المغـرب: هشام بلاوي يحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان ويدعو إلى ضبط استخدامه في العدالة الجنائية

 

أكد هشام بلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة بالمغرب، أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على الاستفادة من إمكاناته التقنية، بل يتطلب فهماً دقيقاً لحدوده، وتحديد ضوابط أخلاقية وقانونية واضحة لاستخدامه، بما يضمن حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

وأوضح بلاوي، خلال افتتاح دورة تكوينية لفائدة المسؤولين القضائيين بالنيابات العامة، انعقدت اليوم الاثنين بمدينة فاس، حول موضوع «الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان»، أن أهمية هذا الموضوع تتزايد بشكل خاص في مجال العدالة الجنائية، بالنظر إلى ارتباطه بحق الدفاع وحماية الحياة الخاصة وضمان الحق في محاكمة عادلة، في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة وما تطرحه من تحديات أخلاقية وحقوقية وقانونية تستوجب المواكبة والتأطير.

وأشار رئيس النيابة العامة إلى أن تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصراً على المجالات العلمية والتعليمية والاقتصادية، بل امتد إلى مختلف مناحي الحياة، بما فيها قطاع العدالة، حيث يمكن الاستفادة منها في رصد الأنشطة الإجرامية، والكشف عن الاحتيال، وتيسير التحقيقات، وتعزيز جهود الوقاية من الجريمة.

غير أن هذه الإمكانات، بحسب بلاوي، تضع المؤسسات القضائية والنيابة العامة أمام مسؤوليات جديدة تفرض الإلمام بمختلف جوانب هذه التكنولوجيا، واستيعاب حدودها ومخاطرها المحتملة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باحترام الحقوق والحريات وضمانات العدالة الجنائية.

وشدد على أن التطور التكنولوجي، بقدر ما يتيح فرصاً لتحسين أداء العدالة الجنائية، يفرض في المقابل ضرورة مضاعفة الجهود لضمان عدم المساس بالحقوق الأساسية للأفراد، بما يجعل التوفيق بين الفعالية القضائية واحترام حقوق الإنسان أحد أبرز التحديات المطروحة أمام المؤسسات المعنية.

وأضاف أن هذه الدورة التكوينية تندرج ضمن تنزيل المخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة، وتنفيذ برنامجها الرامي إلى تعزيز قدرات القضاة في مجال التكوين، ولا سيما في ما يتعلق بحماية حقوق الإنسان، مبرزاً أن اللقاء يشكل محطة ضمن سلسلة من الدورات التكوينية المرتقب تنظيمها بمختلف جهات المملكة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به النيابة العامة في حماية الحقوق والحريات.

من جانبه، أكد سمير مرموري، ممثل مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، المساهم في تنظيم هذه الدورة إلى جانب رئاسة النيابة العامة، أن هذا اللقاء يأتي في إطار مواكبة جهود المغرب الرامية إلى تعزيز الحكامة في مجال العدالة وتطوير قدرات القضاة والمسؤولين القضائيين.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح من أبرز القضايا التي تستدعي اهتمام المؤسسات القضائية في المرحلة الراهنة، مشيراً إلى أن البرنامج التكويني يروم تعزيز معرفة قضاة النيابة العامة والمسؤولين القضائيين بكيفية التعامل مع هذه التكنولوجيا، وفق مقاربة تراعي متطلبات حقوق الإنسان والمعايير القانونية ذات الصلة.

وتندرج هذه الدورة ضمن برنامج تعزيز قدرات القضاة في مجال حقوق الإنسان، الذي أطلقته رئاسة النيابة العامة سنة 2020، كما تأتي في إطار تنزيل مخططها الاستراتيجي للفترة 2026-2028، ولا سيما توجهه الاستراتيجي الثاني المتعلق بتعزيز حماية الحقوق والحريات.

وتتمحور أشغال الدورة حول استخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة الجريمة وحماية حقوق الإنسان، في سياق التطور السريع للتكنولوجيات القائمة على هذه الأنظمة، وما توفره من إمكانات جديدة لدعم الوقاية من الجرائم وكشفها والتحقق منها.

وفي المقابل، يثير التوسع في استخدام هذه التقنيات من قبل المؤسسات المكلفة بإنفاذ القانون والعدالة الجنائية تساؤلات جوهرية بشأن مدى توافقها مع مبادئ سيادة القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، خصوصاً في ما يتعلق بحماية المعطيات الشخصية، وضمانات المحاكمة العادلة، وحقوق الدفاع، ومنع أي مساس غير مبرر بالحريات الفردية.

وتستند الأطر المرجعية المعتمدة في هذا المجال إلى عدد من المبادئ والصكوك الدولية، من بينها توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لسنة 2021، ومبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بشأن الذكاء الاصطناعي لسنة 2019، إضافة إلى الاتفاقية الإطارية لمجلس أوروبا بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون لسنة 2024، فضلاً عن الصكوك الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.

وتهدف الدورة إلى التعريف بالمفاهيم الأساسية للذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في مجال العدالة الجنائية، واستعراض الأطر المرجعية والمعايير الدولية المنظمة لاستخدامه، وتعميق فهم الآثار التي قد تترتب عن هذه التكنولوجيا على حقوق الإنسان والضمانات الإجرائية.

كما تشمل أهدافها مناقشة دور السلطات القضائية في الإشراف على استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراقبتها، وتعزيز تبادل الخبرات بشأن التحديات العملية المرتبطة بالجرائم المتصلة بالتكنولوجيات الحديثة.

ويخصص اليوم الأول من الدورة للتعريف بالمفاهيم الأساسية والأطر المعيارية الدولية، ومناقشة الرهانات المرتبطة بحقوق الإنسان والضمانات الإجرائية، فيما يركز اليوم الثاني على الجانب التطبيقي من خلال ورشات موضوعاتية تتناول مختلف التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة الجريمة.

وستحظى قضايا حماية البيانات ذات الطابع الشخصي واحترام الحياة الخاصة والحفاظ على السلامة الجسدية للأشخاص باهتمام خاص، إلى جانب الضمانات الإجرائية، والرقابة البشرية على استخدام هذه الأنظمة، وآليات تحديد المسؤولية والمساءلة.

ويعيد هذا النقاش طرح سؤال أساسي أمام منظومة العدالة الجنائية بالمغرب: كيف يمكن الاستفادة من الإمكانات المتنامية للذكاء الاصطناعي في مكافحة الجريمة وتطوير أداء المؤسسات القضائية، دون المساس بحقوق الإنسان أو الانتقاص من الضمانات القانونية التي تكفل المحاكمة العادلة؟

وهو تحدٍّ يجعل التكوين القضائي والتأطير القانوني والرقابة البشرية عناصر أساسية لضمان توظيف التكنولوجيا الحديثة في خدمة العدالة، مع الحفاظ على كرامة الإنسان وصون حقوقه وحرياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »