
كادم بوطيب
لم يكن المصور الصحفي، بحسب المعطيات المتداولة، يحمل سلاحاً أو يتدخل في عملية إخماد الحريق، بل كان يحمل كاميرا ويؤدي مهمة مهنية تتمثل في توثيق حريق اندلع بأحد المصانع بالمنطقة الصناعية بالشرافات، عندما تحولت عملية التغطية إلى واقعة تستحق بدورها التحقيق.
المعطيات المتوفرة تتحدث عن تعرض مصور تابع للمكتب الجهوي للقناة الثانية بمدينة طنجة لاعتداء أثناء قيامه بواجبه، وصولاً إلى تكسير كاميرته.
وإذا تأكدت هذه الوقائع، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا حدث داخل محيط الحريق؟
بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً:
من قرر أن تكون كاميرا الصحفي هي الهدف؟
عدسة كانت توثق الحريق.. فهل أصبحت هي الحريق نفسه؟
في مواقع الحرائق والحوادث، من الطبيعي أن تفرض السلطات والأجهزة المختصة نطاقات أمنية وإجراءات صارمة لحماية الأرواح وتنظيم عمليات التدخل.
ولا خلاف على ضرورة احترام الصحفيين لتلك الإجراءات.
لكن احترام محيط الخطر شيء، وتحويل مهمة صحفية إلى مواجهة أو إتلاف معدات مهنية شيء آخر تماماً، إذا ثبت وقوعه.
وهنا تكمن أهمية التحقيق.
لأن الكاميرا التي تعرضت للتكسير ليست مجرد قطعة من المعدات الإلكترونية، بل وسيلة لتوثيق حدث يهم الرأي العام، ومصدر محتمل لمادة إعلامية يمكن أن تساعد على فهم ما وقع داخل منطقة صناعية شهدت حريقاً.
أسئلة محرجة.. من سيجيب عنها؟
واقعة الشرافات تفرض مجموعة من الأسئلة التي لا ينبغي تجاوزها بالصمت:
من قام بتكسير كاميرا المصور؟
هل كان تكسير المعدات جزءاً من إجراء أمني مشروع، أم تصرفاً فردياً؟
إذا كانت هناك مخالفة مهنية من طرف المصور، فلماذا لم يتم الاكتفاء بالتنبيه أو إبعاده عن منطقة الخطر وفق الإجراءات المعمول بها؟
هل تم توثيق لحظة الاعتداء بالصوت أو الصورة؟
هل توجد كاميرات مراقبة في محيط المصنع أو المنطقة الصناعية يمكن أن تساعد في تحديد ما جرى؟
هل تم الاستماع إلى المصور وإلى الأطراف الموجودة في مكان الواقعة؟
وهل فُتح بحث رسمي لتحديد المسؤوليات؟
ثم هناك السؤال الأهم:
هل أصبح الصحفي في بعض مواقع الحوادث مضطراً إلى التفكير في سلامة كاميرته قبل التفكير في أداء مهمته؟
هذه ليست أسئلة اتهام، وإنما أسئلة تحقيق. والفرق بين الأمرين كبير.
إذا كان هناك خطأ مهني.. فالقانون هو الحكم
حتى في حال افتراض وجود تجاوز من المصور أو عدم احترامه لتعليمات السلامة، فإن ذلك لا يلغي الحاجة إلى معرفة كيفية التعامل مع الواقعة.
فالعمل الصحفي ليس فوق القانون، كما أن تطبيق القانون لا يفترض أن يتم خارج القانون.
ولهذا فإن أي جهة ترى أن الصحفي تجاوز حدوداً مهنية أو أمنية، تملك وسائل قانونية وإدارية للتعامل مع ذلك.
أما إذا ثبت أن معدات صحفية تعرضت للإتلاف دون سند قانوني، فإن الأمر يصبح مختلفاً ويستوجب تحديد المسؤوليات.
المسألة إذن ليست من ينتصر في الرواية، بل ماذا حدث فعلاً؟
هل نحن أمام حادث عابر أم مؤشر يحتاج إلى التوقف عنده؟
قد يرى البعض أن الأمر مجرد خلاف وقع في لحظة توتر بسبب حريق، وأنه لا يستحق كل هذا الاهتمام.
لكن الصحافة تنظر إلى الوقائع من زاوية أخرى.
لأن التساهل مع الاعتداء على صحفي أو إتلاف معداته، إذا ثبت، قد يجعل مثل هذه السلوكيات قابلة للتكرار.
وفي المقابل، فإن حماية الصحفي لا تعني منحه الحق في تجاهل تعليمات السلامة أو عرقلة تدخلات الإنقاذ.
المعادلة واضحة:
الصحفي يحترم القانون والتعليمات، والجهة المكلفة بفرض النظام تحترم الصحفي وحقوقه ومعداته.
ماذا كانت ستكشف الكاميرا؟
هنا تبرز نقطة أخرى أكثر حساسية.
الكاميرا كانت موجودة لتوثيق حريق داخل منشأة صناعية.
فهل تمكن المصور من تسجيل مشاهد قبل وقوع الواقعة؟
وهل تعرضت المواد المصورة للتلف أو الضياع؟
وهل يمكن أن تتضمن التسجيلات معطيات تساعد في فهم أسباب الحريق أو ظروف اندلاعه أو حجم الأضرار؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن تكسير الكاميرا لا يعود مجرد خلاف حول معدات مهنية، وإنما يصبح واقعة تمس أيضاً عملية توثيق حدث عام.
ولهذا فإن فتح تحقيق مهني وقانوني في الواقعة، إذا لم يكن قد تم بالفعل، يبدو أمراً مشروعاً ومطلوباً لتبديد أي لبس.
الوطن24 تطرح السؤال.. ولا تصدر حكماً
في هذه المرحلة، لا ينبغي لـ«الوطن24» ولا لأي وسيلة إعلامية أخرى أن تصدر حكماً مسبقاً على أي شخص أو جهة.
المسؤولية يحددها التحقيق والأدلة، وليس الانطباعات.
لكن الصحافة مطالبة أيضاً بطرح الأسئلة التي قد تكون محرجة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحرية العمل الصحفي وسلامة الصحفيين أثناء أداء مهامهم.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً هو:
إذا كان ما وقع مجرد سوء تفاهم ميداني، فلماذا لا يتم توضيح ملابساته للرأي العام؟ وإذا كان هناك اعتداء فعلاً، فمن المسؤول عنه؟
المطلوب ليس أكثر من الحقيقة.
لا حماية لأي طرف خارج القانون، ولا اتهام لأي طرف قبل ثبوت الوقائع.
الكاميرا تُكسّر.. لكن السؤال يبقى
حريق الشرافات سينتهي، وآثاره المادية ستُحصى، وستعود المنطقة الصناعية إلى نشاطها.
لكن واقعة المصور، إذا تأكدت تفاصيلها، يجب ألا تختفي مع الدخان.
لأن حماية الصحافة لا تعني إعفاء الصحفي من القانون، كما أن فرض النظام لا يعني إسكات الكاميرا بالقوة.
وفي بلد مثل المغرب، الذي يراهن على تطوير صورته ومؤسساته وممارساته الإعلامية، فإن أفضل جواب على مثل هذه الوقائع ليس الصمت، وإنما التحقيق الشفاف، وتحديد المسؤوليات، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
فمن كسر الكاميرا؟
ومن سيجيب عن الأسئلة؟
والأهم:
هل كانت الكاميرا هي المشكلة.. أم أن ما كانت توثقه هو الذي يستحق أن نعرفه؟