
إعداد: عبد الهادي العسلة
يعيش المغرب، اليوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، لحظة سياسية حاسمة مع استمرار عملية التصويت في الانتخابات التشريعية، في استحقاق ينتظر أن يعيد رسم ملامح الخريطة السياسية داخل مجلس النواب، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التحالفات والتوازنات.
ومع استمرار الاقتراع، تتجه الأنظار إلى حجم المشاركة، ولا سيما مشاركة الشباب والنساء، ومدى قدرة الأحزاب على تحويل حضورها في الحملة الانتخابية إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع، فضلاً عن أثر الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي في توجيه النقاش السياسي، ومستوى تأثير المال الانتخابي، وطبيعة الخطاب الذي طبع الحملة الانتخابية.
وفي قراءة للمشهد الانتخابي وتداعياته المحتملة، يرى الأستاذ الجامعي الدكتور المصطفى منار أن التوقعات تظل، في هذه المرحلة، مجرد تقديرات، خصوصاً في ظل القيود القانونية المفروضة على نشر استطلاعات الرأي والتوقعات الانتخابية خلال الفترة المرتبطة بالاقتراع.
ويعتبر منار أن المعطيات المتاحة قبل ظهور النتائج الرسمية لا تسمح بحسم اتجاه الخريطة السياسية المقبلة، لكنه يشير إلى أن المشهد يظل مفتوحاً أمام استمرار حضور أحزاب الأغلبية، بالتوازي مع إمكانية تسجيل بعض أحزاب المعارضة لتحسن في مواقعها الانتخابية، ومن بينها حزب العدالة والتنمية والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
ويضع الأستاذ الجامعي المشهد السياسي الحالي أمام احتمالين أساسيين: أولهما استمرار تصدر أحزاب التحالف الحكومي، مع احتمال إعادة ترتيب موازين القوى داخل مكوناته، وثانيهما تمكن أحزاب المعارضة من تحقيق مكاسب انتخابية قد تساهم في إحداث توازن أكبر داخل مجلس النواب.
غير أن منار يشدد، في المقابل، على أن أي ترجيح حاسم بين السيناريوهين يظل سابقاً لأوانه، لأن الصورة النهائية لن تتضح إلا بعد الإعلان الرسمي عن النتائج، ومعرفة نسبة المشاركة وتوزيع المقاعد، ثم متابعة ما قد يترتب عن الطعون القانونية والمشاورات السياسية اللاحقة.
وفي هذا السياق، فإن تراجع حزب من أحزاب الحكومة في عدد المقاعد لا يعني بالضرورة انهيار التحالف الحكومي أو استحالة إعادة تشكيل أغلبية تضم مكونات كانت متحالفة في المرحلة السابقة، إذ يبقى تشكيل الأغلبية مرتبطاً أساساً بالنتيجة النهائية لتوزيع المقاعد داخل مجلس النواب، الذي يضم 395 مقعداً.
ومن أكثر الملفات التي تستوقف المتابعين مستقبل العلاقة بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، وهما حزبان شاركا في التحالف الحكومي الحالي، في وقت عرفت فيه الحملة الانتخابية سجالات وتنافساً واضحاً بين مختلف مكونات المشهد الحزبي.
الأحرار والبام.. منافسة انتخابية أم خلاف قابل للاحتواء؟
ويرى الدكتور المصطفى منار أن حدة التصريحات وتبادل المواقف خلال الحملة الانتخابية قد تجعل التنسيق السياسي والانتخابي بين الطرفين أكثر تعقيداً في المستقبل، لكنه في الوقت نفسه يلفت إلى أن جزءاً من هذه التجاذبات ينبغي قراءته في سياق المنافسة الانتخابية نفسها.
ويستبعد منار أن تؤدي الخلافات الحالية، بشكل آلي، إلى إغلاق الباب نهائياً أمام أي تحالف مستقبلي بين الحزبين، موضحاً أن نتائج الاقتراع هي التي ستحدد حجم الحاجة المتبادلة إلى بناء أغلبية برلمانية جديدة.
وبحسب تحليله، فإن منطق التفاوض وإعادة ترتيب موازين القوى يمكن أن يعيد الطرفين إلى طاولة الحوار إذا أفرزت النتائج وضعية سياسية تفرض التعاون من أجل تشكيل أغلبية، خصوصاً في ظل الملفات الاستراتيجية الكبرى التي تواجه المغرب خلال المرحلة المقبلة.
ومن بين هذه الملفات، يبرز استمرار العمل على تنزيل مبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية للمغرب، إلى جانب الاستعداد للاستحقاقات الرياضية الدولية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، فضلاً عن الأوراش الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تتطلب استقراراً وتنسيقاً سياسياً ومؤسساتياً.
ويرى منار أن انتقال العلاقة بين «الأحرار» و«الأصالة والمعاصرة» من التعاون داخل الحكومة إلى منافسة انتخابية محتدمة لا يعني بالضرورة استحالة التعايش السياسي بينهما بعد ظهور النتائج.
ويذهب الأستاذ الجامعي إلى أن هذه التجاذبات قد ترفع ما يمكن وصفه بـ**«كلفة التحالف»**، لكنها لا تجعل التحالف مستحيلاً إذا فرضت الأرقام البرلمانية منطق التفاوض والتوافق.
الصندوق أولاً.. ثم تبدأ لعبة التحالفات
وبالنسبة إلى الأستاذ الجامعي، فإن صندوق الاقتراع سيظل المحدد الأساسي لحجم هذه الكلفة، إذ إن أي صيغة حكومية مقبلة ستتأثر مباشرة بحجم التمثيلية التي سيحصل عليها كل حزب، وبمدى قدرة المكونات السياسية على جمع الأغلبية المطلوبة.
وفي حال عودة التحالف بين «الأحرار» و«الأصالة والمعاصرة» ضمن صيغة حكومية مقبلة، يرى منار أن طبيعة التفاوض قد تكون مختلفة عن تلك التي أفرزتها انتخابات 2021، وقد تكون أكثر ارتباطاً بتوازنات جديدة داخل البرلمان.
لكن هذه القراءة، كما يؤكد مضمون تحليله، لا تعني أن نتيجة الانتخابات محسومة مسبقاً، ولا أن أياً من السيناريوهات المطروحة يمكن اعتباره واقعاً قبل الإعلان الرسمي عن النتائج.
وهنا تكمن أهمية يوم الاقتراع.
فكل ما قيل خلال الحملة الانتخابية، بما فيه تصريحات الأحزاب وتحليلات الخبراء والتوقعات السياسية، يبقى في نهاية المطاف جزءاً من النقاش السابق على إعلان النتيجة.
أما الكلمة الفصل، فتظل لصناديق الاقتراع.
ومع استمرار عملية التصويت في مختلف ربوع المغرب، تترقب الساحة السياسية الساعات المقبلة لمعرفة نسبة المشاركة، والنتائج الرسمية، وحجم التغيير الذي ستعرفه الخريطة البرلمانية.
بعدها فقط ستبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيداً: مرحلة قراءة الأرقام، وترجمة نتائج الصناديق إلى تحالفات وتوازنات سياسية جديدة.