المغرب يرفع سقف التحذير: لا تجعلوا المملكة ورقة انتخابية في إسبانيا… والجالية المغربية قد تدفع الثمن.

.
* مدريد*
لم يعد الخلاف المغربي الإسباني الأخير مجرد سجال دبلوماسي حول أزمة الهجرة وتطورات سبتة، بل بدأ يكشف وجهاً أكثر حساسية يتعلق بحدود توظيف العلاقات الخارجية في الصراع السياسي الداخلي الإسباني.
ففي بلاغ رسمي صدر الخميس، وجهت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج رسائل واضحة إلى الفاعلين الإسبان، مؤكدة أن المغرب اختار مع إسبانيا علاقة تقوم على حسن الجوار والتفاهم السياسي والشراكة الاقتصادية والتعاون الأمني، لكنها في المقابل أعربت عن أسفها لاستمرار بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية في توظيف المملكة لخدمة أجندات داخلية.
والأكثر دلالة أن الرباط لم تكتفِ بتسجيل موقف دبلوماسي، بل انتقدت ما وصفته بسقوط أحزاب إسبانية تاريخية، يفترض فيها التمرس على تدبير الشأن الحكومي، في ما سمته “المستنقع”، حيث تطغى المزايدات غير العقلانية والشعبوية على صوت العقل. كما انتقد البلاغ مبادرات صادرة عن مؤسسات تشريعية وقضائية إسبانية، معتبراً أنها قد تغذي الخلاف، محذراً من استراتيجية تخويف “تضر بالجميع”.
الرباط تطرح السؤال الذي يحرج مدريد
الرسالة المغربية جاءت في توقيت شديد الحساسية، بعدما تحولت أزمة العبور الجماعي إلى سبتة خلال يوليوز إلى مادة أساسية في التجاذب السياسي والإعلامي داخل إسبانيا.
وبينما وجهت أحزاب معارضة إسبانية اتهامات إلى الرباط بشأن الأحداث، تؤكد الحكومة المغربية عدم وجود معطيات أو وقائع أو تقارير تثبت تورط السلطات المغربية، وهو ما شددت عليه الوزارة في بلاغها الأخير. كما طرحت الرباط أسئلة بشأن استمرار وجود مهاجرين غير نظاميين وقاصرين غير مصحوبين، رغم إعلانها استعدادها لاستقبالهم.
وهنا تبرز المفارقة السياسية:
إذا كانت مدريد تقول إن لديها أسئلة موجهة إلى المغرب، فإن الرباط ترد بأسئلة موجهة إلى مدريد.
ومن المسؤول عن إدارة الأزمة؟
ولماذا تستمر الاتهامات في غياب ما تعتبره الرباط أدلة حاسمة؟
ولماذا تتحول قضية الهجرة إلى مادة للصراع الحزبي؟
وهل أصبح المغرب جزءاً من الحسابات الانتخابية والسياسية الداخلية في إسبانيا؟
من أزمة سبتة إلى أزمة خطاب سياسي
الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بمن دخل سبتة وكيف دخلها، بل أيضاً بكيفية توظيف الحدث سياسياً وإعلامياً.
فالتغطيات والتحليلات الإسبانية الأخيرة أظهرت انقساماً داخل المشهد السياسي بشأن العلاقة مع المغرب، في وقت تؤكد فيه مدريد أهمية التعاون مع الرباط في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد. كما أن وزارة الخارجية المغربية ذكّرت بأن العلاقات الثنائية تقوم على إطار من التعاون والشراكة، وليس على منطق المواجهة.
وهذا ما يجعل التصعيد الحالي أكثر تعقيداً.
فالمغرب وإسبانيا ليسا دولتين منفصلتين تجمعهما علاقة دبلوماسية عادية؛ إنهما جاران تجمعهما مصالح أمنية واقتصادية وإنسانية واسعة، إضافة إلى ارتباط مباشر بملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب والتعاون القضائي والتبادل التجاري.
وبالتالي، فإن إدخال العلاقة الثنائية في التجاذبات الحزبية قد تكون كلفته أكبر من مجرد ارتفاع منسوب التصريحات.
الجالية المغربية… الحلقة الأكثر حساسية
لكن هناك جانباً آخر من الأزمة يستحق اهتماماً خاصاً: الجالية المغربية المقيمة في إسبانيا.
فحين تنتقل الخلافات بين الحكومات والأحزاب إلى خطاب سياسي وإعلامي حاد، يبقى السؤال الأهم: من سيدفع ثمن ذلك على المستوى الاجتماعي؟
الكاتب والحقوقي المتخصص في العلاقات المغربية الإسبانية عبد الحميد البجوقي حذر من أن الجالية المغربية يمكن أن تكون من بين الفئات الأكثر تعرضاً لتداعيات التوتر السياسي والإعلامي، خصوصاً إذا تحولت المناقشات حول المغرب والهجرة إلى خطاب عام يغذي الأحكام المسبقة أو الإقصاء.
وهذا التخوف لا يعني الجزم بوقوع حالات محددة من التمييز بسبب الأزمة الحالية، وإنما يطرح ضرورة الانتباه إلى احتمال انتقال التوتر السياسي من المؤسسات والإعلام إلى الحياة اليومية للمهاجرين وأبنائهم.
فالمغربي الذي يعيش ويعمل ويدرس في إسبانيا ليس مسؤولاً عن الخلافات بين الحكومات، ولا ينبغي أن يتحول إلى طرف في معركة سياسية لا علاقة له بها.
الخلاف مع المغرب شيء… واستهداف المغاربة شيء آخر
يمكن للأحزاب الإسبانية أن تختلف مع الحكومة المغربية.
ويمكن للإعلام الإسباني أن ينتقد السياسات المغربية.
ويمكن للبرلمان الإسباني أن يناقش ملفات الهجرة وسبتة والعلاقات مع الرباط.
لكن الخط الفاصل يجب أن يبقى واضحاً بين النقد السياسي المشروع وبين أي خطاب يمكن أن يُفهم باعتباره استهدافاً لجالية بأكملها.
وهنا تكمن المسؤولية الكبرى للسياسيين والإعلاميين.
فالمغرب ليس مجرد ملف انتخابي، والمغاربة المقيمون في إسبانيا ليسوا رقماً في الحملات الانتخابية.
شراكة استراتيجية… ولكن بشروط الاحترام المتبادل
رغم اللهجة الحازمة التي حملها البلاغ المغربي، فإن الرباط لم تغلق باب الحوار، بل أعادت التأكيد على طبيعة العلاقة التي اختارتها مع مدريد: حسن جوار، تفاهم سياسي، تعاون اقتصادي وأمني.
وهذه نقطة جوهرية.
فالرسالة المغربية لا تبدو دعوة إلى القطيعة، بقدر ما تبدو محاولة لإعادة ضبط قواعد العلاقة.
وهذا ما ينسجم أيضاً مع قراءة عبد الحميد البجوقي الذي اعتبر أن أزمة سبتة لا تعني بالضرورة انهيار الشراكة المغربية الإسبانية، بالنظر إلى تشابك المصالح بين البلدين.
لكن الشراكة، مهما كانت قوية، تحتاج إلى قاعدة أساسية: الثقة والاحترام المتبادل وعدم تحويل الخلافات الظرفية إلى أدوات للتعبئة السياسية.
مدريد أمام امتحان حقيقي
السؤال اليوم ليس فقط كيف ستتعامل إسبانيا مع أزمة سبتة، وإنما كيف ستدير خلافاتها مع المغرب دون أن تتحول العلاقة الثنائية إلى وقود دائم للصراع السياسي الداخلي.
فالمغرب يمكن أن يكون موضوعاً للنقاش في البرلمان الإسباني، ويمكن أن تكون سياساته موضع نقد، لكن تحويل المملكة إلى “خصم انتخابي جاهز” قد يهدد، في نهاية المطاف، المصالح التي بنتها مدريد والرباط خلال سنوات من التعاون.
والأخطر أن استمرار التصعيد قد يخلق مناخاً سياسياً لا يتوقف عند حدود الحكومات، بل يصل إلى المجتمع.
وهنا تصبح الجالية المغربية في إسبانيا في قلب المعادلة.
الرسالة المغربية: الشراكة نعم… والاستغلال السياسي لا
البلاغ المغربي الأخير يمكن اختزاله في رسالة واحدة:
المغرب يريد شراكة مع إسبانيا، لكنه يرفض أن يكون ورقة في صراعاتها الداخلية.
وإذا كانت مدريد والرباط تمتلكان قنوات سياسية وأمنية ودبلوماسية لمعالجة خلافاتهما، فإن المجتمعين المغربي والإسباني يحتاجان بدورهما إلى حماية جسور التعايش التي بُنيت على مدى عقود.
فالأزمات السياسية يمكن احتواؤها بالحوار، والملفات الخلافية يمكن مناقشتها داخل المؤسسات، لكن عندما تتحول العلاقات الدولية إلى خطاب تخويف ومزايدات انتخابية، فإن آثارها قد تتجاوز السياسيين لتصل إلى ملايين المواطنين والمقيمين الذين يعيشون بين ضفتي المتوسط.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً أمام مدريد:
هل تريد إسبانيا شريكاً استراتيجياً على الضفة الجنوبية للمتوسط… أم ورقة انتخابية كلما اقتربت الاستحقاقات السياسية؟
ذلك هو السؤال الذي يبدو أن الرباط قررت، هذه المرة، أن تطرحه بصوت مرتفع.




