بمناسبة يوم الخارجية المصرية: نحو الدبلوماسية الذكية والقراءة النقدية لإدارة العلاقات الدولية الرقمية

بقلم السفير عمرو الجويلى
تحتفل وزارة الخارجية بيوم الدبلوماسية المصرية منتصف مارس من كل عام، ولعل تلك المناسبة فرصة ليس فقط للاحتفاء بمؤسسة عريقة ننتمى إليها، وتذكر زملاء أجلاء فقدناهم، وتكريم زملاء قدامى يتقاعدون، بل أنها فرصة فريدة للتفكير والتدبر فى مهنة نبيلة امتهناها، وكيف نشأت فى الزمن الماضى، وأضحت فى الوقت المعاصر، وستصبح فى المستقبل المنظور، وتتطور فى المدى البعيد.
من هنا، نُفردُ هذا الديوان لقراءات متعمقة فى كتابات متأصلة حول الدبلوماسية فى العصر الرقمى، ولدينا مقالات ثرية فى هذا العدد نسردها من الأعم إلى الأخص.
نبدأ بقراءة د. مظهر الشوربجى مدرس الفلسفة السياسية، ومدير كرسى بطرس بطرس غالى للسلام المستدام بجامعة دراية بالمنيا الجديدة عن كتاب التكوين: الذكاء الاصطناعى ورؤى للدبلوماسية فى عصر التحولات العالمية، ثم قراءة للزميل الملحق مروان سعد لـ”دليل أوكسفورد للدبلوماسية الرقمية”، وقراءة للباحثة زينب مصطفى فى برنامج دكتوراه العلوم السياسية بجامعة القاهرة لـ”دليل بالجريف للفكر الدبلوماسى والممارسة فى عصر الرقمنة”، وتلك المقالات الثلاثة شاملة جامعة للدبلوماسية بل أيضًا للوضع الجغراسياسى فى العصر الرقمى الحالى.
ثم ننتقل إلى قراءتين متخصصتين بعض الشئ باعتبار أنهما يخصان الذكاء الاصطناعى بالذات، وهو جزء لا يتجزأ من العصر الرقمى الذى نعيشه، وأيضًا لأنهما يتضمنان دراسات حالة وتطبيقات محددة تمس الدبلوماسية بالذات.
وهنا نشير إلى مقال الباحثة منة أحمد الباحث الاقتصادية بوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية حول كتاب “الذكاء الاصطناعى فى الدبلوماسية: الفرص والتحديات فى عصر التحول الرقمى”، ومقال الباحث يوسف موسى بوحدة التعليم التنفيذى بكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة حول كتاب “الذكاء الاصطناعى والدبلوماسية الرقمية: فرص وتحديات”.
ثم أخيراً مقال الباحثة إنجى حسام لكتيب “مجموعة العشرين وحوكمة الذكاء الاصطناعى العالمية” والذى ينتقل بنا إلى كيفية تعامل الدبلوماسية مع القضايا الرقمية الدولية المطروحة على جدول أعمال الدبلوماسية الدولية.
كنتُ أنوى عرض أهم ما جاء فى هذه المقالات الست، على نحو ما اعتدنا فى الإصدارات السابقة للديوان، لكن فعلاً أود ترك المجال للقارئ ليطلع بنفسه على ما جاء بها من قراءة متأنية لكُتب ومراجع أساسية فى هذا المجال المهم البازغ الذى سيكتسب أرضية متزايدة فى الفترات القادمة.
وربما العُذر الجانبى هو ضيق الوقت وقلة المساحة لانتقاء بعض ما جاء فى تلك المقالات، فحمل العمل كبير والوقت المتبقى لمثل هذه المساهمات الطوعية الهادفة إلى الإسهام فى الأدبيات والتواصل مع الأجيال بهدف بناء القدرات، يتقلص يوماً بعد يوم.
ليس من السهل أن تكون للشخص وظيفة عملية دائمة تتزايد مسؤولياتها مع رغبة دائمة فى الإسهام النظرى والفكرى، على كل، أترككم لاستنباط أهم الأفكار بإطلاعكم المباشر على كل مقال.
“من التحديات المعلوماتية والاتصالاتية إلى الرقمية”
تزايد الحديث عن التأثيرات الضخمة لثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على الدبلوماسية فى الفترة التى توسعت فيها استخداماتها وأصبحت فى المتناول أكثر من أى وقت من قبل، ولعل ذلك كان فى بداية التسعينات عندما اتسع نطاق توافر الشبكة العنكبوتية “الويب” وزادت وسائل النفاذ إليها من جانب وسهولة استخدامها من خلال برامج التصفح browsers من جانب آخر.
ومثل ذلك تطور “معلوماتى” كبير يواجه الدبلوماسية، إضافة إلى تقنية أخرى كانت آخذة فى التشكل على مدى عقود وهى كل ما يتعلق بالتطور فى أدوات وقنوات الاتصالات.
ولعل هذه الثورة “المعلواتصالاتية” مست ركنين أساسيين من طبيعة العمل الدبلوماسى الذى هو فى الأساس يعتمد على المعلومة من جانب، وعلى الاتصال من جانب آخر باعتبار أن طبيعة المنظومة قائمة على مقر هو وزارة الخارجية، وفروع فى شكل البعثات الدبلوماسية.
إذن كان من الطبيعى أن تكون لتلك الثورة تأثير كبير على طبيعة المهنة الدبلوماسية فتحت الباب أمام سيل من الكتابات وفيض من الأدبيات استشرفنا بعضه فى بداياته عندما صدر أول دراسة باللغة العربية لتأثير تلك الثورة على العلاقات الدولية بشكل عام، والسياسة الخارجية والدبلوماسية بشكل خاص فى عدد يناير 1996 لدورية السياسة الدولية بإشراف مشترك من د. أسامة الغزالى حرب.
“الدبلوماسية الذكية: قدرات التفكير النقدى فى ظل العصور الرقمية”
ومع التأثير الهائل لتلك الثورة على مهنة الدبلوماسية ووظيفة السياسة الخارجية، إلا أنها كانت فى الأساس بشأن الأدوات المتاحة فى المعلومات والاتصالات بمعنى أنها لم تكن بالضرورة استبدال لصلب وظيفة الدبلوماسى القائمة على التحليل والتفسير بل ربما انصبت أكثر على الوسائل والأدوات المتاحة له للقيام بتلك المهمة.
أما الآن مع القفزة الهائلة التى أحدثها الذكاء الاصطناعى ودخوله إلى حيز “التفكير” الذى كان مركزاً، إن لم يكن قاصراً، فى السابق على العنصر البشرى.
وبالتالى، فإن تطور القدرات الفائقة لمنصات الذكاء الاصطناعى امتد الآن إلى صميم دور الدبلوماسى فى منظومة صنع السياسة الخارجية.
ولا نقول أن ذلك أمر تتفرد به مهنتنا، فكما أصبح متداولاً، لذلك تأثير على عدد هائل من الوظائف يرجح أن تتم إعادة هيكلة الاقتصادات والمجتمعات على حد سواء.
لكن ربما إحدى الاستنتاجات الآخذة فى الترسخ هو أن الذكاء الاصطناعى قد يحل محل العنصر البشرى الذى لا يستخدم الذكاء الاصطناعى ذاته، بمعنى أنه إذا طور الإنسان من ذاته وأصبح قادراً على الاستفادة من تلك التقنيات، بما فيها الذكاء الاصطناعى لكن أيضًا جميع أنواع التكنولوجيات ذات القدرات المعززة enhanced فهو بالتأكيد سيستطيع ليس فقط البقاء فى تلك المنافسة المحتدمة، لكن أيضًا التفوق على التكنولوجيا البديلة غير المؤيدة بالعمل البشرى، وهناك بالطبع بُعد أخلاقى محورى فى ذلك وهو أن تظل القرارات الرئيسية بشأن الاختيارات الجوهرية فى يد، أو بالأصح فى عقل، البشر دون غيرهم.
وإذا طبقنا ذلك على الدبلوماسية، فإن الدبلوماسى الذى يعرف إمكانات الثورة الرقمية ويجيد استخدامها ويستوعب محركاتها سيكون هو العنصر الحاسم فى تكييف هذه المهنة مع هذا الواقع الجديد.
والأصل هنا فى تطوير قدرات التفكير النقدى critical thinking القادر على التعرف على التحيزات وتقييم الآراء وتقديم التوصيات حتى مع، أو من خلال، المنصات والأدوات الرقمية والهجينة المتوافرة بشكل متزايد، بما فيها الذكاء الاصطناعى والحوسبة الكمومية والتكنولوجيا الحيوية الهجينة.
لكن يخطئ من يعتقد أن الأمر الجوهرى هو توافر تلك الأدوات والنفاذ إلى تلك المنصات فقط، فالأصل هو فى القدرة على الاستيعاب والمهارة فى الاستخدام بناءً على منهجية التفكير العلمى فى العمومية والنقدى فى الخصوصية.
ما أعنيه هنا هو أن تلك التقانات لا تحقق إمكاناتها وأن الاستخدام لها لا يعظم من فوائدها ويحقق أغراضها إلا إذا كان ذلك فى سياق أو بيئة تسمح بذلك، وهى بيئة صنع القرار المبنية على منهج العلمى لمعالجة البيانات وتحليلها مستند إلى الحقائق ومعتمد على الوقائع.
وبالتالى، فإن تطوير المنظومات الإدارية خاصة تلك المتعلقة بصنع واتخاذ القرار هى الأساس فى التكيف مع المنصات الحديثة والأدوات التكنولوجية السريعة، وليس العكس.
“الدبلوماسية والثورة المعلوماتية الاتصالية والرقمية”
ولا تزال الدول بالرغم من التحديات التى تواجهها هى الفاعل الأهم، ولا نقول الأوحد أو الرئيسى، فى العلاقات الدولية.
وتظل الدول محتكرة إلى حد كبير العضوية فى معظم المنظمات الدولية، ومن هنا أهمية دراسة أثر الثورة المعلواتصالية/الرقمية على وزارات الخارجية بصفتها المؤسسة الرئيسية فى صنع وتنفيذ السياسة الخارجية، وإن كانت تشاركها فى هذه المهمة مؤسسات أخرى تترواح قوتها النسبية بالمقارنة بوزارات الخارجية طبقاً لطبيعة النظام السياسى السائد فى هذه الدولة.
وأهم ما أفرزته الثورة المعلواتصالية/الرقمية أنها أفرزت بيئة جديدة محيطة بنطاق عمل وزارات الخارجية.
فى بعض الأحيان، وفرت هذه الثورة لدوائر أخرى أدوات طالما احتكرتها وزارات الخارجية مما أدى إلى تغيير الوزن النسبى لهذه المؤسسات فيما يتعلق بصنع السياسة الخارجية لصالح جهات أخرى غير وزارات الخارجية كما قد يبدو للوهلة الأولى.
والملاحظ فى بعض الكتابات أنها، مع صحة بعض الاتجاهات العامة التى تشير إليها، تفترض ضمن ما تفترض شيئين هامين غير متفق عليهما: الأول هو أن صُناع القرار فى السلطة التنفيذية يعتمدون بشكل كبير فى الحصول على المعلومات ويبنون قراراتهم على المادة وطبقاً للسياق الذى تفرضه وسائل تكنولوجية اتصالاتية سواء التقليدية أو الإعلام الجديد، والثانى أن وزارات الخارجية تظل جامدة ولا تكيف نفسها مع الوضع الجديد لتضطلع فيه بمهام جديدة.
“وزارات الخارجية والثورة الرقمية”
نلاحظ أهمية أن تتطور وزارات الخارجية لتواكب السياق الأعم الذى شكلته الثورة الرقمية، وأن المدخل الأشمل فى دراسة أثر الثورة المعلواتصالية/الرقمية على وزارات الخارجية هو التعرف على طبيعة عملها، نجد كما ذكرنا من قبل، أن بنية الجهاز الدبلوماسى تؤهله ليكون من أكثر المؤسسات المرشحة للتأثر بالمعلوماتية فهيكلة مبنى على وجود مقر واحد مع وجود بعثات عديدة فى أنحاء العالم وتحتاج إلى الاتصال الدائم فيما بينهما.
ولذا فإن أى تقدم فى مجال تكنولوجيا الاتصالات يكون له أثر مباشر على سرعة وكفاءة العمل فى هذه المؤسسة.
وإذا ما استرجعنا أحد أهم وظائف الدبلوماسية، نجد أنها حماية المصلحة القومية (للدولة وليس لقطاع بعينه كما الحال فى مكاتب التمثيل النوعية) وهى مصلحة مركبة تتكون من عدد من المصالح الجزئية (اقتصادية، ثقافية، عسكرية، سياسية، إلخ ……).
ولذا فهناك حاجة دائمة إلى تشكيل صورة شاملة (Big Picture) ومن هنا فائدة أى آلة قادرة على تربيط ومعالجة المعلومات وهو الهدف من المنصات الرقمية.
أوضحنا هنا كيف أن شقى الثورة المعلواتصالية (تكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات) يستجيبان فى حقيقة الأمر لأهم متطلبات الجهاز الدبلوماسى المبنية على وظيفته وبنيته.
بالإضافة إلى العوامل الذاتية التى تشجع وزارات الخارجية على إدخال التكنولوجيات الرقمية فى منظومتها، ضاعفت العوامل الخارجية والتى تتمثل فى تغيير البيئة المحيطة من أولوية وأهمية هذا الاتجاه.
تغير السياق الدولى العام المحيط بصناعة القرار الدبلوماسى مع تسارع الأحداث وكثرة المعلومات المتوفرة عنها.
ولذا تقلصت المدة المتاحة أمام عملية صناعة القرار فهناك حاجة دائمة للاستجابة للبيئة المتغيرة، وزاد من تغير البيئة شيوع استخدام التكنولوجيات الرقمية فى أوجه مختلفة من الحياة العامة فى شكل يشبه التسابق بين الجهات المختلفة.
ومن العوامل الخارجية الأخرى التى شجعت الوزارات وهى الاستفادة من التقدم الذى طرأ على الإمكانات التقنية، فالسلوك تجاه استخدام تلك التكنولوجيا الرقمية فى الحكومة يتغير كلما أصبحت نظم المعلومات أكثر تطورا خاصة وأنه من الممكن التكيف مع بعض نظم المعلومات المستخدمة بالفعل فى المؤسسات التجارية.
ويعد تطبيق وتفعيل منظومات المعلومات كانت أحد الطرق لتمكين وزارات الخارجية من المنافسة وإثبات ذاتها نظرا لقيام الوزارات الأخرى بمشارة أكبر فى القضايا الدولية لتمكنهم بالاتصال مباشرة بنظرائهم الأجانب.
ومن العوامل الذاتية/الخارجية “زيادة الوعى بتكنولوجيا المعلومات ضمن الدبلوماسيين الشباب من خلال استخدامهم لها أثناء الدراسة”.
وتوجد عوائق وحواجز عديدة نقسمها إلى: مادية، أمنية، ع
بنيوية، فنية، وعوائق بيئية محيطية.
تتمثل العوائق المادية فى محدودية توافر الأجهزة وضعف ميزانيات وزارات الخارجية بالمقارنة بالشركات العملاقة متعددة الجنسية ووزارات الدفاع مما يصعب القيام بالبحث والتطوير اللازمين فى عصر المعلومات.
ومما يفاقم من هذه المشكلة هو أن هيكل الجهاز الدبلوماسى يتكون من مقر دائم وبعثات فى الخارج مما يزيد من تكلفة عملية إدخال التكنولوجيا المعلواتصالية نظراً “لتمدد” الجهاز الإدارى عبر مواضع متباعدة جغرافياً.
كما أن هناك معوقات بيئية تتمثل فى عمل جانب هام من الجهاز الدبلوماسى وسط محيط أجنبى يمكن الدولة المضيفة من فرض قيود ويزيد من اعتمادية البعثات فى الخارج على المساعدة الفنية الأجنبية وقت الحاجة.
وهناك أيضًا عوائق فنية تتمثل فى صعوبة المعالجة الالكترونية لمعظم المعلومات التى تضطلع بها وزارات الخارجية حيث أنها معلومات “مرنة” وغير مهيكلة.
ومن العوائق البنيوية صعوبة الوصول إلى إستراتيجية عامة لميكنة وربط المقر بالبعثات نظراً لاختلف أحجام السفارات واختلاف المعايير الفنية.
إلا أن المشكلة الأكبر تتمثل فى العوائق الأمنية فطبيعة المعلومات التى تتداولها وزارات الخارجية معلومات محظورة.
وبما أن هناك مخاطرة دائماً فى شبكات المعلومات بأنها يمكن اقتحامها إلكترونياً، كانت المعوقات الأمنية أحد الأسباب وراء الإبطاء فى ميكنة العمل فى الأجهزة الدبلوماسية.
وتطورت نظريتان للتعامل مع هذه العائق: الأولى تقنية فنية يُعنى باستخدام تكنولوجيا متقدمة يصعب الدخول عليها وكسرها، أما الثانية تمثل فى إعادة تقييم معيار السرية.
ونستعيد هنا تحليل “ألفين توفلر” الذى يجادل أن التحدى الأكبر الماثل أمام أجهزة المخابرات المعاصرة هو أزمة “شلل التحليل” Analysis Paralysis الدال على عدم تمكن توصيل التحليلات الهامة إلى الشخص المناسب فى الوقت المناسب وذلك حتى يتسنى اتخاذ القرارات الهامة مما حتم تبنى رؤية جديدة لمفهوم سرية المعلومات يدفع إلى التقليل من القيود المفروضة على انسياب المعلومات وتبادلها.
وأتاح ذلك إمكانية الحصول على المعلومات الهامة من مصادر “مفتوحة” للاستخدام العام حتى أن الاعتماد على مصادر السرية فقط يقود حتما إلى الوقوع فى فخ عدم الكفاءة والفاعلية وتعد وجهة نظر “الدون” متطابقة حيث يجادل بأن النظرة إلى الأمن ومفهوم السرية لابد وأن تغيير ضارباً المثل وزارتى الخارجية فى المملكة المتحدة والولايات المتحدة اللتين قامتا بتخفيض درجة السرية على عدد كبير من الوثائق منذ زمن بعيد.
وكما رأينا فإن هناك حلول لكل هذه الحواجز ولكن هناك عائق رئيسى لم نتطرق إليه وسنشير إليه باختصار شديد هو العائق البيروقراطى الإدارى.
من المتوقع أن تمثل الجوانب الاجتماعية والسياسية وليست الفنية، الصعوبات الحقيقية أمام عملية استقدام المنظومات الرقمية الجديدة فى وزارات الخارجية يتعلق بأثر الثورة المعلواتصالية/الرقمية على الإدارة وتأثيرها على الهرميات hierarchies وخاصة تجاه التفكيك واللامركزية وتحولها للمؤسسات إلى شبكات تتيح التخاطب المباشر.
وستكون لاستكمال عملية إدخال الرقمنية المعلوماتية فى الجهاز الدبلوماسى أثاره الإدارية لكننا لن نخوض فى هذا الجانب أكثر من ذلك حيث أن ذلك يخرج عن نطاق البحث.
“ملامح الدبلوماسية الذكية والدور الجديد لوزارات الخارجية”
على العكس من بعض الكتابات التى تركز على تناقض أهمية الدبلوماسية الرسمية لوزارات الخارجية نتيجة للتطورات التى أحدثتها ثورة المعلواتصالية/الرقمية، نجد أن الفرص التى أتاحتها والإمكانات التى توفرها تفتح آفاقاً جديدة لدور مرموق تقوم به وزارات الخارجية فى عملية صنع اتخاذ وتنفيذ قرارات السياسة الخارجية، هذا بالطبع إذا ما تم تطوير العمل بهذه الوزارات وتكييف هياكلها الإدارية للدور المرموق المتاح.
خلاصة القول أنه أمام وزارات الخارجية فرصة لتوفير الوقت والمجهود الموجهين لتجميع البيانات والمعلومات الخام raw data فالإعلام ومؤسسات المعرفة المختلفة من الجامعات ومراكز أبحاث تقوم بهذه المهمة الآن.
والإمكانية متاحة لتوجيه الوقت والجهد إلى مهام أكثر خلاقة وإبداعية تتطلب بالطبع نوعاً خاصاً من الموارد البشرية للالتحاق بالعمل الدبلوماسى تتميز بروح المبادرة، القدرة على الإدارة، التعامل مع التكنولوجيا، الملكات الفكرية والمهارات البحثية العالية، القدرة على الاتصال بكفاءة، قيادة الفرق والمجموعات والثقافة المتنوعة الواسعة أى باختصار “مهارات الألفية الثالثة”.
ويستلزم هذا بالطبع إعادة تنظيم داخل الهياكل الإدارية لتأهيلها للقيام بالمهمة الجديدة مثل إمكانية استحداث أو تدعيم إدارات مختصة بمتابعة التطور العلمى والتقانى وإدارات للدبلوماسية العامة وما إلى ذلك من تطوير إدارى إضافة إلى إنشاء مراكز بحثية وبنوك التفكير ملحقة بها يمكن تكليفها ببحث ودراسة الموضوعات المطلوبة وذلك مع تمتعها بمرونة فى التحرك وحرية فى التعبير هى فى أشد الحاجة إليها للقيام بأبحاث إبداعية.
أما عن كيفية التعامل مع المعلومات والبيانات الخام، هناك قابلية لتكييف منظومات إدارة المعلومات التى طورتها مؤسسات الإعلام الدولية العملاقة.
فى جملة واحدة، هناك إمكانية وفرصة لوزارات الخارجية أن تتحول من مُحصل للبيانات، مُجمع للمعلومات، ومُنفذ للسياسات إلى مُتلق للمعرفة، مُنسق للمجهودات، مُفكر فى البدائل ومُخطط للاستراتيجيات، وهناك إمكانية للتحول من الدبلوماسية “التقليدية” إلى “الدبلوماسية الذكية”.




