المغـرب: سؤال المسؤولية الوطنية عن الحكومة الجديدة بين تجديد النخب وإعادة تدويرها

 

لم تكن مسألة تشكيل الحكومة الجديدة في المغرب، في سياق التحولات السياسية والاجتماعية التي تعرفها البلاد، مجرد إجراء دستوري عادي يقتصر على إعادة ترتيب الحقائب الوزارية وتوزيع المسؤوليات بين الأحزاب المشكلة للأغلبية، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات السياسية على التقاط إشارات المجتمع، واستيعاب رسائل الاحتجاج، وإعادة بناء الثقة في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة. فحين تتراكم الاختلالات، وتتسع الهوة بين الوعود الانتخابية والواقع المعيش، وتتحول المطالب الاجتماعية إلى تعبيرات احتجاجية متعددة، يصبح تشكيل الحكومة لحظة للمساءلة الوطنية، لا مجرد مناسبة لتجديد الوجوه أو تغيير مواقع الفاعلين.

ومن هذا المنطلق، يكتسب الحديث عن الحكومة الجديدة في المغرب، في ضوء التجربة الحكومية السابقة بقيادة عزيز أخنوش، دلالة تتجاوز التعديل الحكومي في حد ذاته، ليفتح سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة الاختيارات السياسية التي حكمت المرحلة، ومدى استجابتها للانتظارات الشعبية، وحدود قدرتها على إحداث تحول حقيقي في تدبير الشأن العام. فهل نحن أمام تجديد للنخب والكفاءات والبرامج، أم أمام إعادة تدوير لموازين القوة نفسها، مع تعديلات في المواقع والأدوار، وإعادة إنتاج المنظومة السياسية ذاتها بصيغ أكثر ملاءمة للاستحقاقات المقبلة؟

كان من المفترض أن تشكل حصيلة الحكومة السابقة، بما أثير حولها من انتقادات سياسية واجتماعية واقتصادية، منطلقاً أساسياً لإعادة تقييم التجربة الحكومية، واستخلاص الدروس من مواطن التعثر، والبحث عن أجوبة عملية عن الأسئلة التي ظلت تؤرق قطاعات واسعة من المجتمع المغربي.

فارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار الاختلالات التي يعاني منها قطاعا التعليم والصحة، وتفاوت فرص التنمية بين المجالات الترابية، وتنامي الإحساس بانسداد الآفاق لدى فئات من الشباب، كلها قضايا لا يمكن اختزالها في مجرد صعوبات ظرفية أو تداعيات اقتصادية عابرة. إنها مؤشرات على وجود فجوة بين انتظارات المواطنين وأداء السياسات العمومية، وتستدعي مراجعة جدية للأولويات والوسائل والنتائج.

كما أن الاحتجاجات الاجتماعية، وما رافقها من تعبيرات شبابية، ولا سيما الحضور الاحتجاجي لجيل «Z»، كشفت عن أزمة تتجاوز المطالب القطاعية المباشرة إلى أزمة ثقة في قدرة المؤسسات السياسية على الاستجابة الفعلية لحاجات المجتمع. فالشباب الذي يحتج من أجل مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر فعالية، وفرص شغل تحفظ الكرامة، لا يطالب فقط بتحسين الخدمات العمومية، بل يطالب أيضاً بإعادة الاعتبار لمعنى المواطنة، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ولا يمكن فصل هذه الانتظارات عن القلق الذي تثيره قضايا الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع، متى وُجدت بشأنها قرائن أو معطيات جدية تستوجب التحقق أو التحقيق وفق القانون. فالثقة في المؤسسات لا تُبنى بالخطاب وحده، وإنما بقدرتها على ضمان المساواة أمام القانون، وتكريس الشفافية، ومنع استغلال النفوذ، وإخضاع تدبير المال العام لرقابة فعالة ومستقلة.

ومن ثم، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي ألا تتحول حصيلة المرحلة السابقة إلى مجرد مادة للمناكفات الحزبية، بل إلى موضوع لتقييم مؤسساتي صريح، يميز بين ما تحقق فعلاً، وما تعثر، وما أخفق، مع تحديد المسؤوليات السياسية والإدارية وفق الاختصاصات والوقائع والمعايير القانونية.

تتمثل الوظيفة الأساسية للانتخابات في تمكين المواطنين من التعبير عن إرادتهم الحرة، واختيار ممثليهم على أساس البرامج والحصيلة والكفاءة والنزاهة. غير أن هذه الوظيفة تفقد جزءاً من معناها السياسي عندما ينصرف النقاش العمومي، قبل الاستحقاق الانتخابي أو بعده، إلى ترتيبات النخب، وحسابات الأحزاب، وإعادة توزيع الأدوار، بدل الانكباب على التنافس البرنامجي الذي يفترض أن يحسم الاختيار بين البدائل.

وفي هذا السياق، تثير التحولات التي أحاطت بالمشهد السياسي المغربي قبيل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 أسئلة بشأن العلاقة بين التدبير الحزبي للاستحقاقات الانتخابية وبين الصورة التي انتهت إليها الترتيبات الحكومية. فقد تزامنت النقاشات المتعلقة بمستقبل قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، وما أثير بشأن استقالة عزيز أخنوش من رئاسة الحزب، وانتقال فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة، مع مناخ من التجاذبات والتأويلات السياسية التي جعلت بعض تفاصيل المشهد التنظيمي والحزبي تتقدم، في الخطاب العمومي، على مناقشة البرامج والحلول.

ولا تكمن أهمية هذه التحولات في مجرد وقوعها، وإنما في ضرورة فهم دلالاتها السياسية: هل كانت تعبيراً عن مراجعة حقيقية للاختيارات السابقة، أم جزءاً من إعادة تموضع داخل المجال الحزبي استعداداً لمرحلة جديدة؟ وهل أفضت إلى فتح المجال أمام نخب جديدة، قادرة على تقديم بدائل سياسية ومجتمعية، أم ظلت في حدود إعادة ترتيب المواقع داخل المشهد القائم؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يجوز أن تقوم على النوايا المفترضة أو التأويلات غير المثبتة، بل على الوقائع الموثقة، والقرارات المعلنة، وطبيعة التحالفات، ومدى انعكاسها على التنافس السياسي وحرية الاختيار الشعبي.

لكن الديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع، ولا بمجرد احترام الإجراءات الشكلية المنظمة للانتخابات؛ إنها تُقاس أيضاً بمدى تكافؤ الفرص بين المتنافسين، واستقلال القرار الانتخابي، وشفافية التمويل، وحياد المؤسسات المعنية، وقدرة الناخب على الاختيار بين برامج مختلفة فعلاً، لا بين واجهات متعددة لموازين القوة نفسها.

يستدعي المشهد السياسي المغربي سؤالاً مركزياً: إلى أي حد تعكس الترتيبات الحكومية الإرادة التي أفرزتها الانتخابات، وإلى أي حد تتدخل الحسابات الحزبية والتحالفات المسبقة في تحديد ملامح السلطة التنفيذية قبل أن يقول الناخب كلمته؟

إن القول بوجود حكومة معدة سلفاً لا ينبغي أن يتحول إلى حكم قطعي من دون أدلة، لكنه يظل سؤالاً سياسياً مشروعاً متى أصبحت ملامح الترتيبات الحكومية، في نظر قطاعات من الرأي العام، أقرب إلى نتيجة محسومة منها إلى حصيلة تنافس مفتوح. وتزداد مشروعية هذا السؤال كلما اتسعت المسافة بين الخطاب الانتخابي المعلن والخيارات السياسية التي يجري اعتمادها بعد الاقتراع.

فإذا كانت الانتخابات مناسبة لتجديد التفويض الشعبي، فإن هذا التفويض ينبغي أن يستند إلى برامج واضحة، والتزامات قابلة للتقييم، وقدرة حقيقية على محاسبة المسؤولين عن حصيلة تدبيرهم. أما إذا انحصر التنافس في إعادة توزيع المواقع، وتغيير الواجهات، وتدوير النخب نفسها، فإن العملية الانتخابية تخاطر بفقدان جزء من مضمونها التمثيلي، حتى وإن استوفت شروطها الإجرائية.

وهنا ينبغي التمييز بين الشرعية الدستورية والشرعية السياسية في معناها المجتمعي. فقد تتشكل الحكومة وفق المساطر القانونية والمؤسساتية المعمول بها، لكن ذلك لا يعفيها من ضرورة اكتساب ثقة المواطنين عبر الأداء والإنجاز والشفافية. فالمشروعية الدستورية تؤسس الحق في ممارسة السلطة، بينما تمنح النتائج الملموسة، واحترام الالتزامات، والاستجابة للمطالب المشروعة، ذلك الحق قوته السياسية والاجتماعية.

إن الحكومة لا تصبح ناجحة لمجرد أنها تشكلت، ولا يصبح التعديل الحكومي تجديداً لمجرد أنه غيّر بعض الأسماء أو أعاد توزيع المسؤوليات. التجديد الحقيقي يبدأ من مراجعة السياسات التي أخفقت، وتغيير آليات اتخاذ القرار، وتوسيع مجال الكفاءة والاستقلالية، وإخضاع المسؤولين لتقييم موضوعي يستند إلى النتائج لا إلى الولاءات والتحالفات.

تُعد ظاهرة إعادة تدوير النخب من أبرز الإشكالات التي تواجه الأنظمة الحزبية عندما تصبح القدرة على المحافظة على المواقع السياسية أكثر أهمية من القدرة على إنتاج البدائل. ففي هذه الحالة، قد تتغير مواقع بعض الفاعلين، وتتبدل الانتماءات أو الأدوار، وتُعاد صياغة التحالفات، بينما تظل البنية الأساسية لصناعة القرار على حالها.

ولا يعني ذلك أن انتقال الفاعلين بين الأحزاب، أو إعادة توزيع المسؤوليات، أمر سلبي في ذاته؛ فالحياة السياسية تتطور، والتحالفات تتغير، والكفاءات قد تنتقل من موقع إلى آخر. لكن المعيار الحقيقي يكمن في مضمون هذا التحول: هل يوسع دائرة المشاركة السياسية؟ وهل يتيح وصول كفاءات جديدة؟ وهل يعزز التنافس البرنامجي؟ أم يقتصر على إعادة ترتيب الأوراق داخل دائرة محدودة من الفاعلين؟

إن تجديد النخب ليس عملية تجميلية، ولا مجرد استبدال أسماء بأسماء، بل هو انتقال من منطق الامتيازات الشخصية والشبكات المغلقة إلى منطق الاستحقاق والكفاءة والمحاسبة. وهو كذلك تجديد للأفكار، ولطرائق تدبير الشأن العام، وللعلاقة بين المنتخب والمواطن، وبين المسؤولية والنتائج.

أما تدوير الزوايا، بالمعنى السياسي، فيتمثل في احتواء مظاهر الأزمة دون معالجة جذورها؛ أي تخفيف حدة الانتقادات، وتغيير بعض الواجهات، وإعادة ترتيب الخطاب، مع استمرار الأسباب التي أنتجت الاحتقان. وعندما يحدث ذلك، تتحول السياسة من أداة لإنتاج الحلول إلى آلية لإدارة الانطباعات وتأجيل المواجهة مع الاختلالات الحقيقية.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: من غادر موقعه ومن حل محله؟ بل أيضاً: ما الذي تغير في السياسات العمومية؟ وما الذي تغير في معايير اختيار المسؤولين؟ وما الضمانات التي تمنع تكرار الاختلالات السابقة؟ وأي آليات جديدة ستجعل المواطن قادراً على محاسبة من منحه صوته؟

لا يمكن إغفال ما أثارته واقعة «الصاك» الانتخابي من نقاش وسجال في المجال العمومي، بالنظر إلى ما تحمله من دلالات رمزية مرتبطة بنزاهة التنافس الانتخابي، وحدود الثقة في الممارسة السياسية، ومخاطر اختزال أصوات المواطنين في حسابات مادية أو أساليب غير مشروعة للتأثير في الاختيار.

ومع ذلك، فإن المعالجة المسؤولة لهذه الواقعة تقتضي التمييز بين ما هو ثابت بوثائق أو قرارات رسمية، وما هو متداول في الخطاب السياسي والإعلامي، وما يحتاج إلى تحقيق أو إثبات. فالمطلوب ليس تحويل الرموز المتداولة إلى أحكام قضائية مسبقة، وإنما جعل كل شبهة جدية موضوعاً للتحقق، وكل مخالفة ثابتة موضوعاً للمساءلة وفق القانون.

إن خطورة الممارسات التي تمس حرية الاختيار لا تكمن فقط في تأثيرها المحتمل على نتيجة انتخابية بعينها، بل في قدرتها على تقويض الثقة في المؤسسات المنتخبة، وإضعاف الإحساس بالمواطنة المتساوية، وترسيخ الاعتقاد بأن النفوذ أو المال قد يتقدمان على الكفاءة والبرنامج والاستحقاق.

ولذلك، فإن حماية نزاهة الانتخابات ليست مسؤولية هيئة واحدة أو جهاز بعينه، بل هي مسؤولية مؤسساتية مشتركة تتطلب رقابة فعالة، وشفافية في التمويل، وتطبيقاً متكافئاً للقانون، وتمكيناً للمراقبين والمواطنين من ممارسة أدوارهم في إطار الضوابط القانونية.

فالديمقراطية لا تُختزل في يوم الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بتكافؤ الفرص، وتستمر بعده بالمساءلة، ولا تكتمل إلا حين يشعر المواطن بأن صوته محترم، وأن المؤسسات التي أفرزتها الانتخابات تعمل لمصلحته، وأن المخالفات، إن ثبتت، لا تحظى بالحماية أو الإفلات من العقاب.

تتجاوز الإشكالات المطروحة حدود تشكيل الحكومة أو حصيلة حزب بعينه، لتلامس سؤالاً أوسع يتعلق بجودة الممارسة الديمقراطية في المغرب، ومدى قدرتها على تحويل المشاركة الانتخابية إلى مشاركة فعلية في صناعة القرار.

فالديمقراطية ليست مجرد انتظام دوري للانتخابات، ولا مجرد وجود مؤسسات دستورية وأحزاب سياسية وبرلمان وحكومة. إنها منظومة متكاملة من الضمانات والممارسات، تشمل حرية الاختيار، وتعدد البدائل، واستقلال المؤسسات الرقابية، وحرية التعبير، وشفافية تدبير المال العام، وفعالية ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وعندما يشعر المواطن بأن الخيارات الأساسية محددة سلفاً، أو أن التنافس لا ينتج تحولاً ملموساً في السياسات، أو أن النخب السياسية تتداول المواقع دون أن تتغير النتائج الاجتماعية والاقتصادية، فإن الثقة تتآكل تدريجياً، وقد تتحول المشاركة إلى فعل شكلي، أو يتجه جزء من المجتمع إلى العزوف والاحتجاج والبحث عن بدائل خارج القنوات التقليدية.

وتزداد خطورة هذا المسار عندما يتعلق الأمر بالشباب، الذين لا ينظرون إلى السياسة من زاوية الانتماء الحزبي وحده، بل من زاوية قدرتها على فتح الآفاق، وتوفير فرص الشغل، وضمان تعليم جيد، وخدمات صحية تحفظ الكرامة، وعدالة اجتماعية تتيح الصعود على أساس الجهد والكفاءة.

وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى احتجاجات جيل «Z» بوصفها مجرد تعبير عابر عن الغضب، بل باعتبارها إشارة تستوجب الإنصات والتقييم. فالمجتمعات التي تنجح في استيعاب احتجاجات شبابها تحولها إلى فرصة لتجديد المؤسسات والسياسات، أما المجتمعات التي تكتفي بتدبير الاحتجاج دون معالجة أسبابه، فإنها تؤجل الأزمة ولا تنهيها.

كما أن الأحداث المأساوية المرتبطة بمحاولات الهجرة غير النظامية نحو سبتة، وما رافقها من مخاطر إنسانية، تعيد طرح أسئلة عميقة بشأن الإحساس بالأفق لدى بعض الشباب، ومدى ارتباط الهجرة بالبطالة والهشاشة والتفاوتات المجالية والاجتماعية. ولا يجوز اختزال هذه الظواهر في عامل واحد، لكنها تظل مؤشراً يستحق المعالجة الجدية حين تصبح المغامرة بالحياة، في نظر بعض الشباب، أقل كلفة من البقاء في واقع يعتقدون أنه لا يمنحهم فرصة عادلة.

إن المسؤولية الوطنية تقتضي الانتقال من منطق احتواء الغضب إلى منطق معالجة أسبابه، ومن الاكتفاء بتدبير الصورة إلى إصلاح السياسات التي تحدد جودة الحياة ومستقبل الأجيال.

تظل المسافة بين الوعد والإنجاز إحدى أكثر المسائل تأثيراً في علاقة المواطنين بالسياسة. فالوعود الانتخابية ليست مجرد عبارات ترويجية تُستهلك خلال الحملات، بل هي التزامات سياسية وأخلاقية ينبغي أن تخضع للتقييم والمساءلة.

وإذا كانت الحكومة الجديدة تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها بداية مرحلة مختلفة، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في قدرتها على إنتاج خطاب جديد، بل في مدى استعدادها لتقديم حصيلة قابلة للقياس، تتضمن أهدافاً واضحة وآجالاً محددة ومؤشرات معلنة لتقييم النتائج.

ويشمل ذلك، في المقام الأول، تحسين القدرة الشرائية للأسر، وتقوية جودة التعليم والصحة، وتوسيع فرص الشغل اللائق، والحد من الفوارق المجالية، وتيسير الولوج إلى الخدمات الأساسية، ومواجهة الفساد وتضارب المصالح، وتعزيز فعالية آليات الرقابة والمحاسبة.

كما يتطلب الأمر إعادة النظر في العلاقة بين النمو الاقتصادي وتوزيع ثماره. فليس كافياً أن تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية إذا لم ينعكس ذلك على الحياة اليومية للمواطنين، ولم يحد من الفقر والهشاشة، ولم يوسع فرص الارتقاء الاجتماعي. إن التنمية التي لا يشعر المواطن بأثرها في المدرسة والمستشفى والسكن والشغل والنقل والخدمات الأساسية تظل تنمية ناقصة من منظور العدالة الاجتماعية.

ومن ثم، فإن الحكومة مطالبة بتقديم أجوبة عملية عن الأسئلة التي راكمتها المرحلة السابقة: ما الذي ستغيره في ترتيب الأولويات؟ وكيف ستقيس أثر سياساتها؟ وما الضمانات التي ستمنع تضارب المصالح؟ وكيف ستواجه اختلالات الحكامة؟ وما الذي ستفعله لاستعادة ثقة الشباب في المؤسسات؟

إن ترك هذه الأسئلة معلقة، أو الاكتفاء بإجابات عامة لا تتضمن التزامات قابلة للتقييم، سيجعل أفق الانتظار أوسع من النتائج المتحققة، ويعمق الإحساس بأن التغيير السياسي لا يتجاوز حدود إعادة ترتيب المشهد.

إن مساءلة الحكومة الجديدة لا تعني إعفاء الحكومة السابقة من مسؤولية حصيلتها، كما أن مساءلة الأحزاب لا تعني اختزال الأزمة في سلوك حزب واحد. فالمسؤولية السياسية تتوزع، بدرجات مختلفة، بين الحكومة والأغلبية البرلمانية والأحزاب والهيئات المنتخبة ومؤسسات الرقابة، كل بحسب اختصاصاته وصلاحياته والتزاماته القانونية والدستورية.

غير أن المسؤولية الوطنية تفرض على الفاعلين السياسيين تجاوز منطق تبادل الاتهامات، والانتقال إلى منطق التقييم المؤسساتي. فالمواطن ليس معنياً بالمناورات التي تسبق توزيع المواقع بقدر ما هو معني بالنتائج التي تنعكس على حياته، وليس مطالباً بمنح الثقة إلى الأشخاص بصورة دائمة، بل يملك الحق في تقييم أدائهم ومساءلتهم على أساس ما أنجزوه وما أخفقوا فيه.

وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى نشر حصيلة واضحة للسياسات العمومية، وإتاحة المعلومات المرتبطة بالإنفاق والبرامج والمشاريع، وتقوية أدوار البرلمان في الرقابة، وتمكين مؤسسات الحكامة من ممارسة اختصاصاتها باستقلالية وفعالية، وضمان التعامل الجدي مع التقارير التي تكشف اختلالات في التدبير أو تعثرات في الإنجاز.

كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بمراجعة آليات اشتغالها الداخلية، وتعزيز الديمقراطية التنظيمية، وتجديد قياداتها على أساس الكفاءة والاستحقاق، وفتح المجال أمام الشباب والنساء والطاقات المستقلة، بدلاً من حصر التداول السياسي في دوائر ضيقة تعيد إنتاج نفسها.

أما المجتمع المدني والإعلام، فلهما دور أساسي في المراقبة والتوعية وإنتاج النقاش العمومي المسؤول، بعيداً عن التشهير أو الأحكام المسبقة، وبما يضمن حق المواطنين في المعرفة، وحق المجتمع في مساءلة السلطة، وحق كل طرف في الدفاع عن نفسه وفق القانون.

إن المسؤولية الوطنية ليست شعاراً أخلاقياً عاماً، بل هي التزام مؤسساتي يقتضي وضوح الاختصاصات، وتحديد المسؤوليات، ونشر المعطيات، وتفعيل المحاسبة، وعدم تحويل الاستقرار السياسي إلى ذريعة لتأجيل الإصلاح.

إن الرهان الحقيقي أمام الحكومة الجديدة لا يتمثل في تجاوز الضجيج الذي رافق تشكيلها، أو في إعادة بناء صورتها أمام الرأي العام، بل في إثبات قدرتها على تحويل اللحظة السياسية إلى فرصة لإعادة بناء الثقة. فالثقة لا تُستعاد بإعادة توزيع الحقائب، ولا بتغيير الشعارات، ولا بتبادل المواقع بين الفاعلين، وإنما بقرارات ملموسة يشعر المواطن بأثرها، وبمؤسسات تنفتح على المساءلة، وبسياسات تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

ويتطلب ذلك أولاً مراجعة جدية للحصيلة السابقة، من خلال تقييم موضوعي للبرامج التي أُطلقت، والالتزامات التي تحققت، والمشاريع التي تعثرت، والكلفة الاجتماعية للاختيارات المعتمدة.

ويتطلب ثانياً بناء تعاقد سياسي واجتماعي واضح مع المواطنين، يتضمن أولويات قابلة للتنفيذ، ومؤشرات لتقييم الأداء، وآليات دورية للإخبار والمساءلة، حتى لا تظل الوعود الانتخابية منفصلة عن واقع التدبير الحكومي.

ويتطلب ثالثاً تجديداً فعلياً للنخب السياسية والإدارية، لا يقوم على تبديل المواقع وحده، بل على تكافؤ الفرص، واستقلالية القرار، وربط المسؤولية بالكفاءة والنزاهة والنتائج.

ويتطلب رابعاً حماية نزاهة العملية الانتخابية، وتعزيز الثقة في المؤسسات المشرفة عليها، وضمان أن تكون المنافسة السياسية مجالاً حقيقياً للتعبير عن الإرادة الشعبية، لا مجرد محطة لإضفاء الشرعية على ترتيبات لا يستطيع المواطن التأثير فيها.

وأخيراً، يتطلب الأمر الاعتراف بأن الاستقرار لا يتعارض مع الإصلاح، وأن قوة المؤسسات لا تقاس بقدرتها على احتواء الانتقادات فحسب، بل بقدرتها على الاستماع إليها وتحويل المطالب المشروعة إلى سياسات عمومية ناجعة.

إن سؤال المسؤولية الوطنية عن الحكومة الجديدة في المغرب، في ضوء تجربة حكومة عزيز أخنوش، هو في جوهره سؤال عن طبيعة المسار السياسي الذي يريده المغاربة: هل نريد انتخابات تجدد الثقة وتنتج بدائل حقيقية، أم انتخابات تظل نتائجها، في نظر قطاعات من الرأي العام، مرتبطة بإعادة ترتيب التوازنات وإعادة تدوير النخب؟ وهل نريد حكومة تراجع اختلالات المرحلة السابقة وتصحح مسارها، أم حكومة تكتفي بتغيير الواجهات بينما تظل أسباب الأزمة قائمة؟

لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالاعتماد على الانطباعات وحدها، ولا بإصدار أحكام مسبقة على النيات، وإنما بالاحتكام إلى الوقائع والنتائج والمعايير الدستورية والمؤسساتية. لكن من حق المجتمع أن يسأل، ومن واجب الفاعلين السياسيين أن يجيبوا، ومن مسؤولية المؤسسات أن توفر المعطيات والضمانات التي تجعل المساءلة ممكنة وفعالة.

إن الديمقراطية التي لا تجدد نخبها، ولا تراجع سياساتها، ولا تستجيب لانتظارات مواطنيها، تخاطر بأن تتحول إلى ممارسة إجرائية تفتقر إلى مضمونها الاجتماعي والسياسي. والتجديد الذي لا يمس جوهر الاختيارات، ولا يغير قواعد التدبير، ولا يعيد الاعتبار للكفاءة والمحاسبة، ليس سوى إعادة ترتيب للمشهد بأدوات جديدة وأهداف قديمة.

لقد أصبحت الانتظارات الاجتماعية أكبر من قدرة الخطاب السياسي على احتوائها، وأصبح الشباب أكثر مطالبة بنتائج ملموسة، وأصبح الرهان على استعادة الثقة يقتضي ما هو أبعد من المناورات الحزبية والتعديلات الحكومية. إنه رهان على دولة المؤسسات، وجودة الحكامة، وعدالة توزيع الفرص، ونزاهة الممارسة السياسية.

وفي نهاية المطاف، لن يكون الحكم على الحكومة الجديدة بما أعلنته عند تشكيلها، ولا بما رافق ولادتها من سجالات وتأويلات، بل بما ستنجزه، وبما ستصححه، وبما ستقدمه من ضمانات تحول دون تكرار الاختلالات السابقة.

فالسؤال الذي سيظل مطروحاً أمام الجميع ليس فقط: من يشكل الحكومة ومن يغادرها؟ بل: هل تتغير السياسات بتغير الوجوه، أم تتغير الوجوه لكي تبقى السياسات على حالها؟

ذلك هو جوهر المسؤولية الوطنية، وذلك هو الامتحان الحقيقي لأي تجديد سياسي في المغرب يدعي الاستجابة لانتظارات المغاربة.

Exit mobile version