بهجت العبيدى يكتب : مقال “أهل الذمة” للشرفاء الحمادي يعيد ضبط البوصلة بالعودة إلى القرآن الكريم

في الوقت الذي يعلو فيه الصخب على المنابر، ويبرز فيه صوت الشعارات على صوت الفكرة، يخرج الكاتب الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي بمقاله حول “أهل الذمة” ليعيد ضبط البوصلة، لا عبر مجاملة التاريخ، ولا عبر صدام مصطنع مع التراث، بل عبر عودة مباشرة إلى النص المؤسس: القرآن الكريم.
إن الجرأة هنا ليست في نقد مصطلحٍ استقر في كتب الفقه، بل في تفكيك بنيته ومفهومه، وسؤال عن مرجعيته، ثم إعادة قراءته في ضوء القيم القرآنية الكلية: العدل، والحرية، وكرامة الإنسان. هذا هو جوهر المواجهة الشجاعة التي يطرحها الشرفاء؛ مواجهة مع الفهم المتوارث حين يتعارض مع المقاصد الأصيلة للنص.
إن التحليل الذي قدمه الاستاذ على الشرفاء لا يكتفي بنفي قداسة المصطلح، بل يذهب أبعد من ذلك: يعيد تعريف العلاقة بين المسلم وغير المسلم من منطلق إنساني قرآني لا يُجيز طبقية دينية، ولا يقبل تصنيف البشر في درجات حقوقية متفاوتة بحسب العقيدة.
في قراءة الشرفاء، لا يتم تقديم الإسلام كنظام امتيازات، بل منظومة عدالة؛ ولا يقدم كإطار وصاية، بل فضاء مسؤولية متبادلة.
وهنا تكمن النقلة النوعية. فبدل أن يبقى الإسلام أسير سرديات دفاعية تبريرية، يدفع الشرفاء باتجاه خطاب تحرري يعيد تقديم الإسلام كرسالة كونية، تُخاطب الإنسان بما هو إنسان. لا باعتباره تابعا، ولا “محميا” في ظل سلطة دينية، بل شريكا كامل الحقوق في مجتمع يقوم على المواطنة والقانون.
إن هذا الطرح لا يهادن، لكنه، أيضا، لا يخاصم. لا يُسقط التراث، لكنه يرفض أن يُقدَّم هذا التراث كدين مُنزّل. إنه يفرّق بوضوح بين النص الإلهي والاجتهاد البشري، بين المقدس والتاريخي، بين ما هو ثابت وما هو نتاج سياق سياسي واجتماعي مضى. ومن هنا تأتي أهميته: إنه يحرر العقل من رهبة المصطلح، ويعيده إلى منطق المقاصد.
إننا نجد فيما قدمه الشرفاء الحمادي من مواجهة مفهوم “أهل الذمة” بهذا الوضوح المذهل خطوة هامة في معركة الوعي. فالصورة التي عُلِّقت طويلا بالإسلام في الخطاب العالمي – باعتباره دين تمييز – لا تُصحَّح بردود فعل عاطفية، بل بإعادة قراءة جادة للنص المؤسس، وإظهار الفارق بين روح الرسالة وبعض التطبيقات التاريخية.
إن فكر الاستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في هذا السياق يمثل تيارا إصلاحيا عقلانيا فريدا، يُدرك أن الدفاع الحقيقي عن الإسلام لا يكون بتجميل الماضي، بل مواجهته بتصحيح المفاهيم. وهو بذلك يفتح أفقا جديدا: أن ننتقل بالإسلام من مربع الدفاع إلى مربع المبادرة، من موقع الاتهام إلى موقع الشهادة الحضارية.إننا لا نرى في هذا المقال مجرد رأي في مصطلح؛ بل نذهب إلى أنه دعوة لإعادة تأسيس الفهم، وإعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة، وبين العقيدة والمواطنة. إنه دعوة تضع القرآن – كما ينادي الشرفاء دائما – في مركز التشريع الأخلاقي، وتُخضع ما عداه لميزان النقد والمراجعة.
99وإذا كان للأفكار الشجاعة ثمن، فإن لها أيضا أثرا. وأثر هذا الطرح أنه يعيد تقديم الإسلام بلغة القرن الحادي والعشرين، دون أن يفرط في ثوابته، ودون أن يخضع لابتزاز من أي نوع. إنه خطاب يراهن على العقل، ويثق في النص، ويؤمن أن الحقيقة لا تخشى النقاش.
بهذا النفس التحليلي العميق، وهذه المواجهة الفكرية الواضحة، يرسخ الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي موقعه كأحد الأصوات التي تسعى إلى تجديد الخطاب من الداخل، لا عبر الهدم، بل عبر إعادة البناء على أساس قرآني صريح.
إن التحولات الكبرى تبدأ دائما بسؤال شجاع. وإننا نذهب إلى أن هذا المقال كان سؤالا في وجه المسلّمات، وإجابة في وجه الالتباس.




