المغرب: تصريح المنصوري يصطدم ـ بحسب منتقديه ـ بـ«المعلوم من الدين بالضرورة» وأسئلة الدستور وإمارة المؤمنين وخطبة الجمعة

أثارت التصريحات المنسوبة إلى فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة، بشأن اعتبار الدين مسألة فردية وعدم وجود علاقة بين الدين والسياسة، جدلاً واسعاً في المغرب، بعدما اعتبر منتقدون أن هذا الطرح يفتح نقاشاً أعمق بكثير من حدود التصريح السياسي، يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدين والدولة والسياسة داخل النموذج المغربي.
وتكتسب القضية حساسيتها من كونها لا تُطرح في دولة تفصل دستورياً بين الدين والدولة، وإنما في المملكة المغربية التي ينص دستورها صراحة على أن الإسلام دين الدولة، فيما يخصص الفصل 41 مكانة دستورية واضحة لإمارة المؤمنين وللمجلس العلمي الأعلى.
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي:
هل يمكن في المغرب الحديث عن الدين باعتباره شأناً فردياً لا علاقة له بالسياسة، بينما ينص الدستور نفسه على حضور الدين داخل بنية الدولة ومؤسساتها؟
بين القناعة الشخصية وطبيعة الدولة
من حق أي سياسي، كما من حق أي مواطن، أن ينظر إلى الدين من زاوية شخصية وأن يؤكد أهمية حرية الفرد في علاقته بعقيدته وعبادته.
لكن عندما يتعلق الأمر بالدولة المغربية، فإن النقاش يتجاوز القناعة الشخصية إلى طبيعة النظام الدستوري نفسه.
فالفصل 41 من دستور 2011 ينص على أن الملك هو أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية، كما يرأس المجلس العلمي الأعلى، ويعتبر هذا المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تعتمد رسمياً في المسائل المحالة إليه. وينص الفصل نفسه على أن الملك يمارس الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين بواسطة ظهائر.
أي أن الدين، في الحالة المغربية، ليس مجرد ممارسة فردية خارج المجال المؤسساتي.
إنه حاضر في النص الدستوري نفسه.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان الدين شأناً فردياً محضاً لا علاقة له بالسياسة والدولة، فما تفسير وجود هذه المقتضيات الدستورية الخاصة بإمارة المؤمنين والمجلس العلمي الأعلى؟
عندما دخل الدستور إلى خطبة الجمعة
الممارسة السياسية المغربية تقدم بدورها مثالاً يصعب تجاهله.
ففي يونيو 2011، وقبل الاستفتاء على دستور المملكة، عممت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خطبة جمعة موحدة على مساجد المملكة تناولت مشروع الدستور، وتضمنت ـ بحسب تقارير صحفية آنذاك ـ دعوة إلى المشاركة في الاستفتاء والتصويت بـ«نعم». كما تحدثت الخطبة عن مرتكزات مشروع الدستور، واستندت إلى آيات وأحاديث في سياق توجيه المصلين.
هذه الواقعة ليست مسألة فقهية، وإنما واقعة سياسية ومؤسساتية موثقة.
فالدستور وثيقة سياسية وقانونية، والاستفتاء عليه ممارسة سياسية ومدنية، ومع ذلك وجد طريقه إلى منبر الجمعة.
وهنا يطرح الواقع المغربي سؤالاً بالغ الدلالة:
إذا كانت السياسة والدين منفصلين تماماً، فكيف وصل النقاش حول الدستور إلى خطبة الجمعة الرسمية؟
لا يعني ذلك بالضرورة أن كل خطاب ديني هو خطاب سياسي، ولا أن كل قضية وطنية ينبغي أن تتحول إلى مسألة دينية؛ لكنه يكشف أن الدولة المغربية تعاملت، في لحظات معينة، مع المنبر الديني باعتباره جزءاً من أدوات التواصل والتأطير في قضايا وطنية كبرى.
الأضحية عام 2025… حين أصبح القرار الديني شأناً وطنياً
مثال آخر أكثر وضوحاً وقع في فبراير 2025.
فقد وجه الملك محمد السادس، بصفته أميراً للمؤمنين، رسالة إلى الشعب المغربي دعا فيها إلى عدم القيام بشعيرة ذبح أضحية العيد في تلك السنة، مستنداً إلى الظروف المناخية والاقتصادية وتراجع أعداد الماشية، وإلى ما وصفته الرسالة بالمصلحة الشرعية ورفع الحرج والضرر.
واللافت هنا أن الرسالة لم تقدم الموضوع باعتباره قراراً اقتصادياً محضاً، بل ربطته صراحة بمسؤولية أمير المؤمنين والساهر على إقامة شعائر الدين.
وهذه واقعة رسمية لا تحتاج إلى تأويل.
فالملك خاطب عموم المغاربة في موضوع يتعلق بشعيرة دينية، واتخذ موقفاً عاماً منها في إطار اختصاصاته المرتبطة بإمارة المؤمنين.
ومن هنا يعود السؤال:
هل يمكن وصف الدين في المغرب بأنه شأن فردي فقط، في الوقت الذي تدخل فيه مؤسسة إمارة المؤمنين، دستورياً وعملياً، في قضايا مرتبطة بالشعائر الدينية العامة؟
إمارة المؤمنين… الحلقة التي يصعب تجاوزها
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في النقاش كله.
فالمغرب لا يقدم نفسه كنموذج علماني بالمعنى الفرنسي الصارم، كما أنه ليس دولة دينية يحكمها رجال الدين.
إنه نموذج دستوري خاص يجمع بين الملكية الدستورية، والإسلام دين الدولة، وإمارة المؤمنين، والمؤسسات السياسية والمدنية الحديثة.
والدستور نفسه يميز بين الصلاحيات الدينية للملك في الفصل 41 ومهامه كرئيس للدولة في الفصل 42.
وهذا التمييز مهم جداً، لأنه يعني أن المشرّع الدستوري لم يتعامل مع الدين باعتباره مجرد شأن خاص بالمواطنين، بل خصص له مكاناً مؤسساتياً مستقلاً داخل الوثيقة الدستورية.
ومن هنا فإن الحديث عن العلاقة بين الدين والسياسة في المغرب لا يمكن أن يستند فقط إلى النماذج الغربية، لأن الحالة المغربية لها بنيتها الدستورية الخاصة.
هل المشكلة في الدين أم في توظيفه سياسياً؟
ربما يكون السؤال الأكثر دقة هو: هل المطلوب فصل الدين عن السياسة، أم منع توظيف الدين في الصراع السياسي؟
فهناك فرق بين الأمرين.
أن يكون الدين حاضراً في هوية الدولة ومؤسساتها الدستورية لا يعني أن كل قرار سياسي يجب أن يقدم باعتباره حكماً دينياً.
وفي المقابل، فإن الدعوة إلى عدم توظيف الدين سياسياً لا تعني أن الدين يمكن محوه من المجال العام في دولة ينص دستورها على إسلامية الدولة وعلى اختصاصات دينية للملك.
وهنا تقع المنطقة الرمادية التي تجعل النقاش أكثر تعقيداً.
فالمواطن له دينه ومعتقده وشعائره، والدولة لها مؤسساتها وقوانينها، والملك له موقع دستوري بوصفه أميراً للمؤمنين، فيما تمارس الحكومة والبرلمان والأحزاب أدوارها السياسية والمدنية.
«المعلوم من الدين بالضرورة»… من يملك حق التوصيف؟
أما العبارة التي أصبحت محوراً في الجدل، أي القول إن التصريح يصطدم بـ«المعلوم من الدين بالضرورة»، فينبغي التعامل معها صحفياً بحذر.
فهي في أصلها مصطلح فقهي وعقدي، وليست معياراً صحفياً للحكم على تصريحات السياسيين.
لذلك فإن السؤال الصحفي الأكثر أهمية ليس إصدار حكم ديني على المنصوري، وإنما البحث في مضمون التصريح نفسه ووضعه أمام حقيقة دستورية لا خلاف حولها:
المغرب دولة ينص دستورها على إسلام الدولة، ويمنح إمارة المؤمنين اختصاصات دينية واضحة، ويقر بوجود مجلس علمي أعلى ذي اختصاص رسمي في الفتاوى المحالة إليه.
وهذه الوقائع وحدها كافية لطرح علامات استفهام حول حدود القول إن الدين «لا علاقة له بالسياسة» داخل النموذج المغربي.
السؤال الذي سيبقى مفتوحاً
في النهاية، لا يتعلق الجدل فقط بفاطمة الزهراء المنصوري، ولا بموقفها الشخصي من الدين.
إنه نقاش حول النموذج المغربي نفسه.
هل الدين في المغرب شأن فردي؟
نعم، من حيث ممارسة الإنسان لعقيدته وعبادته وحريته الدينية.
لكن هل هو شأن فردي فقط؟
هنا يصبح الجواب أكثر تعقيداً، لأن الدستور يقول إن الإسلام دين الدولة، والفصل 41 يمنح الملك اختصاصات دينية بصفته أميراً للمؤمنين، والمجلس العلمي الأعلى مؤسسة دستورية، فيما تكشف الممارسة الرسمية، من خطبة دستور 2011 إلى رسالة الأضحية سنة 2025، أن الدين تداخل في مراحل مختلفة مع قضايا ذات طبيعة وطنية وسياسية.
لذلك فإن السؤال الذي تطرحه تصريحات المنصوري ليس:
هل تؤمن فاطمة الزهراء المنصوري بأن الدين فردي أم جماعي؟
بل السؤال الأعمق:
كيف يمكن أن تكون علاقة الدين بالسياسة «منعدمة» في دولة جعل دستورها للإسلام مكانة دستورية، ولأمير المؤمنين اختصاصات دينية، وللمؤسسة العلمية الرسمية دوراً في الفتوى؟
وهنا تحديداً، يبدو أن الجدل أكبر من تصريح سياسي عابر.
إنه نقاش حول حدود الدين والدولة والسياسة في المغرب، وحول مدى قدرة النخبة السياسية الجديدة على التعامل مع خصوصية نموذج دستوري لا يشبه تماماً النماذج الغربية، ولا يندرج أيضاً ضمن مفهوم الدولة الدينية التقليدية.
المغرب ليس جزيرة معزولة عن النقاش العالمي حول الدين والسياسة، لكنه أيضاً ليس نسخة من أي نموذج أجنبي. ولذلك فإن فهم العلاقة بين الدين والسياسة فيه يبدأ من الدستور، ويمر عبر إمارة المؤمنين، وينتهي عند سؤال الحريات الفردية والمجال العام.




