
ليست كل الأرقام البرلمانية مجرد حسابات انتخابية باردة. بعضها يتحول، بمجرد وضعه داخل المعادلة الدستورية والسياسية، إلى مؤشرات على شكل الصراع الذي قد يطبع المرحلة المقبلة.
وفي المشهد المغربي الجديد، يبرز رقمان بشكل لافت: 236 مقعداً للأغلبية المحتملة، مقابل 134 نائباً في المعارضة وفق السيناريو المتداول.
وبين الرقمين، تتشكل معادلة سياسية دقيقة: حكومة تملك أغلبية واسعة تمكنها من الحكم، ومعارضة تملك وزناً عددياً وأدوات دستورية ورقابية يمكن أن تجعل ولايتها تحت المجهر منذ يومها الأول.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة أكبر هو:
هل تستطيع فاطمة الزهراء المنصوري تحويل 236 مقعداً إلى أغلبية سياسية متماسكة، أم أن هذا الرقم الكبير يخفي داخلَه تعدد مراكز القرار واحتمالات الخلاف؟
236 مقعداً.. انتصار عددي لا يكفي وحده
وفق الهندسة السياسية المتداولة، قد تضم الأغلبية المقبلة أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، بما مجموعه نحو 236 مقعداً.
ومن الناحية العددية، تبدو المعادلة مريحة جداً لأي رئيس حكومة.
لكن السياسة لا تُدار دائماً بمنطق الجمع الحسابي.
فكل حزب سيدخل الحكومة يحمل معه برنامجه، وقاعدته الانتخابية، وطموحاته التنظيمية، وحساباته داخل المؤسسات، فضلاً عن الملفات التي قد تتحول مستقبلاً إلى نقاط خلاف بين الشركاء.
وهنا تحديداً ستظهر قدرة المنصوري على إدارة التحالف.
فالحكومة قد تبدأ بـ236 نائباً، لكن السؤال الحقيقي هو: كم نائباً سيبقى ملتزماً بالموقف الحكومي عندما تصل القضايا الحساسة إلى التصويت؟
134 نائباً.. المعارضة التي قد لا تسقط الحكومة لكنها تستطيع إحراجها
في المقابل، يضع السيناريو المتداول نحو 134 نائباً في صف المعارضة، في مقدمتهم التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، مع احتمال تموقع 25 نائباً في خانة المساندة النقدية.
وهنا يجب التمييز بين أمرين: امتلاك المعارضة لأدوات رقابية مهمة، وامتلاكها القدرة على إسقاط الحكومة.
فالعدد المفترض للمعارضة لا يكفي وحده لتمرير ملتمس رقابة وإسقاط الحكومة، لأن ذلك يحتاج إلى أغلبية دستورية أكبر بكثير من مجرد عدد نواب المعارضة.
وبالتالي، فإن السيناريو الأخطر على الحكومة لن يكون بالضرورة وجود 134 نائباً في المعارضة، وإنما احتمال انتقال الخلاف من المعارضة إلى داخل الأغلبية نفسها.
وهذا هو المفتاح الحقيقي للمعادلة.
المعارضة تملك أدوات.. لكن هل تملك وحدة القرار؟
القوة البرلمانية لا تقاس فقط بعدد المقاعد، وإنما بمدى القدرة على التنسيق.
ومعارضة تضم التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، إلى جانب مكونات أخرى محتملة، قد تمتلك وزناً مهماً في مراقبة العمل الحكومي، لكنها لن تتحول تلقائياً إلى كتلة سياسية واحدة.
فقد تلتقي مكوناتها حول ملف اقتصادي، وتختلف حول قضية اجتماعية، وتتفق في انتقاد قرار حكومي ثم تختلف في التصويت على مشروع قانون.
لذلك فإن 134 نائباً من دون تنسيق سياسي فعال قد يكونون رقماً كبيراً على الورق، بينما 134 نائباً يتحركون وفق استراتيجية مشتركة قد يتحولون إلى مصدر ضغط حقيقي على الحكومة.
المفاجأة قد تكون داخل الأغلبية
المعادلة الأكثر إثارة لا توجد بالضرورة في مقاعد المعارضة.
بل قد تكون داخل الأغلبية نفسها.
فإذا نجحت المنصوري في بناء تحالف من ستة أحزاب، فإن التحدي لن يكون فقط جمع هذه المكونات حول برنامج حكومي، وإنما منع الخلافات الطبيعية بينها من التحول إلى أزمات سياسية.
فالحكومات الائتلافية لا تسقط دائماً بسبب ضعف أعدادها، وإنما قد تبدأ أزماتها عندما يفقد الشركاء القدرة على التفاهم حول الملفات الكبرى.
ومن هنا، فإن 236 مقعداً قد تكون مصدر قوة هائلة، لكنها قد تتحول أيضاً إلى رقم مضلل إذا لم تصاحبه آلية واضحة للانضباط والتنسيق وتدبير الخلافات.
المنصوري أمام اختبار يتجاوز توزيع الحقائب
المفاوضات الحكومية لن تكون مجرد عملية لتحديد أسماء الوزراء.
فالمنصوري مطالبة، قبل توزيع المناصب، بمعرفة من هو الشريك المستعد لتحمل مسؤولية القرار، ومن هو القادر على الدفاع عن البرنامج الحكومي، ومن يستطيع الاستمرار في دعم الحكومة عندما تبدأ القرارات الصعبة في الظهور.
وهنا تصبح التسريبات المتداولة حول شروط الأحزاب ومطالبها بحاجة إلى قراءة سياسية حذرة.
فالتسريب السياسي قد يكون مجرد معلومة، لكنه قد يكون أيضاً ورقة تفاوضية هدفها رفع سقف المطالب، أو اختبار ردود الفعل، أو الضغط على الطرف الآخر قبل الجلوس إلى طاولة الاتفاق النهائي.
ولهذا لا ينبغي التعامل مع كل ما يتداول في الكواليس باعتباره قراراً نهائياً.
134 نائباً لا تعني إسقاط الحكومة.. لكنها تعني رقابة ثقيلة
المعارضة المفترضة لن تكون قادرة، بمفردها، على إسقاط الحكومة عبر ملتمس الرقابة، لكنها تستطيع جعل العمل الحكومي أكثر عرضة للمساءلة والنقاش البرلماني.
كما أن بلوغ بعض العتبات العددية المنصوص عليها دستورياً يمنح المعارضة، متى استوفت الشروط القانونية الخاصة بكل آلية، إمكانات مهمة في مجال الرقابة البرلمانية، ومنها المبادرات المرتبطة بلجان تقصي الحقائق وبعض الآليات المتعلقة بالحكومة والبرلمان، إضافة إلى الإحالة على المحكمة الدستورية في الحالات التي يجيزها الدستور.
وهنا قد تتحول المعارضة من مجرد مقاعد مقابلة للحكومة إلى طرف قادر على فرض أجندة رقابية مستمرة.
لكن ذلك كله سيظل مرتبطاً بقدرتها على التنسيق، وبطبيعة كل آلية وشروط تفعيلها.
المعركة الحقيقية تبدأ بعد تشكيل الحكومة
إذا كانت مفاوضات تشكيل الحكومة هي المرحلة الأولى، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد الإعلان عنها.
هناك ستظهر الأسئلة الصعبة:
هل ستصوت كل مكونات الأغلبية بالطريقة نفسها؟
هل ستتمكن المنصوري من احتواء الخلافات قبل وصولها إلى البرلمان؟
هل سيشكل الأحرار والعدالة والتنمية جبهة معارضة منسقة أم سيحتفظ كل حزب بمسافته السياسية؟
وهل يمكن أن تتحول بعض الخلافات داخل الأغلبية إلى تفاهمات مؤقتة بين جزء منها والمعارضة؟
هذه الأسئلة قد تبدو مبكرة اليوم، لكنها ستكون جوهر المرحلة المقبلة.
236 في مواجهة 134.. الرقم ليس كل شيء
في الحساب الأولي، تبدو الصورة واضحة:
236 نائباً وراء الحكومة المحتملة، و134 نائباً في المعارضة المحتملة.
لكن خلف هذه الأرقام توجد معركة أكبر حول الانضباط السياسي، وتماسك التحالف، وفعالية المعارضة، وقدرة كل طرف على إدارة خلافاته.
فالمنصوري لا تحتاج فقط إلى أغلبية تمكنها من تشكيل الحكومة؛ بل تحتاج إلى أغلبية تستطيع البقاء معها عندما تصبح القرارات أكثر كلفة سياسياً.
والمعارضة لا تحتاج فقط إلى 134 نائباً؛ بل تحتاج إلى تحويل هذا العدد إلى قوة رقابية منظمة وقادرة على التأثير.
وهنا قد تكون المفارقة:
الحكومة لن تكون مهددة بالضرورة بسبب قوة المعارضة، بل قد تصبح مهددة إذا فشلت في إدارة قوتها الداخلية.
أما المعارضة، فلن تصبح قوية لمجرد أنها تملك 134 مقعداً، بل عندما تستطيع تحويل هذا الرقم إلى موقف موحد، وأسئلة دقيقة، وملفات رقابية، ومواجهة سياسية مسؤولة.
لذلك، فإن أول امتحان حقيقي لفاطمة الزهراء المنصوري لن يكون يوم إعلان أسماء الوزراء.
الامتحان سيبدأ عندما يجلس الجميع داخل قبة البرلمان، وتتحول أرقام الانتخابات إلى أصوات في لحظات التصويت الحاسمة.
عندها فقط سيتضح:
هل كانت 236 مقعداً أغلبية سياسية حقيقية… أم مجرد أغلبية حسابية؟
وهل كان 134 نائباً مجرد معارضة عددية… أم بداية قوة رقابية قادرة على تغيير قواعد اللعبة؟