
بين طموح التكنولوجيا واختبار النتائج.. هل يصنع المغرب نموذجاً رقمياً وطنياً أم يكتفي بإعادة ترتيب الهياكل الحكومية؟
في خطوة تعكس تنامي أهمية التكنولوجيا في السياسات العمومية، أُدرج الذكاء الاصطناعي ضمن التسمية الرسمية لوزارة مغربية جديدة، أُسندت مسؤوليتها إلى أحمد رحو، وزير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، ضمن الحكومة التي جرى تعيين أعضائها يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.
ويفتح هذا الاختيار باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل التحول الرقمي في المغرب، وحول النموذج الذي ينبغي اعتماده لتطوير الذكاء الاصطناعي، في وقت تتنافس فيه القوى الاقتصادية الكبرى على الاستثمار في هذه التكنولوجيا وتوسيع استعمالاتها في الصناعة والاقتصاد والإدارة.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بهدوء وموضوعية هو: هل يكفي إحداث وزارة تحمل اسم الذكاء الاصطناعي لتسريع التحول التكنولوجي، أم أن النجاح يتطلب قبل كل شيء استثمارات كبيرة، وبحثاً علمياً متقدماً، وكفاءات مؤهلة، ومؤسسات قادرة على تحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات قابلة للاستعمال؟
الصين وأمريكا.. الدرس ليس في أسماء الوزارات
تُعد الولايات المتحدة والصين من أبرز القوى المؤثرة في تطوير الذكاء الاصطناعي، لكن تنظيم هذا القطاع في البلدين لا يقوم على وجود وزارة مستقلة واحدة تحمل اسم «وزارة الذكاء الاصطناعي».
ففي الولايات المتحدة، تتوزع المهام المتعلقة بتطوير التكنولوجيا وتنظيم استخدامها والإشراف عليها بين مؤسسات وإدارات وهيئات متعددة. وأظهر تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي، نُشر في شتنبر 2025، وجود عشر مجموعات حكومية للإشراف والاستشارة في مجال الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن 94 متطلباً حكومياً عاماً مرتبطاً بهذا المجال.
أما الصين، فتعتمد بدورها على منظومة تضم عدة مؤسسات حكومية، في إطار توجه يرمي إلى دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعة والاقتصاد والخدمات، مع الاهتمام بالتنظيم والأمن والتطوير التكنولوجي.
وهذا لا يعني أن المغرب مطالب بالتخلي عن وزارة متخصصة، ولا أن النموذج الأمريكي أو الصيني قابل للاستنساخ حرفياً؛ بل يعني أن الاسم الإداري وحده لا يفسر أسباب التقدم التكنولوجي.
فالنتائج ترتبط بمدى تكامل المؤسسات، وحجم الاستثمار في البحث والتطوير، وقدرة الشركات والجامعات على الابتكار، وتوفر البنيات التحتية والكفاءات اللازمة.
المغرب للذكاء الاصطناعي 2030.. أهداف طموحة في انتظار قياس النتائج
كان المغرب قد أطلق مساراً وطنياً لتطوير الذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، قبل الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة.
ووفق بلاغ رسمي لوزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة بتاريخ 8 شتنبر 2026، تتضمن خارطة الطريق «المغرب للذكاء الاصطناعي 2030» ثلاثة أهداف رئيسية في أفق سنة 2030: تحقيق 100 مليار درهم من القيمة المضافة للناتج الداخلي الخام، وإحداث 50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، وتكوين واعتماد 200 ألف موهبة وكفاءة.
وتشمل الخارطة أيضاً تطوير البنيات التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية السيادية، والكفاءات الوطنية، والابتكار، وتطوير حلول رقمية تستجيب لحاجيات الإدارة والمواطنين.
وتشكل هذه الأهداف إطاراً مهماً لتقييم السياسة الرقمية المغربية خلال السنوات المقبلة، غير أن الإعلان عنها لا يعني أنها تحققت بالفعل؛ فهي أهداف مستقبلية ينبغي قياس التقدم نحوها عبر مؤشرات واضحة وبيانات دورية.
ومن هنا تبرز أهمية المرحلة الجديدة: هل ستتمكن الوزارة من تسريع تنفيذ البرامج القائمة، وتنسيق الجهود بين القطاعات، وتوسيع أثرها الاقتصادي والاجتماعي؟
ميزانية 2027.. أين ستذهب الأموال، وما النتائج المنتظرة؟
يشكل مشروع ميزانية سنة 2027 محطة مهمة لفهم الإمكانات المالية المتاحة للقطاع الحكومي المكلف بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة.
لكن من الضروري التمييز بين الأهداف الاستراتيجية المعلنة وبين الاعتمادات المالية التي ستُرصد فعلياً لتنفيذها. فلا يجوز اعتبار مبلغ 100 مليار درهم، مثلاً، ميزانية للوزارة؛ فهو هدف معلن للقيمة المضافة المرتقبة للناتج الداخلي الخام في أفق 2030.
وتحتاج القراءة الدقيقة للميزانية إلى معرفة الاعتمادات المخصصة للبنيات التحتية، والبحث والابتكار، وتكوين الكفاءات، وتطوير الخدمات العمومية، ودعم المقاولات، وتعزيز الأمن السيبراني وحماية المعطيات.
كما ينبغي تحديد المشاريع التي ستنجزها الوزارة مباشرة، وتلك التي تتطلب تنسيقاً مع قطاعات أخرى، مع توضيح آجال التنفيذ ومؤشرات قياس الأداء.
وفي انتظار الاطلاع على الوثائق المالية الرسمية الخاصة بالقطاع الجديد، سيكون من غير الدقيق إصدار حكم مسبق بشأن كفاية ميزانيته أو حجم الموارد التي ستُخصص له.
المواطن المغربي.. المستفيد الذي يجب أن يكون في قلب المعادلة
مهما بلغت أهمية الاستثمارات التكنولوجية، فإن قيمتها الحقيقية تتحدد بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين.
فالمواطن يريد خدمات إدارية أسرع، وإجراءات أقل تعقيداً، وإمكانية إنجاز معاملاته عن بعد، وتقليص التنقل والانتظار، دون أن يجد نفسه مضطراً إلى الاعتماد على وسطاء لإنهاء إجراءات بسيطة.
والشباب ينتظرون فرصاً حقيقية في سوق العمل الرقمي، وتكويناً يواكب احتياجات الاقتصاد، وإمكانية تأسيس مقاولات تكنولوجية قادرة على المنافسة.
أما المقاولات الصغيرة والمتوسطة، فتحتاج إلى حلول عملية بتكلفة معقولة، وإلى مواكبة تقنية ومالية تسمح لها بالاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون أن تتحول التكنولوجيا إلى امتياز محصور في الشركات الكبرى.
وتبقى العدالة المجالية شرطاً أساسياً أيضاً؛ إذ ينبغي أن تصل ثمار الرقمنة إلى مختلف جهات المملكة، بما فيها المناطق القروية والأقاليم البعيدة عن المراكز الاقتصادية الكبرى.
ما الذي سيحدد نجاح الوزارة الجديدة؟
لن يكون عدد المؤتمرات أو الاتفاقيات وحده معياراً كافياً للحكم على نجاح التجربة. فالتقييم الموضوعي يقتضي متابعة مجموعة من المؤشرات، من بينها:
- عدد الخدمات العمومية التي أصبح بالإمكان إنجازها بالكامل عن بعد.
- مدى تقليص آجال معالجة الملفات وتحسين جودة الخدمات.
- عدد فرص الشغل التي أُحدثت فعلياً في المجالات الرقمية.
- عدد الكفاءات التي استكملت التكوين وحصلت على الاعتماد.
- حجم استفادة المقاولات الصغيرة والمتوسطة من البرامج الرقمية.
- التوزيع الجغرافي للاستثمارات والمشاريع المنجزة.
- مدى تقدم المشاريع المبرمجة ونسبة تنفيذ الاعتمادات المالية المرصودة لها.
ومن شأن نشر هذه المعطيات بصورة منتظمة أن يتيح للرأي العام تقييم النتائج على أساس الأرقام والوقائع، لا على أساس الانطباعات أو الوعود.
الخلاصة.. وزارة جديدة، ومسؤولية أكبر في تحويل الطموح إلى واقع
إن إحداث وزارة متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة يمنح المغرب إطاراً حكومياً واضح التسمية لهذا المجال، لكنه يطرح في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة تتعلق بمدى وضوح الاختصاصات، وتكامل السياسات العمومية، وفعالية الإنفاق، وتحقيق الأهداف المعلنة.
ولا يتعلق الرهان الحقيقي بمقارنة المغرب بالصين أو الولايات المتحدة من حيث حجم الإمكانات، وإنما بالاستفادة من تجاربهما في الاستثمار والبحث العلمي وتطوير الكفاءات، مع بناء نموذج مغربي يستجيب لحاجيات المجتمع والاقتصاد الوطني.
أما الحكم على التجربة الجديدة، فينبغي أن يظل مرتبطاً بما ستكشف عنه النصوص التنظيمية والميزانية الرسمية، ثم بما سيتحقق على أرض الواقع من خدمات أفضل، وفرص عمل حقيقية، ومقاولات أكثر قدرة على الابتكار والمنافسة.
فالسؤال الذي سيظل مطروحاً أمام الوزارة الجديدة ليس فقط: ماذا ستفعل بالذكاء الاصطناعي؟ بل: ماذا سيضيف الذكاء الاصطناعي إلى حياة المواطن المغربي، وإلى قوة الاقتصاد الوطني، وإلى قدرة المغرب على امتلاك أدوات مستقبله الرقمي؟