبية، ويستلزم الاستثمار بصورة أكبر في الوقاية والإنذار المبكر وإدارة الغابات، بدلاً من الاقتصار على الاستجابة بعد اندلاع الحرائق.
وجاء تضامن مصر الكامل مع إسبانيا في مواجهة حرائق الغابات، وذلك خلال اتصال هاتفي للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، معربًا عن خالص تعازيه لأسر الضحايا، وتمنياته بالشفاء العاجل للمصابين، ومؤكدًا استعداد مصر لتقديم أوجه الدعم الممكنة لمساندة الجانب الإسباني في التعامل مع آثار الحرائق، ومن جانبه ثمّن رئيس الوزراء الإسباني الموقف المصري، مؤكدًا أهمية التعاون الدولي في مواجهة الكوارث الطبيعية والتحديات البيئية المتصاعدة.

الخبير السياحي الإسباني الدكتور خوان فرانسيسكو ريفيرو ، عضو الأكاديمية الأوروبية الملكية للأطباء، أكد لـ«الجامعه الاسبانية العربية»، إن حرائق الغابات، رغم حجمها، لم تُحدث حتى الآن تأثيرًا كبيرًا على القطاع السياحي الإسباني، مشيرًا إلى أن آثارها تركزت في المناطق المتضررة ولم تنعكس بصورة واسعة على الحركة السياحية في البلاد.
وأشار ريفيرو إلى أن الحل يكمن في تبني سياسة وطنية شاملة لإدارة الغابات تقوم على تنظيفها بصورة دورية، وإزالة الغطاء النباتي الجاف، وصيانة أسطول طائرات مكافحة الحرائق وشراء طائرات أكثر تطورًا، مع الاستفادة من الرعي الطبيعي للحيوانات في الحد من تراكم الأعشاب القابلة للاشتعال، كما شار إلى أن اسبانيا، رغم امتلاكها رجال إطفاء يتمتعون بكفاءة عالية، لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاستعداد والتنسيق بين مختلف مستويات الإدارة، إلى جانب إصدار قانون وطني ينظم أعمال الوقاية الدورية داخل الغابات.

حمدي زكي المستشار السياحي المصري السابق في إسبانيا والبرتغال والولايات المتحدة يدعوا إلى إطلاق مبادرة دولية تتمثل في عقد مؤتمر عالمي لمناقشة ظاهرة حرائق الغابات، واقترح أن تستضيفه مكتبة الإسكندرية، باعتبارها مؤسسة علمية وثقافية قادرة على جمع الخبراء والباحثين من مختلف دول العالم.
وأوضح زكي أن المؤتمر المقترح سيضم خبراء من إسبانيا وفرنسا وألمانيا واليونان والولايات المتحدة والصين ودول أخرى، لمناقشة أفضل الممارسات في الوقاية من حرائق الغابات، وأنظمة الإنذار المبكر، وإدارة الأزمات، وتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالحرائق والحد من آثارها، وصولًا إلى توصيات عملية تدعم التعاون الدولي في مواجهة واحدة من أخطر الكوارث البيئية التي يشهدها العالم اليوم.




