المغرب: حوار هادئ مع تحالف اليسار.. بين وضوح المبادئ ونضج الممارسة وإكراهات التحالفات

 

ليست السياسة سباقًا في إطلاق التصريحات، ولا منافسة في تسجيل المواقف الأكثر حدة، بل هي قبل كل شيء فن بناء الرؤية، وترتيب الأولويات، والتمييز بين الثابت والمتغير، وبين ما تفرضه المبادئ وما تستوجبه الوقائع. ومن هذا المنطلق، يفرض الحضور السياسي والإعلامي لتحالف اليسار في المغرب، وما يرافقه من تصريحات ومواقف بشأن مآلات الانتخابات التشريعية وتموقع مكوناته في المشهد السياسي المغربي، فتح نقاش هادئ ومسؤول حول طبيعة الخطاب السياسي اليساري، وحدود المعارضة، وإشكالية التحالفات، وموقع حزب العدالة والتنمية في معادلة التدافع السياسي.

إن تعدد التصريحات، في حد ذاته، ليس عيبًا سياسيًا؛ فالمشهد المتغير يستدعي التوضيح والتفاعل والتصحيح. غير أن الإشكال يبدأ حين تتوالى المواقف بوتيرة أسرع من وتيرة نضجها، وحين تتحول ردود الفعل الآنية إلى أحكام عامة، أو تصبح الاختلافات السياسية مدخلًا لإنتاج خصومات تتجاوز حدود التنافس المشروع.

فالسياسة لا تُقاس بكمية ما يقال، وإنما بمدى اتساق القول مع المرجعية، وقدرة الموقف على الصمود أمام الاختبار، واستعداده لمراجعة أدواته دون التفريط في مبادئه. وهنا يبرز السؤال المركزي: هل يحتاج اليسار المغربي، في المرحلة الراهنة، إلى مزيد من إعلان المواقف، أم إلى تعميق التفكير في شروط الفعل السياسي، وحدود التحالف، وإمكان بناء بدائل واقعية قادرة على التأثير في موازين القوى؟

أعادت الانتخابات التشريعية وما أفرزته من موازين سياسية ترتيب عدد من الأسئلة المتعلقة بالمعارضة، وبمستقبل التحالفات، وبقدرة القوى اليسارية على الانتقال من موقع التعبير عن الاختلاف إلى موقع التأثير في القرار العمومي. وفي هذا السياق، تبدو مواقف تحالف اليسار مناسبة لمناقشة أوسع من تقييم شخص أو التعليق على تصريح بعينه؛ إنها مناسبة لفحص العلاقة بين الخطاب السياسي ومقتضيات الممارسة، وبين الالتزام الإيديولوجي ومتطلبات التدبير الديمقراطي للاختلاف.

فاليسار، بما يحمله تاريخيًا من رهانات العدالة الاجتماعية والديمقراطية والحريات العامة والمساواة، مطالب بأن يقدم نموذجًا في النقاش الرصين، وأن يبرهن على أن الاختلاف لا يستلزم الإقصاء، وأن نقد الخصم لا يعفي صاحبه من نقد الذات. كما أن حزب العدالة والتنمية، بصرف النظر عن الاتفاق معه أو الاختلاف حول تجربته الحكومية وخياراته السياسية، يظل فاعلًا في المشهد الوطني لا يصح اختزال تقييمه في أحكام مسبقة أو مواقف تختزل تاريخه وتجربته في عنوان واحد.

ولا يعني ذلك إعفاء أي حزب من المساءلة، أو التغاضي عن التناقضات التي قد تشوب ممارساته، بل يعني إخضاع الجميع لمعيار سياسي واحد: تقييم البرامج والمواقف والممارسات والنتائج، بدل بناء الأحكام على الهوية الحزبية وحدها.

تتمحور الإشكالية حول سؤال جامع: كيف يمكن لتحالف اليسار المغربي أن يحافظ على استقلاليته الفكرية والسياسية، وأن يطور في الوقت نفسه خطابًا واقعيًا قادرًا على بناء التقاطعات والتأثير في السياسات العمومية، دون السقوط في العزلة أو التنازل غير المبرر عن المبادئ؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الإشكالات: ما حدود التمييز بين الموقف المبدئي والموقف المرحلي؟ متى يصبح نقد حزب آخر نقدًا سياسيًا مشروعًا، ومتى ينقلب إلى تشنج أو حكم مسبق؟ ما الفرق بين معارضة الحكومة ومعارضة نظام الحكم؟ وكيف يمكن فهم النقاش حول الملكية البرلمانية والملكية الدستورية في ضوء النص الدستوري المغربي؟ ثم ما حدود الخطوط الحمراء التي تحمي الهوية السياسية، ومتى تتحول إلى حواجز تمنع بناء البدائل؟

هذه الأسئلة لا تستهدف إصدار أحكام نهائية على الأشخاص أو الأحزاب، وإنما تسعى إلى اختبار تماسك الخطاب السياسي، ومدى قدرته على الانتقال من إعلان النوايا إلى بناء الخيارات الممكنة.

إن من مقتضيات العمل السياسي أن تتفاعل القيادات الحزبية مع المستجدات، وأن توضح مواقفها للرأي العام، وأن تدافع عن اختياراتها في مواجهة المنافسين. غير أن التفاعل السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى استجابة متسرعة لكل حدث، لأن الموقف الذي لا يستند إلى تحليل متكامل قد يحقق حضورًا إعلاميًا عابرًا، لكنه قد يضعف القدرة على بناء استراتيجية طويلة المدى.

فالفرق كبير بين سرعة الاستجابة وسرعة الحكم؛ الأولى قد تكون ضرورة سياسية، أما الثانية فقد تتحول إلى مصدر للارتباك والتناقض. وليس المطلوب من تحالف اليسار أو من قياداته الصمت أو الانكفاء، وإنما المطلوب أن تكون التصريحات امتدادًا لرؤية واضحة، وأن تعكس المواقف المعلنة حصيلة تفكير جماعي ومؤسساتي، لا مجرد تفاعل مع إكراهات اللحظة.

إن قوة القيادة السياسية لا تكمن في أن يكون لها جواب جاهز عن كل سؤال، بل في قدرتها على تحديد ما تعرفه، وما لم يستكمل نضجه من تقدير، وما يحتاج إلى نقاش داخل المؤسسات الحزبية. فالتريث ليس ضعفًا، ومراجعة الموقف ليست بالضرورة تراجعًا، والاعتراف بتعقيد الواقع ليس تنازلًا عن المبدأ.

ومن هنا، فإن المعيار الحقيقي لتقييم التصريحات ليس عددها ولا درجة حدتها، وإنما مدى اتساقها مع البرنامج والمرجعية، وقدرتها على تفسير الوقائع وتقديم بدائل عملية قابلة للنقاش والتنفيذ.

تواجه تحالفات اليسار إشكالية مركبة تتمثل في الجمع بين وحدة المرجعية وتعدد التقديرات السياسية. فالتقارب الإيديولوجي لا يؤدي بالضرورة إلى تطابق المواقف، كما أن الاتفاق حول القضايا الكبرى لا يلغي الاختلاف حول ترتيب الأولويات، أو تقييم موازين القوى، أو تحديد وسائل العمل داخل المؤسسات وخارجها.

ومن ثم، فإن نجاح تحالف اليسار لا يتوقف على إعلان وحدة الموقف، بل يتطلب بناء حد أدنى سياسي وبرنامجي واضح، يحدد القضايا التي يتفق حولها مكوناته، والمساحات التي يسمح فيها بالاختلاف، وآليات اتخاذ القرار وتسوية النزاعات.

وهنا ينبغي طرح سؤال صريح: هل يراد للتحالف أن يكون إطارًا انتخابيًا لتجميع الأصوات، أم مشروعًا سياسيًا قادرًا على إنتاج بديل ديمقراطي واجتماعي متماسك؟

إذا كان الهدف هو بناء بديل، فإن الأمر يتطلب أكثر من بيانات مشتركة وخطاب نقدي موحد؛ إنه يحتاج إلى برنامج قابل للتنفيذ، وأولويات اجتماعية واضحة، وخطاب مفهوم لدى المواطنين، وآليات للمحاسبة الداخلية، واستعداد لتحمل مسؤولية القرارات المتخذة.

كما أن استقلالية اليسار لا تعني الانعزال عن بقية الفاعلين، وإنما تعني امتلاك القدرة على اتخاذ القرار دون تبعية، وبناء التحالفات على أساس واضح، ورفض تحويل التوافق إلى غطاء للتنازل عن المبادئ أو تحويل الاختلاف إلى مبرر لقطع كل جسور التواصل.

فالتحالف الناجح ليس ذلك الذي يلغي الاختلاف، بل الذي ينظم الاختلاف ويمنعه من التحول إلى عامل شلل.

يستحق موقف اليسار من حزب العدالة والتنمية نقاشًا مستقلًا، بالنظر إلى ما يمثله الحزب من تجربة في المعارضة وتدبير الحكومة، وإلى موقعه في التنافس السياسي المغربي. ومن الضروري هنا التمييز بين نقد مرجعية الحزب، وتقييم أدائه الحكومي، ومساءلة مواقفه الراهنة، والحكم على أهليته لبناء تقاطعات سياسية في ملفات محددة.

فهذه مستويات مختلفة لا يصح دمجها في حكم واحد. قد يختلف اليسار مع المرجعية الفكرية للعدالة والتنمية، أو ينتقد اختياراته الاقتصادية والاجتماعية، أو يسجل عليه تناقضات في الممارسة؛ لكن ذلك لا يمنع من فحص مواقفه في قضايا الديمقراطية والحريات ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة، كلٌّ على حدة، ووفق معايير معلنة.

إن الموقف السياسي الناضج لا يسأل فقط: من هو الحزب الذي أمامي؟ بل يسأل أيضًا: ما القضية المطروحة؟ وما موقف هذا الحزب منها؟ وما حدود الاتفاق والاختلاف؟ وما النتائج المترتبة على أي تقارب أو تباعد؟

ومن الخطأ، في المقابل، افتراض أن العدالة والتنمية يبني تحالفاته دائمًا على التمييز الدقيق بين المبدئي والمرحلي؛ فهذا حكم يحتاج بدوره إلى إثبات من خلال مواقف الحزب وممارساته. والأدق أن يقال إن كل حزب مطالب بإظهار قدرته على التمييز بين ثوابته المرجعية، واختياراته الاستراتيجية، وتكتيكاته الظرفية.

وبهذا المعيار، لا يُمنح العدالة والتنمية صك براءة سياسية، كما لا يُحكم عليه بالإقصاء المسبق. بل يخضع، شأنه شأن تحالف اليسار وبقية الأحزاب، للمساءلة نفسها.

إن الخصومة السياسية لا تقتضي نزع الشرعية عن الخصم، والتنافس الانتخابي لا يبرر تحويل الاختلاف إلى قطيعة دائمة. وقد يكون الاتفاق في قضية محددة ممكنًا رغم الاختلاف في قضايا أخرى، دون أن يعني ذلك اندماجًا إيديولوجيًا أو تحالفًا انتخابيًا شاملًا.

والسؤال الذي يستحق أن يوجه إلى الطرفين معًا هو: هل نبحث عن نقاط الاتفاق الممكنة لخدمة الديمقراطية والمجتمع، أم نبحث عن أسباب إضافية لتعميق المسافة بين القوى التي تدعي الدفاع عن الإصلاح؟

من أكثر الإشكالات تعقيدًا في العمل الحزبي العلاقة بين المبدأ والممارسة. فالمبادئ تحدد الاتجاه العام، لكنها لا تقدم دائمًا أجوبة جاهزة عن كل حالة جزئية. أما الممارسة فتجري داخل واقع متغير، تتداخل فيه موازين القوى، والإمكانات المتاحة، والالتزامات القانونية، وحسابات النتائج.

وعليه، فإن التمييز بين الموقف المبدئي والموقف المرحلي ليس دعوة إلى ازدواجية الخطاب، ولا ترخيصًا بالتراجع عن الالتزامات، وإنما هو ضرورة لفهم كيفية تنزيل المبادئ في واقع لا تتحكم فيه جهة سياسية واحدة.

فقد يكون الموقف المبدئي ثابتًا، بينما تتغير الوسائل المعتمدة للدفاع عنه. وقد يكون الامتناع عن تحالف معين تعبيرًا عن استقلالية سياسية، وقد يصبح رفض كل أشكال التنسيق، دون تمييز بين القضايا والسياقات، سببًا في تقليص القدرة على التأثير.

لكن المرونة السياسية ليست فضيلة مطلقة؛ إذ تتحول إلى انتهازية حين تخفي تناقضًا جوهريًا بين الخطاب والممارسة، أو حين يُبرر التراجع عن الالتزامات باسم الواقعية دون تقديم تفسير مقنع للرأي العام.

ومن هنا، فإن أي تقارب سياسي يحتاج إلى أربعة شروط: وضوح الغاية، وشفافية التفاوض، واحترام المرجعية المعلنة، وإمكانية محاسبة الأطراف على ما اتفقت عليه.

ولا بد كذلك من التمييز بين التوافق حول ملف جزئي، والتنسيق البرلماني، والتحالف الانتخابي، والمشاركة الحكومية. فهذه صيغ مختلفة في طبيعتها وآثارها، ولا يصح التعامل معها كما لو كانت مستوى واحدًا من الالتزام السياسي.

إن السؤال ليس: هل نتفق مع هذا الحزب أم نختلف معه؟ بل: حول ماذا نتفق، وفي أي إطار، وبأي ضمانات، وإلى أي مدى، وما الثمن السياسي والبرنامجي لهذا الاتفاق؟

من الضروري، في أي نقاش سياسي جاد، التمييز بين معارضة الحكومة ومعارضة نظام الحكم، لأن الخلط بينهما يؤدي إلى سوء فهم سياسي وقانوني، وقد يحجب طبيعة الخلاف الحقيقي.

فمعارضة الحكومة تعني نقد برنامجها، وسياساتها العمومية، وتدبيرها للموارد، ونتائجها الاجتماعية والاقتصادية، ومساءلة أعضائها عن أدائهم. وهي ممارسة أصيلة في النظام الديمقراطي، لا تستقيم الحياة البرلمانية دونها، ولا تعني في حد ذاتها رفض النظام الدستوري الذي تعمل الحكومة في إطاره.

أما النقاش حول طبيعة النظام السياسي وتوزيع السلط وحدود الاختصاصات، فيتعلق بمستوى آخر من النقاش الدستوري والمؤسساتي، ويقتضي تحديد المقصود من الإصلاح المقترح، وأدواته القانونية، وشروطه السياسية.

وينص الفصل الأول من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على أن نظام الحكم بالمغرب ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية. كما ينظم الدستور اختصاصات المؤسسات وعلاقاتها، ويحدد الفصل 47، ضمن مقتضيات أخرى، كيفية تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب.

وبناء عليه، فإن نقد حكومة معينة لا يساوي تلقائيًا معارضة الملكية، كما أن الدعوة إلى توسيع الاختصاصات البرلمانية أو إعادة النظر في التوازن بين السلط لا يمكن تقييمها بمجرد الشعارات، وإنما ينبغي فحص مضمونها الدستوري والمؤسساتي.

إن المسؤولية الفكرية تقتضي من كل خطاب سياسي أن يحدد بدقة موضوع اعتراضه: أهو برنامج حكومي؟ أم ممارسة مؤسساتية؟ أم توزيع دستوري للاختصاصات؟ أم تصور شامل لإعادة بناء النظام السياسي؟

فكل مستوى له منطقه وحججه وآليات التغيير المرتبطة به. وخلط المستويات قد يؤدي إلى تحميل المواقف أكثر مما تحتمل، أو إلى تحويل خلاف سياسي قابل للنقاش إلى اتهام متبادل يصعب معه الحوار.

يحتل النقاش حول الملكية الدستورية والملكية البرلمانية موقعًا مهمًا في الفكر السياسي المغربي، ولا سيما لدى تيارات من اليسار التي تعتبر الإصلاح الديمقراطي وتطوير التوازن بين المؤسسات جزءًا من مشروعها السياسي.

غير أن المفاهيم، مهما كانت جاذبيتها النظرية، تحتاج إلى ضبط دقيق قبل تحويلها إلى شعارات سياسية. فالملكية الدستورية مفهوم واسع، يشير إلى خضوع ممارسة السلطة لقواعد دستورية تنظم الاختصاصات والعلاقات بين المؤسسات. أما الملكية البرلمانية، في سياقاتها المقارنة، فتقوم عادة على دور مركزي للبرلمان المنبثق عن الانتخابات في تشكيل الحكومة ومساءلتها، مع تحديد دستوري لدور الملك أو العاهل.

ولا يعني ذلك أن جميع الملكيات البرلمانية تتطابق في نماذجها، أو أن نقل تجربة دستورية من بلد إلى آخر ممكن دون مراعاة خصوصياته التاريخية والمؤسساتية. كما لا يجوز اختزال النقاش في مقابلة لغوية بين مفهومين، دون تحليل الاختصاصات الفعلية وآليات المسؤولية والمساءلة.

وفي الحالة المغربية، يقتضي النقاش الجاد الإجابة عن أسئلة محددة: ما الاختصاصات التي يراد تعزيزها لدى المؤسسة التشريعية؟ كيف يمكن تقوية استقلالية الحكومة ومسؤوليتها السياسية أمام البرلمان؟ ما حدود الرقابة البرلمانية على السياسات العمومية؟ وكيف يمكن تطوير فعالية المؤسسات الرقابية والقضائية، وضمان الفصل بين السلط وتوازنها وفق الدستور؟

كما يقتضي توضيح المسار المقترح للتغيير: هل يتعلق الأمر بتفعيل أفضل للمقتضيات الدستورية القائمة، أم بإصلاحات تشريعية ومؤسساتية، أم بمراجعة دستورية وفق الإجراءات المقررة؟

إن الانتقال من التصور إلى التنزيل يتطلب تحديدًا للمراحل والآليات والضمانات، وتقديرًا لموازين القوى، وبناء توافقات ديمقراطية حول الإصلاحات المقترحة.

فلا تكفي المطالبة بمفهوم دستوري متقدم لإثبات واقعيته السياسية، كما لا يكفي التذرع بصعوبة التنزيل لإغلاق النقاش حول الإصلاح. المطلوب هو الجمع بين وضوح الوجهة ودقة الوسائل، وبين الجرأة الفكرية والمسؤولية السياسية.

لا يمكن لأي حزب أن يستمر دون مبادئ تؤطر اختياراته وتمنحه هويته. فالخطوط الحمراء ضرورية حين تتعلق بالديمقراطية، والحقوق والحريات، والنزاهة، واستقلالية القرار، ورفض الفساد، واحترام كرامة الإنسان.

لكن الإشكال يبدأ حين تتوسع دائرة الممنوعات السياسية إلى درجة يصبح معها كل اختلاف سببًا للقطيعة، وكل تقاطع تكتيكي شبهة، وكل مراجعة دليلًا على التراجع. عندها قد تتحول المبادئ من مرجعية موجهة إلى جدران تعزل الحزب عن المجتمع وعن إمكانات التأثير.

ويجب التمييز هنا بين الاستقلالية والعزلة. فالاستقلالية هي القدرة على اتخاذ القرار بحرية، أما العزلة فهي النتيجة التي قد تترتب على العجز عن بناء العلاقات والتوافقات الضرورية. وقد يكون الحزب مستقلًا وهو ينسق مع خصومه في ملف محدد، كما قد يكون معزولًا رغم كثرة شعاراته وصرامة خطابه.

ولا تُقاس قوة المبدأ بعدد الخصوم الذين يصنعهم، بل بقدرته على إنتاج ممارسة منسجمة، وإقناع المواطنين، وتوسيع دائرة الإصلاح، دون التفريط في الأسس التي يقوم عليها المشروع السياسي.

وعلى هذا الأساس، يحتاج اليسار إلى مراجعة مستمرة لحدود الخطوط الحمراء، ليس بهدف التخلي عنها، وإنما لتمييز ما هو مبدئي فعلًا مما هو تقدير سياسي قابل للنقاش والتغيير.

فليس كل اختلاف تنازلًا، وليس كل توافق انتهازية، وليس كل رفض دليلًا على الصلابة. إن معيار الحكم هو مضمون الموقف، وسياقه، ونتائجه، ومدى انسجامه مع الالتزامات المعلنة.

إن النقد السياسي يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته حين يتجه إلى الخارج وحده، ولا يطال الممارسة الذاتية. وإذا كان من حق تحالف اليسار أن ينتقد الحكومة والأحزاب الأخرى، فإن من حق الرأي العام، في المقابل، أن يسائله عن حصيلة أدائه، وفعالية تنظيمه، وقدرته على تجديد خطابه، ومدى قربه من انتظارات الفئات الاجتماعية التي يدعي تمثيلها.

ويشمل هذا النقد أسئلة التنظيم والقيادة، وتجديد النخب، وتمثيلية الشباب والنساء، وآليات اتخاذ القرار، والقدرة على تحويل المرجعية الفكرية إلى برامج قابلة للقياس، فضلًا عن مدى التواصل مع المواطنين خارج المناسبات الانتخابية.

فاليسار الذي يدعو إلى الديمقراطية في الدولة والمجتمع مطالب بتجسيدها داخل مؤسساته. والذي يطالب بالشفافية في تدبير الشأن العام مطالب بإعمالها في تنظيمه وقراراته. والذي ينتقد احتكار السلطة مطالب بإثبات أن آليات تداول المسؤولية والمحاسبة الداخلية ليست مجرد مبادئ معلنة.

ولا يعني هذا أن الأحزاب اليسارية وحدها مطالبة بالنقد الذاتي، بل إن المسؤولية تشمل مختلف الفاعلين السياسيين. غير أن استدعاء المرجعية التقدمية يرفع سقف الانتظارات، ويجعل التناقض بين الخطاب والممارسة أكثر كلفة من الناحية الرمزية والسياسية.

ومن ثم، فإن المراجعة المطلوبة ليست مراجعة للمبادئ الديمقراطية والاجتماعية، بل مراجعة للوسائل التي يُراد بها تحقيقها، وللخطاب الذي تُعرض به على المجتمع، وللتحالفات التي يمكن أن توسع دائرة التأثير أو تضيقها.

يقودنا هذا التحليل إلى أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في اختلاف تحالف اليسار مع حزب العدالة والتنمية، ولا في دفاعه عن استقلالية اليسار أو عن تصور معين للإصلاح الدستوري؛ فهذه كلها قضايا مشروعة في التنافس الديمقراطي. وإنما يكمن في ضرورة تحويل المواقف المعلنة إلى رؤية متماسكة، تُميز بين مستويات الخلاف، وتفصل بين الحكم على الأشخاص وتقييم الممارسات، وبين المرجعية الفكرية والحسابات الظرفية.

كما أن نقد التشنج والأحكام المسبقة ينبغي أن يظل معيارًا عامًا، لا أن يتحول بدوره إلى حكم مسبق على تحالف اليسار أو على خطابه. فالتقييم المنصف يستلزم العودة إلى التصريحات الأصلية، وسياقاتها، وما إذا كانت تعكس موقفًا مؤسساتيًا للتحالف أم اجتهادًا سياسيًا لأحد مكوناته أو قياداته.

إن النضج السياسي يقتضي أن تكون المواقف قوية بحججها لا بحدة عباراتها، وأن تكون المبادئ مرجعًا للعمل لا ذريعة للانغلاق، وأن تكون التحالفات وسيلة لتحقيق أهداف معلنة لا غاية في ذاتها.

إن الحوار الهادئ مع تحالف اليسار ينبغي أن يكون مدخلًا إلى حوار أوسع حول مستقبل اليسار المغربي، وحدود المعارضة، وإمكانات الإصلاح، وشروط بناء بديل ديمقراطي واجتماعي قادر على استعادة ثقة المواطنين.

فالمطلوب ليس يسارًا يتخلى عن مرجعيته حتى يرضي الآخرين، ولا يسارًا يجعل من الاختلاف مع الجميع دليلًا على نقاء موقفه؛ المطلوب يسار يملك وضوح المبادئ ومرونة الوسائل، وشجاعة النقد الذاتي، والقدرة على التفاوض دون تبعية، والرفض دون تشنج، والاختلاف دون إقصاء.

وبالمثل، فإن حزب العدالة والتنمية وغيره من الفاعلين لا ينبغي أن يُقاسوا بما يثيرونه من انطباعات مسبقة، وإنما بما يقدمونه من برامج ومواقف وممارسات قابلة للفحص والمساءلة. فالديمقراطية لا تقتضي محبة الخصم، وإنما تقتضي الاعتراف بحقه في الاختلاف، وإخضاع الجميع للقواعد والمعايير نفسها.

إن السياسة التي لا تنتج بدائل تظل أسيرة الاحتجاج، والسياسة التي لا تراجع وسائلها تتحول إلى تكرار، والسياسة التي تختزل الخصم في صورته النمطية تفقد قدرتها على فهم الواقع وتغييره.

يتوقف أفق اليسار المغربي على قدرته على تجاوز ثلاثة اختلالات محتملة: التشتت التنظيمي، والجمود الخطابي، وضعف الصلة بين المرجعية الفكرية والانتظارات الاجتماعية.

ويستدعي ذلك الانتقال من خطاب يكتفي بتشخيص الأعطاب إلى مشروع يحدد أولويات ملموسة في التشغيل، والتعليم، والصحة، والعدالة المجالية، والحريات العامة، ومحاربة الفساد، وجودة الخدمات العمومية. كما يتطلب بناء علاقات سياسية على أساس القضايا والبرامج، لا على أساس الاصطفاف الآلي أو الخصومة الدائمة.

ومن الضروري كذلك أن ينفتح اليسار على التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، ولا سيما تغير انتظارات الشباب، واتساع الفضاء الرقمي، وتراجع الثقة في الخطابات التقليدية، والحاجة إلى أشكال جديدة من المشاركة السياسية والمساءلة.

أما على مستوى الإصلاح الدستوري، فإن المطلوب هو الانتقال من التعميمات إلى مقترحات دقيقة، تحدد الاختصاصات والضمانات وآليات التنفيذ، وتربط الإصلاح السياسي بتحسين حياة المواطنين وتعزيز فعالية المؤسسات.

أولًا، اعتماد مبدأ التريث التحليلي قبل إطلاق الأحكام العامة، مع التمييز بين التصريح الفردي والموقف الرسمي للتحالف أو لأحد مكوناته.

ثانيًا، وضع إطار معلن للتحالفات يحدد المبادئ غير القابلة للمساومة، ومجالات التنسيق الممكن، وشروط إنهاء أي توافق عند الإخلال بالتزاماته.

ثالثًا، اعتماد معايير موضوعية موحدة لتقييم جميع الأحزاب، بما فيها مكونات تحالف اليسار والعدالة والتنمية، بعيدًا عن الانتقائية أو الأحكام الإيديولوجية المسبقة.

رابعًا، ضبط المصطلحات الدستورية والسياسية، وتوضيح الفرق بين معارضة الحكومة ونقد الممارسة المؤسساتية والدعوة إلى الإصلاح الدستوري.

خامسًا، تعزيز النقد الذاتي داخل الأحزاب، وربط المسؤولية التنظيمية بالمحاسبة، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء والكفاءات المستقلة.

سادسًا، تحويل الخطاب اليساري إلى برامج اجتماعية قابلة للقياس والتقييم، مع تحديد الأولويات والكلفة والآجال والجهات المسؤولة عن التنفيذ.

سابعًا، بناء ثقافة سياسية تقبل الاختلاف، وتتيح التقاطع حول القضايا المشتركة، دون أن تجعل من التنسيق تنازلًا عن الهوية أو من الخصومة السياسية مبررًا للإقصاء.

ثامنًا، إخضاع النقاش حول الملكية البرلمانية والإصلاح الدستوري للتحليل القانوني والمؤسساتي الدقيق، وربطه بآليات التغيير المنصوص عليها في الدستور، وبالأهداف الديمقراطية والاجتماعية المرجوة.

إن الرهان النهائي ليس أن ينتصر حزب على حزب في سجال إعلامي، بل أن ينتصر المجتمع على أسباب العزوف وفقدان الثقة، وأن تستعيد السياسة معناها باعتبارها مجالًا للتنافس المسؤول، وبناء البدائل، وتحقيق المصلحة العامة. ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق أن يظل مفتوحًا أمام تحالف اليسار المغربي وبقية الفاعلين هو: كيف ننتقل من إعلان المواقف إلى صناعة التأثير، ومن صرامة الشعارات إلى قوة البرامج، ومن إدارة الاختلاف إلى بناء أفق ديمقراطي مشترك؟

Exit mobile version