
الجريدةالإسبانيةالعربية/ إعداد: عبد الهادي العسلة
قدّمت رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 أمام مجلسي البرلمان، مستعرضةً مجموعة من الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تراهن الحكومة على تنفيذها خلال السنوات الخمس المقبلة، وفي مقدمتها تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وإصلاح منظومة التقاعد، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح، وإدماج الشباب في سوق الشغل، وتعزيز السيادة الاقتصادية والطاقية والمائية للمملكة.
غير أن الخطاب الحكومي، رغم تعدد الملفات التي تناولها، يطرح تساؤلات بشأن عدد من المجالات التي غابت عنها الإشارة المباشرة، وفي مقدمتها السياسة الخارجية والثقافة والبيئة، فضلاً عن مغاربة العالم، الذين يتجاوز عددهم ستة ملايين وفق تقديرات متداولة، ويشكلون امتداداً بشرياً واقتصادياً وثقافياً للمغرب عبر مختلف بلدان العالم.
ويأتي هذا الغياب في سياق وطني يتسم بتزايد انتظارات المواطنين، وارتفاع سقف المطالب الاجتماعية والاقتصادية، ما يجعل النقاش حول ترتيب الأولويات الحكومية أمراً مشروعاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات ترتبط بمكانة المغرب دولياً، وهويته الثقافية، ومستقبله البيئي، وعلاقته بمواطنيه المقيمين بالخارج.
مغاربة العالم.. ملايين المغاربة خارج حسابات الخطاب الحكومي؟
لعل أكثر ما يثير التساؤل في هذا السياق هو عدم تخصيص رئيسة الحكومة أي إشارة مباشرة إلى مغاربة العالم خلال خطاب تقديم البرنامج الحكومي، رغم الوزن الديمغرافي والاقتصادي والاجتماعي لهذه الفئة، التي ظلت على امتداد سنوات رافداً أساسياً للاقتصاد الوطني، وجسراً يربط المملكة بمحيطها الدولي.
فمغاربة العالم ليسوا مجرد تحويلات مالية تساهم في دعم احتياطات البلاد من العملة الصعبة، ولا مجرد مستثمرين محتملين يجري استحضارهم عند الحديث عن جاذبية الاقتصاد المغربي، بل هم مواطنون لهم انتظارات وحقوق وتطلعات، ويرتبطون بوطنهم الأم بعلاقات تتجاوز البعد الاقتصادي إلى الهوية والانتماء والمشاركة في الحياة الوطنية.
ومن تحسين الخدمات القنصلية، إلى تسهيل الاستثمار ونقل الخبرات، مروراً بحماية الحقوق وتعزيز المشاركة في التنمية، تتعدد الملفات التي ينتظر مغاربة العالم أن تحظى بمكانة واضحة ضمن السياسات العمومية.
ومن هنا، يبرز السؤال: كيف يمكن الحديث عن برنامج حكومي يمتد لخمس سنوات، ويستهدف تعزيز التنمية الوطنية، دون أن يحضر مغاربة العالم في خطاب تقديمه، ولو من خلال إعلان توجهات واضحة بشأن انتظاراتهم وأولوياتهم؟
إن القضية لا تتعلق بمجرد ذكر هذه الفئة في خطاب رسمي، بل بمدى الاعتراف بموقعها ضمن الرؤية الحكومية، وبوجود التزامات عملية تترجم هذا الاعتراف إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم.
السياسة الخارجية.. أين موقع الدبلوماسية في أولويات الحكومة؟
في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، وتنافساً متزايداً على الأسواق والموارد ومناطق النفوذ، تكتسي السياسة الخارجية أهمية استراتيجية بالنسبة إلى المغرب، الذي يراهن على تعزيز حضوره الإقليمي والدولي، وتوسيع شراكاته الاقتصادية، والدفاع عن مصالحه الوطنية.
وتتجاوز أهمية هذا المجال حدود العلاقات الدبلوماسية التقليدية، لتشمل الاستثمار والتجارة والأمن الطاقي والغذائي، والتعاون الإفريقي، والشراكات مع الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن القضايا الإقليمية والدولية التي تؤثر في مصالح المملكة.
وفي هذا السياق، يثير غياب الإشارة المباشرة إلى السياسة الخارجية في خطاب تقديم البرنامج الحكومي تساؤلات بشأن موقع الدبلوماسية ضمن الرؤية الحكومية للفترة 2026–2031، ومدى حضورها في التصور العام للتنمية وتعزيز مكانة المغرب في محيطه الدولي.
فالدبلوماسية لم تعد ملفاً منفصلاً عن الأولويات الداخلية، بل أصبحت أداة أساسية لتأمين المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، واستقطاب الاستثمارات، وفتح آفاق جديدة أمام المقاولات المغربية، وتعزيز موقع المملكة في عالم تتغير موازين القوى فيه باستمرار.
الثقافة.. ملف غائب عن خطاب التنمية؟
بدورها، لم تحظَ الثقافة بإشارة مباشرة في خطاب تقديم البرنامج الحكومي، رغم مكانتها في بناء الهوية الوطنية وصيانة الذاكرة الجماعية وتعزيز الإشعاع الحضاري للمغرب.
فالثقافة ليست قطاعاً ثانوياً يمكن تأجيل الاهتمام به إلى ما بعد معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، بل رافعة للتنمية والإبداع، ومجال قادر على خلق فرص الشغل، ودعم الصناعات الثقافية والفنية، وتعزيز حضور الإنتاج المغربي في المشهد الدولي.
كما أن دعم الفنانين والمبدعين، وتطوير البنيات الثقافية، وتوسيع الولوج إلى المكتبات والمسارح ودور الثقافة، وحماية التراث الوطني، كلها قضايا تحتاج إلى رؤية مستدامة تتجاوز التدبير الظرفي والمناسباتي.
ويطرح غياب هذا الملف عن الخطاب الحكومي سؤالاً حول المكانة التي ستحتلها الثقافة ضمن السياسات العمومية خلال السنوات المقبلة، ومدى إدماجها في التصور التنموي الذي تتبناه الحكومة.
البيئة.. تحديات المغرب أكبر من مجرد تدبير الموارد المائية
أما البيئة، فتفرض نفسها باعتبارها أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه المغرب، في ظل توالي سنوات الجفاف، وتفاقم الإجهاد المائي، وتزايد آثار التغيرات المناخية على الفلاحة والموارد الطبيعية والتوازنات المجالية.
ورغم إدراج تعزيز السيادة المائية ضمن الالتزامات المعلنة، فإن هذا التوجه يثير سؤالاً حول مدى حضوره ضمن رؤية بيئية متكاملة تشمل حماية الغابات، والحد من التلوث، وتدبير النفايات، وصيانة التنوع البيولوجي، وتطوير الاقتصاد الأخضر.
فالتحدي البيئي لا يقتصر على توفير المياه أو إنجاز البنيات التحتية، بل يتطلب سياسات متكاملة تربط بين التنمية الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية، وتضمن حقوق الأجيال المقبلة في بيئة سليمة.
ومن هذا المنطلق، فإن غياب الإشارة المباشرة إلى البيئة في خطاب تقديم البرنامج الحكومي يفتح النقاش حول موقع هذا الملف في ترتيب الأولويات، ومدى توفر الحكومة على تصور واضح لمواجهة المخاطر المناخية وتعزيز الاستدامة البيئية.
بين الالتزامات الاجتماعية والملفات الغائبة.. أسئلة مشروعة أمام الحكومة
لا خلاف على أن تحسين القدرة الشرائية، وإصلاح التقاعد، ومحاربة الفساد، وإدماج الشباب في سوق الشغل، وتحسين الخدمات العمومية، تمثل ملفات مركزية في انتظارات المغاربة. غير أن أهمية هذه الالتزامات لا تلغي الحاجة إلى رؤية حكومية شاملة تمنح مختلف المجالات الاستراتيجية المكانة التي تستحقها.
فالتنمية لا تُختزل في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وحدها، بل تشمل أيضاً الثقافة والبيئة والدبلوماسية، فضلاً عن العلاقة مع ملايين المغاربة المقيمين بالخارج، الذين يشكلون جزءاً لا يتجزأ من النسيج الوطني.
ومن هنا، فإن النقاش حول الملفات التي لم تحضر في خطاب تقديم البرنامج ليس اعتراضاً على الأولويات الاجتماعية والاقتصادية المعلنة، بقدر ما هو مساءلة لمدى شمولية الرؤية الحكومية، وقدرتها على استيعاب مختلف التحديات التي تواجه المملكة خلال السنوات الخمس المقبلة.
كما أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من إعلان الوعود إلى تحديد الالتزامات العملية، والآجال الزمنية، والموارد المالية، ومؤشرات قياس النتائج، بما يسمح للبرلمان والرأي العام بمتابعة التنفيذ ومساءلة الحكومة عن حصيلة عملها.
المغرب 2026–2031.. هل تتسع الرؤية الحكومية لكل الرهانات؟
مع انطلاق الولاية الحكومية الجديدة، يظل السؤال المطروح هو مدى قدرة حكومة فاطمة الزهراء المنصوري على تقديم رؤية متوازنة لا تكتفي بتدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية الآنية، بل تستحضر أيضاً رهانات المغرب الثقافية والبيئية والدبلوماسية، وتمنح مغاربة العالم المكانة التي تفرضها أعدادهم ومساهماتهم وانتظاراتهم.
فغياب هذه الملفات عن خطاب تقديم البرنامج الحكومي يفتح باب النقاش حول ترتيب الأولويات، ويضع الحكومة أمام مسؤولية توضيح تصوراتها بشأنها، خصوصاً أن التحديات التي تواجه المغرب لا تتوقف عند حدود الداخل، بل تمتد إلى محيط دولي متغير، وتحولات بيئية متسارعة، وانتظارات متزايدة من مواطنين يعيشون داخل المملكة وخارجها.
وفي نهاية المطاف، لن يكون الاختبار الحقيقي للحكومة في عدد الالتزامات التي أعلنتها أمام البرلمان، بل في قدرتها على تحويلها إلى نتائج ملموسة، وتقديم إجابات واضحة عن الملفات التي لم تحضر في خطابها.
فالمغرب يحتاج إلى مشروع حكومي يستجيب لحاجيات الحاضر، دون أن يغفل رهانات المستقبل، ويجعل التنمية شاملة ومتوازنة، ويضع المواطن المغربي، أينما كان، في صلب السياسات العمومية.