المغرب.. 21 خطأً في الجريدة الرسمية يفتح النار على تدبير 210 مليارات درهم: كيف تحولت ليلى بنعلي إلى «عاملة» على بنسليمان؟

 

في واقعة تثير أكثر من علامة استفهام، لم يمر العدد الأخير من الجريدة الرسمية للمملكة المغربية مرور الكرام، بعدما تضمن العدد 7536 مكرر استدراكاً لجملة من الأخطاء التي وردت في العدد 7534 الصادر بتاريخ 13 غشت الجاري.

القضية لا تتعلق بخطأ مطبعي عابر في منشور عادي، وإنما بحزمة قرارات صادرة عن الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، تخص تفويض صلاحيات الإمضاء والمصادقة على صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات المرتبطة بـصندوق التنمية الترابية المندمجة.

والأكثر إثارة أن عدد الأخطاء التي استوجبت الاستدراك بلغ حوالي 21 خطأ في أسماء المسؤولين المفوض إليهم اختصاصات الأمر بالصرف.

من بين الأخطاء التي تستحق التوقف عندها، ورود اسم ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، مكان اسم الحسن بوكوتة، عامل إقليم بنسليمان.

بمعنى آخر، وجدت الوزيرة اسمها في وثيقة رسمية في موقع مسؤول ترابي لم تشغله!

أما خلفية هذا الخلط، وفق مصدر مطلع نقلت عنه «صوت المغرب»، فتعود إلى كون الوزيرة بنعلي كانت قد أشرفت على تنصيب الحسن بوكوتة عقب تعيينه، حيث ظهر اسمها ضمن قصاصة رسمية مرتبطة بحفل التنصيب، قبل أن يجد طريقه، بطريقة غير مقصودة، إلى وثيقة أخرى تتعلق بتفويض الاختصاصات.

وهنا تتحول القصة من مجرد «سهو إداري» إلى سؤال حول كيفية إعداد ومراجعة الوثائق التي تصل إلى الجريدة الرسمية قبل نشرها.

الاستدراك لم يقتصر على خطأ واحد.

فبحسب المعطيات المتداولة، تضمن العدد السابق حوالي 21 خطأً في أسماء المسؤولين، تفاوتت حدتها بين حذف حرف أو حرفين من بعض الأسماء، وإضافة كلمة «السيد»، وصولاً إلى إضافة اسم ثالث في بعض الحالات.

لكن الخطأ الأكثر إثارة للانتباه ظل هو استبدال اسم عامل إقليم بنسليمان باسم وزيرة في الحكومة.

والسؤال هنا ليس كيف وقع الخطأ فقط، وإنما: كيف مرّ إلى وثيقة رسمية يفترض أن تخضع للمراجعة والتدقيق قبل نشرها؟

قد يبدو الأمر بسيطاً لو تعلق الأمر بوثيقة إدارية داخلية، لكن حساسية القضية ترتبط أيضاً بطبيعة القرارات موضوع الاستدراك.

فالأمر يتعلق بـصندوق التنمية الترابية المندمجة، المرتبط بورش تنموي كبير، تصل كلفته الإجمالية المبرمجة إلى حوالي 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، أي ما يعادل 2100 مليار سنتيم.

وهنا ينبغي توضيح نقطة مهمة: الحديث عن 210 مليارات درهم لا يعني أن هذا المبلغ وضع دفعة واحدة تحت تصرف فوزي لقجع، بل يتعلق بالكلفة الإجمالية للورش على مدى الفترة المبرمجة، بينما ترتبط القرارات محل النقاش بتفويض صلاحيات في مجال الصرف والصفقات الخاصة بالصندوق.

لكن ضخامة الأرقام تجعل مسألة الدقة في الوثائق أكثر أهمية، لا أقل.

مصدر مطلع عزى الأخطاء إلى كون القرارات أُعدت بشكل عاجل.

والاستعجال مفهوم أحياناً في تدبير الملفات الحكومية، لكن هل يمكن أن يكون الاستعجال مبرراً لمرور 21 خطأً في أسماء مسؤولين داخل وثيقة رسمية؟

هنا تحديداً تتولد الأسئلة التي تستحق جواباً مؤسساتياً واضحاً:

فإذا كان من الممكن أن يحل اسم وزيرة محل عامل إقليم في وثيقة رسمية، فإن المواطن من حقه أن يتساءل عن مستوى التدقيق عندما تنتقل الملفات من الأسماء إلى الأرقام والاعتمادات والصفقات والمشاريع.

وجود اسم فوزي لقجع في قلب هذه القرارات يجعل الموضوع أكثر حساسية، بالنظر إلى مسؤوليته الحكومية في مجال الميزانية، وما يرتبط بها من تدبير للمال العام.

والحديث هنا لا يعني توجيه اتهام إلى الوزير أو الجزم بوجود اختلال مالي، فالمعطيات المتوفرة لا تثبت ذلك.

لكن المسؤولية السياسية والإدارية تفرض، في المقابل، طرح الأسئلة عندما تظهر أخطاء متعددة في وثائق مرتبطة بملفات مالية وتنموية ضخمة.

خصوصاً أن المغرب يعيش مرحلة دقيقة تسبق الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، وهي مرحلة يصبح فيها كل تدبير للمال العام وكل قرار إداري تحت مجهر الرأي العام.

«البلاد غادية للخسران أحمادي».. أم أن الأمر مجرد زلة قابلة للتصحيح؟

ربما يقول البعض: «الأخطاء تقع، وتم تصحيحها».

وهو كلام صحيح من حيث المبدأ.

لكن الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على تصحيح الأخطاء بعد نشرها، وإنما أيضاً بقدرتها على منع الأخطاء قبل أن تصل إلى وثائقها الرسمية.

والجريدة الرسمية ليست منشوراً على مواقع التواصل الاجتماعي يمكن تعديله في دقائق. إنها الوعاء الرسمي الذي تنشر فيه النصوص والقرارات القانونية والتنظيمية للدولة.

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس السخرية من تحول ليلى بنعلي إلى «عاملة» على بنسليمان، رغم أن المفارقة مغرية جداً، وإنما معرفة ما إذا كانت هذه الواقعة استثناءً عابراً أم مؤشراً يستوجب مراجعة طريقة إعداد وتدقيق القرارات المالية والإدارية.

المغربي الذي يسمع عن 2100 مليار سنتيم لا يريد أن يعرف فقط من أخطأ في كتابة اسم مسؤول، بل يريد أن يطمئن إلى أن كل درهم من المال العام يخضع للمراقبة والتدقيق والمساءلة.

فالصفقات ليست أسماءً فقط، والمشاريع ليست وثائق فقط، والاعتمادات ليست أرقاماً على الورق.

إنها طرق وماء وتجهيزات ومرافق وفرص شغل وخدمات عمومية ينتظر المواطن أن يلمس أثرها على أرض الواقع.

ولهذا، فإن واقعة 21 خطأً في وثيقة رسمية قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تفتح نقاشاً أكبر بكثير حول ثقافة التدقيق والمسؤولية داخل الإدارة.

وفي انتظار أن تجيب الجهات المعنية عن الأسئلة التي يطرحها هذا الاستدراك، يبقى السؤال الذي يختصر كل شيء:

إذا كانت «الزربة» قد جعلت اسم وزيرة يحل محل اسم عامل في الجريدة الرسمية، فهل يمكن للمغاربة أن يطمئنوا إلى أن الـ210 مليارات درهم ستُدار بالسرعة نفسها، لكن بدقة أكبر بكثير؟

وفي مغرب المشاريع الكبرى والاستحقاقات الكبرى، ربما لم يعد مقبولاً أن يكون شعار المرحلة هو: «صححنا الخطأ بعد النشر»، بل ينبغي أن يكون: «دققنا قبل أن ننشر».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »