
تتجه الأنظار، خلال الأيام المقبلة، إلى إقليم القنيطرة بالمغرب، في ظل حديث متداول عن احتمال إجراء تغييرات أو حركة انتقالية داخلية في صفوف رجال السلطة، عقب الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026.
ولا يتعلق الأمر، في هذه المرحلة، بمعطى رسمي معلن، بل بتساؤلات بدأت تفرض نفسها في أعقاب استحقاق انتخابي عرف على مستوى دائرة الغرب، وبعض جماعاتها، وقائع ومعطيات أثارت اهتماماً واسعاً، وأعادت إلى الواجهة سؤال تدبير العملية الانتخابية ومدى مسؤولية مختلف المتدخلين الترابيين عن ضمان حسن سيرها.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في جماعة سيدي محمد لحمر، التابعة للدائرة الانتخابية الغرب، بعدما أثارت معطيات مرتبطة بأحد مكاتب التصويت جدلاً واسعاً، إثر تداول محضر يتضمن تسجيل 480 ناخباً و480 مصوتاً بالمكتب المعني. وكانت «الوطن24» قد نشرت تفاصيل هذه المعطيات، مع التأكيد على أن تطابق الرقمين، في حد ذاته، لا يشكل دليلاً على تزوير، وإنما معطى يستوجب التدقيق والمطابقة مع باقي بيانات المحضر والوثائق الانتخابية.
واقعة سيدي محمد لحمر.. أسئلة لا يمكن أن تمر مرور الكرام
إن واقعة مكتب التصويت المذكور، بهذه الصورة التي أثارت القلق وفتحت باب التساؤلات، لا يمكن أن تمر مرور الكرام، خصوصاً إذا ثبت وجود اختلالات فعلية أو ظهرت معطيات مماثلة في مكاتب أخرى.
فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق فقط برقم 480 مقابل 480، وإنما بما يمكن أن يكشفه التدقيق في المحاضر والسجلات وباقي الوثائق المرتبطة بالعملية الانتخابية.
وإذا ثبت، بعد التحقيق والتمحيص، وجود تلاعب بإرادة الناخبين، أو وجود أفعال ساهمت في التأثير غير المشروع على عملية التصويت، فإن الأمر سيتجاوز مجرد خطأ إداري أو ملاحظة انتخابية عابرة، ليطرح أسئلة قانونية ومؤسساتية أعمق حول سلامة العملية الانتخابية ونتائجها.
بل إن ثبوت وجود جهات تعاونت أو سهّلت أو تواطأت، إن ثبت ذلك قانوناً، من شأنه أن يجعل تطبيق القانون وترتيب الآثار القانونية أمراً لا يحتمل التأجيل.
ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا وقع في هذا المكتب؟
بل أيضاً: هل كانت الواقعة معزولة، أم أن التدقيق في باقي مكاتب دائرة الغرب قد يكشف معطيات أخرى تستوجب التحقيق؟
ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة إعلامياً، وإنما عبر الوثائق الرسمية والأبحاث المختصة والقضاء والجهات المخولة قانوناً.
الطعون.. الطريق القانوني لكشف الحقيقة
وبحسب المعطيات المنشورة سابقاً، فإن عدداً من الأحزاب المتضررة يتجه إلى سلوك المساطر القانونية للطعن في نتائج الدائرة أو المطالبة بالتحقيق في ما تعتبره اختلالات شابت العملية الانتخابية.
وهنا تبرز أهمية المسار القضائي، باعتباره الآلية التي يمكن من خلالها فحص المحاضر، والاستماع إلى الأطراف المعنية، ومراجعة المعطيات المرتبطة بكل مكتب، ثم تحديد ما إذا كانت هناك مخالفات ثابتة وما إذا كانت لها آثار قانونية على النتائج.
فالانتخابات لا تنتهي بمجرد إغلاق الصناديق وإعلان النتائج الأولية؛ إذ تشير البوابة الرسمية للانتخابات التشريعية إلى أن المرحلة اللاحقة تتضمن مسار إعلان النتائج والمصادقة عليها وفق الآليات القانونية والمؤسساتية المعمول بها.
هل نحن أمام حالة منفردة؟
السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو ما إذا كانت واقعة سيدي محمد لحمر حالة منفردة، أم أنها تستحق أن تكون مدخلاً لتدقيق أوسع في مكاتب التصويت بدائرة الغرب.
فإذا تقدمت الأحزاب المتضررة بطعونها وشكاياتها، فإن الأمر سيكون أمام الجهات المختصة، التي يمكنها فحص كل حالة على حدة، ومقارنة المحاضر، والتحقق من الشهادات والمعطيات المقدمة، ثم ترتيب ما يقتضيه القانون إذا ثبتت أي اختلالات.
ولا يجوز، في المقابل، تعميم واقعة مكتب واحد على جميع مكاتب الدائرة دون أدلة مستقلة وموثقة.
هل تكون الانتخابات مدخلاً لإعادة تقييم المسؤوليات الترابية؟
من هنا يعود السؤال الأول إلى الواجهة: هل يمكن أن تعقب انتخابات 23 شتنبر حركة انتقالية داخلية في صفوف رجال السلطة بإقليم القنيطرة؟
الحديث عن احتمال هذه الحركة يظل، إلى حدود كتابة هذه السطور، في إطار المعطيات المتداولة، ولا يوجد إعلان رسمي يؤكد أسماء أو مواقع معنية بها.
لكن الانتخابات تشكل محطة تخضع خلالها طريقة تدبير العملية الانتخابية لمراقبة وتقييم مختلف المؤسسات والجهات، خصوصاً عندما تظهر شكايات أو طعون أو وقائع تستدعي البحث.
وقد شهدت وزارة الداخلية، في سياق التحضير لاستحقاقات شتنبر 2026، حركات انتقالية جزئية في صفوف رجال السلطة بعدد من جهات وأقاليم المملكة، في إطار الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية.
وبالتالي، فإن أي حركة لاحقة في إقليم القنيطرة، إذا تقررت رسمياً، سيكون من المهم معرفة سياقها وأهدافها وما إذا كانت تدخل في إطار التدبير الإداري العادي، أم تأتي في سياق تقييم مرحلة ما بعد الانتخابات.
دائرة الغرب.. الاختبار لم ينته بإعلان النتائج
ما جرى في دائرة الغرب خلال يوم الاقتراع وما أعقبه من أسئلة ومعطيات، يجعل المرحلة المقبلة مختلفة عن يوم الانتخابات نفسه.
فالاختبار الحقيقي الآن هو: هل ستتم معالجة كل الشكايات والطعون بالجدية المطلوبة؟ وهل سيتم التدقيق في جميع المعطيات التي قدمتها الأحزاب وممثلو المرشحين؟
وكانت «الوطن24» قد نشرت، يوم الاقتراع، معطيات وإفادات محلية حول سير العملية الانتخابية بدائرة الغرب، مع التأكيد على أن بعضها لم يكن ممكناً التحقق منه بشكل مستقل، وأن التعامل معها يقتضي الرجوع إلى المحاضر والجهات المختصة.
من الصندوق إلى القضاء
القضية، في النهاية، ليست قضية حزب ضد حزب، ولا مرشح ضد مرشح.
إن ثبتت اختلالات، فإن الأمر يتعلق بحق الناخب في أن تكون إرادته مصونة، وبحق المرشح في أن تكون المنافسة الانتخابية خاضعة للقانون، وبمسؤولية المؤسسات في حماية نزاهة العملية الانتخابية.
أما إذا أثبت التحقيق أن الأمر يتعلق بمعطيات عادية أو أخطاء لا تؤثر في سلامة الاقتراع، فإن ذلك يجب أن يعلن أيضاً للرأي العام، حتى لا تبقى الشائعات والشكوك بديلاً عن الحقيقة.
وهنا تحديداً تأتي أهمية القضاء والمساطر القانونية.
فالفيصل ليس ما يقال عن الصندوق، وإنما ما تثبته الوثائق وما تكشفه التحقيقات وما تقرره الجهات المختصة.
القنيطرة أمام مرحلة جديدة
بعد انتخابات 23 شتنبر، تبدو القنيطرة أمام مرحلة تفرض أسئلة جديدة، ليس فقط حول الخريطة السياسية التي أفرزتها الانتخابات، وإنما أيضاً حول طريقة تدبير العملية الانتخابية على المستوى الترابي.
وفي قلب هذه الأسئلة توجد دائرة الغرب وجماعة سيدي محمد لحمر، حيث أصبح مكتب التصويت الذي سجل 480 ناخباً و480 مصوتاً نقطة تستوجب التوضيح والتدقيق.
فإذا ثبتت سلامة المعطيات، ينبغي أن تكون الإجابة واضحة للرأي العام.
وإذا ثبتت اختلالات، فإن القانون يحدد المسؤوليات والآثار المترتبة عنها.
أما احتمال انتقال بعض رجال السلطة، فيبقى إلى حين صدور أي بلاغ رسمي مجرد احتمال وتداول، ولا يصح ربطه بشكل مباشر بواقعة انتخابية معينة قبل ظهور نتائج التحقيقات أو صدور قرارات رسمية.
لكن السؤال سيظل قائماً:
هل تحمل مرحلة ما بعد انتخابات 23 شتنبر مراجعة في خريطة رجال السلطة بإقليم القنيطرة؟ وهل ستكون واقعة سيدي محمد لحمر، وما قد تكشفه الطعون والتحقيقات في دائرة الغرب، جزءاً من عملية تقييم أوسع؟
الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه التساؤلات ستبقى في دائرة التداول، أم ستتحول إلى قرارات وإجراءات رسمية.