بيدرو سانشيز يرفع شعار السيادة في وجه واشنطن وتل أبيب وموسكو: «إسبانيا تُحكم من إسبانيا».. خطاب سياسي يفتح سؤال المقارنة حول القرار السيادي لدى الكثير من الدول؟؟

 

عبد الهادي العسلة

في زمن أصبحت فيه موازين القوة الدولية تلقي بظلالها على القرارات السياسية والاقتصادية للدول، اختار رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن يطلق رسالة سياسية واضحة، تجاوز صداها حدود إسبانيا، واضعاً مسألة استقلال القرار الوطني في صلب خطابه السياسي، ومؤكداً أن مستقبل بلاده لا ينبغي أن يُرسم في العواصم الأجنبية، مهما بلغ نفوذها السياسي أو الاقتصادي.

«إسبانيا تُحكم من إسبانيا، وليس من واشنطن، ولا من تل أبيب، ولا من بوينس آيرس، ولا من موسكو». بهذه العبارة خاطب سانشيز أنصاره خلال تجمع سياسي بمدينة تاراغونا، يوم السبت 7 نوفمبر 2026، قبل أن يضيف: «لن نسمح بأن يصبح بلدنا محطة أو فناءً خلفياً للأممية اليمينية المتطرفة».

ولم يكن التصريح مجرد جملة عابرة في خطاب انتخابي، بل رسالة سياسية اختار سانشيز من خلالها وضع مفهوم السيادة الوطنية في مواجهة ما يعتبره تمدداً لشبكات اليمين المتطرف العابرة للحدود، وتأثيراً متزايداً للقوى والشخصيات السياسية الأجنبية في التوجهات الداخلية للدول.

وجاء هذا الموقف قبل الانتخابات العامة الإسبانية المقررة يوم 29 نوفمبر الجاري، وفي سياق مواجهة سياسية محتدمة بين الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، الذي يقوده سانشيز، وخصومه من الحزب الشعبي وحزب فوكس.

تكمن أهمية التصريح في اختيار سانشيز تسمية عواصم دولية بعينها، وربطها بنقاش استقلال القرار الإسباني. فواشنطن تمثل مركزاً أساسياً للقرار السياسي والعسكري الغربي، وتل أبيب ترتبط بالخلافات حول الحرب في غزة والموقف من القضية الفلسطينية، فيما تحضر موسكو في سياق الحرب في أوكرانيا والتوترات الأوروبية الروسية، بينما ترتبط بوينس آيرس بالخلاف السياسي والإيديولوجي بين سانشيز والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.

ومن خلال هذا الخطاب، يحاول رئيس الحكومة الإسبانية التأكيد على أن بلاده ليست ملزمة بتبني مواقف أو توجهات خارجية لمجرد صدورها عن قوى دولية نافذة، وأن العلاقات الدولية ينبغي أن تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام، لا على التبعية السياسية.

والأهم أن سانشيز لم يحصر رسالته في رفض نفوذ دولة بعينها، بل ربطها بما سماه «الأممية اليمينية المتطرفة»، معتبراً أن بعض التيارات السياسية الأوروبية تتجاوز حدودها الوطنية، وتستفيد من علاقات وتمويلات ودعم سياسي خارجي.

لا يمكن قراءة هذا الخطاب بمعزل عن الموقف الإسباني من القضية الفلسطينية، الذي شكل أحد أبرز الملفات الخلافية بين حكومة سانشيز والحكومة الإسرائيلية.

فقد اتخذت إسبانيا في 28 مايو 2024 قرار الاعتراف رسمياً بدولة فلسطين، إلى جانب أيرلندا والنرويج، في خطوة عكست اختيار مدريد دعم حل الدولتين، رغم الاعتراضات الإسرائيلية والضغوط السياسية المرتبطة بهذا الملف.

كما واصل سانشيز انتقاد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والدعوة إلى احترام القانون الدولي وحماية المدنيين، مؤكداً ضرورة التعايش السلمي بين دولة فلسطين ودولة إسرائيل.

ومن هنا، يكتسب ذكر تل أبيب في خطابه دلالة سياسية خاصة، باعتباره جزءاً من نقاش أوسع حول حق الدول في تحديد مواقفها الدبلوماسية دون أن تتحول الخلافات مع الحكومات الأخرى إلى سبب للتراجع عن اختياراتها السياسية.

فالسيادة لا تعني الدخول في مواجهة دائمة مع القوى الدولية، وإنما تعني امتلاك القدرة على الاختلاف معها عندما تتعارض سياساتها مع المبادئ أو المصالح التي تتبناها الدولة.

ربما تكون الرسالة الأكثر إثارة للنقاش بالنسبة إلى المتابع العربي هي المقارنة بين جرأة سانشيز في التعبير عن موقفه السياسي، وبين ما تنتظره قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية من قادتها في القضايا الدولية المصيرية.

ففي الوقت الذي يعلن فيه رئيس حكومة أوروبية أن بلاده لن تكون فناءً خلفياً لأي قوة أو تيار سياسي خارجي، ما زال السؤال مطروحاً في المنطقة العربية: إلى أي حد تمتلك بعض الحكومات القدرة على الدفاع عن استقلال قراراتها، والتعبير عن مواقفها بوضوح عندما تتعارض الضغوط الدولية مع مصالح شعوبها وقضاياها العادلة؟

إن المقارنة هنا لا تتعلق بالقوة الاقتصادية أو العسكرية، ولا تعني أن التجارب السياسية الإسبانية قابلة للاستنساخ في كل الدول، بل تتعلق بمبدأ أساسي في الحكم: أن تكون المصلحة الوطنية وكرامة الشعوب وحقوقها في صدارة القرار السياسي.

فالعلاقات مع الولايات المتحدة أو أوروبا أو روسيا أو غيرها من القوى الدولية ليست في حد ذاتها مشكلة، بل إن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشراكات إلى تبعية، أو عندما تصبح الحسابات الخارجية أقوى من المؤسسات الوطنية وإرادة المواطنين.

ولعل القضية الفلسطينية تقدم مثالاً واضحاً على أهمية هذا النقاش؛ إذ إن الشعوب العربية والإسلامية لا تنتظر بيانات دبلوماسية متكررة بقدر ما تتطلع إلى مواقف سياسية ودبلوماسية واضحة، وإلى سياسات عملية تنسجم مع المبادئ المعلنة.

من الإنصاف السياسي والإعلامي عدم فصل تصريحات سانشيز عن سياقها الانتخابي. فهو يخوض معركة سياسية حاسمة، ويسعى إلى تعبئة قواعد حزبه والناخبين المؤيدين لمشروعه، مستثمراً قضايا السيادة الوطنية ومواجهة اليمين المتطرف والسياسة الخارجية في حملته الانتخابية.

وقد سبق له أن عبّر عن الموقف نفسه يوم 2 نوفمبر الجاري، خلال مشاركته في منتدى «World in Progress» بمدينة برشلونة، حيث انتقد ما وصفه بخضوع بعض تيارات اليمين المتطرف لقيادات وأوليغارشيات أجنبية، معتبراً أن هذه الجهات تمول تلك التيارات وتؤثر في توجهاتها.

وبالتالي، فإن خطابه يحمل بُعدين متداخلين: الأول يتعلق بالدفاع عن استقلال القرار الإسباني، والثاني يرتبط بالمواجهة الانتخابية مع اليمين الإسباني وتحالفاته السياسية.

لكن وجود حسابات انتخابية لا يلغي أهمية الرسالة السياسية، كما أن قوة التصريحات لا تكفي وحدها للحكم على تجربة أي مسؤول. فالاختبار الحقيقي يكمن في مدى ترجمة هذه المواقف إلى سياسات عملية، واحترام المؤسسات الديمقراطية، وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.

تطرح تجربة الخطاب الإسباني مسألة جوهرية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة وشعبها. فالحكومات التي تستند إلى مؤسسات قوية وثقة المواطنين تكون أكثر قدرة على التفاوض والدفاع عن مصالحها في المحافل الدولية.

ولا يمكن اختزال استقلال الدولة في شخصية رئيس الحكومة أو في قوة خطاب سياسي، لأن السيادة الحقيقية تقوم على مؤسسات دستورية مستقلة، واقتصاد قادر على حماية المصالح الوطنية، وقضاء يحترم القانون، ومجتمع يشارك في صناعة القرار ويراقب أداء المسؤولين.

ومن هذا المنطلق، فإن قوة أي قائد لا تقاس فقط بقدرته على مواجهة الخارج، بل أيضاً بمدى استعداده للمحاسبة أمام الداخل، واحترامه لإرادة الشعب، وعدم وضع الولاءات الحزبية أو الحسابات الشخصية فوق المصلحة العامة.

قد نختلف مع بيدرو سانشيز في بعض سياساته وتوجهاته، وقد نناقش خلفيات خطابه الانتخابية، لكن عبارته الأخيرة أعادت إلى الواجهة سؤالاً سياسياً يتجاوز إسبانيا وأوروبا: هل تستطيع الدول أن تحافظ على استقلال قرارها في عالم تحكمه موازين القوة والتحالفات والمصالح؟

إن قيمة هذا التصريح تكمن في الجرأة على إعلان الموقف، وفي إعادة طرح السيادة الوطنية باعتبارها مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه المواطنين، وليست مجرد شعار يرفع في المناسبات.

أما بالنسبة إلى العالم العربي والإسلامي، فإن الرسالة الأهم ليست الدعوة إلى تقليد سانشيز أو تبني توجهاته السياسية، وإنما استحضار حق الشعوب في أن تكون صاحبة الكلمة في مستقبلها، وأن تستند حكوماتها إلى ثقتها وإرادتها، لا إلى رضا القوى الخارجية.

«إسبانيا تُحكم من إسبانيا».. عبارة انتخابية في سياقها الإسباني، لكنها تفتح نقاشاً عالمياً حول السيادة والكرامة السياسية واستقلال القرار الوطني، وهو نقاش يستحق أن يتجاوز حدود الجغرافيا والحسابات الحزبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »